محمد باقي محمد
أخيراً - وفي لفتة وفاء جميلة - نظّم مركز الفنون الجدة في الحسكة معرضاً استعاديّا للتشكيليّ الراحل عمر حسيب ، وذلك في الفترة ما بين 20 - 24 / 11 / 2010 !
وعلى نحو مُباشر ارتحلت الذاكرة خطفاً إلى الخلف ، نحو ماض أثيث ودافىء ، فتزاحمت الأخيلة كأفراس راحت تحمحم في مرسح الذاكرة ، كانت اثنتا عشرة سنة قد تصرّمت على الرحيل الفاجعيّ للفنان حسيب ، غير أنّ القامة الناحلة ما تزال مورقة في مُخيّلة ماض راح ينأى حثيثاً !
كان عمر عائداً من دمشق برفقة زوجته وطفلته ، التي لمّا تكن قد تجاوزت العامين من عمرها بعد ، فجأة اختل انتظام الطبيعة ، واعترضت شاحنة هوجاء الطريق ، لتصطدم بالحافلة التي كانت تقلّهم ، وليُسفر الحادث عن نتائج مُروّعة ، كان عدد الضحايا كبيراً ، وكان عمر وزوجته والطفلة من ضمن من اصطفاهم المولى إلى جواره !
هناك .. على المقبرة كان الموت بمعناه الماديّ الكليّ الحضور عزيفاً جنائزياً يعلو ، وكان الحضور المُكابد كقصيدة حزن أبديّة ، ثمّ كيف ننسى إيفان الطفل آنذاك ، إذ راح يبكي الراحلين بحرقة ، وكان أن تقدّمَ منه صديقنا سلمان أسعد بقصد التهدئة ، فإذا به - هو الآخر - ينخرط في بكاء مرّير من هول ما جرى !
ينتمي عمر حسيب إلى جيل الرواد ، أولئك الرعيل من الفنانين الذين اختطوا خطاً بكراً في الحركة التشكيليّة داخل المُحافظة !
وإذا كان جيل الرواد - هذا - قد احتلّ مكانه في المشهد التشكيليّ العالمي كما في حالة عمر حمدي أو يوسف عبدلكي وبشار عيسى على سبيل التمثيل لا الحصر ، إلاّ أنّ عمراً - حاله في ذلك من حال الأستاذ برصوم برصوما أو المرحوم صبري روفائيل - رفض مُغادرة بلدته النائية ، وتشبّث بترابها وبشرها على وله ، بل أنّ الأستاذ صبري - هو الآخر - كان قد غادر البلدة مُؤقتاً للحصول على عضوية أكاديمية ليوناردو دافنشي ، بينما ظلّ عمر على موقفه الرافض للمُغادرة ، حتى كأنّ ارتباطاً عضوياً شبيهاً بحبل السرة يربطه ببلدته تلك !
كان المرحوم في وقت من الأوقات طرفاً في ثلاثي فنّي ضمّه مع كل من الأستاذ مدحت عيسى والأستاذ فؤاد كمو ، لكنّه ظلّ مُنتمياً إلى القاع الاجتماعيّ ، فتحصّل على خصوصيّة طاغية ، بسبب من التزامه العميق بالشرائح الفقيرة التي قدمَ منها ، لهذا ظلّ وفياً للخطّ الواقعيّ الذي وسم تجربته ككلّ ، ولكن من غير أن يحرمها من حقها في التجريب والتجريد !
وها هو فنان كبير من وزن فاتح المُدرّس يقف بموت عمر مُلجوماً مُلوّعاً ، ثمّ يخطّ في تجربته غبّ شهر من رحيله بالقول " فنان يلوّن الأرض ، روحه من عبق السماوات الزرقاء ، في البادية السورية والهلال الخصيب ، من الحسكة حيث الأرض والناس في وحدة مُتكاملة من العواطف والمشاعر وعبادة الجمال الإنسانيّ والعمل الشاق ، عاش هذا الفنان في بيئة سوريّة ريفيّة ذات وشائج إنسانيّة عميقة الجذور مع التاريخ واللون وحركة الإنسان والأرض ، رسمها بحبّ دون السؤال عن نتائج هذه الرؤى الجمالية ! رسم الأرض والناس وهو طفل ، وعلّم من حوله محبة الشكل الجمالي لبيئته المُسالمة ذات الدفء والمحبة ، وغادرنا هكذا دون أن يخبرنا كيف عاش وكيف مات ! تاركاً خلفه تلك الابتسامة المُفعمة بقبول الحزن والجمال ! لا زلت أذكر لوحة لوجهه الذي يُشيه أرض الحسكة بجانب لوحته الأهل في القرية ، وكان وجهه يحمل تلك الابتسامة " !
والآن .. ما الذي يمكن الوقوف به في معرض تنظمَ على عجل ، معرض يُؤبّن ويُذكّر !؟ قطعاً لن يكون ثمّة خيط يلمّ اللوحات كلّها في محور ، ذلك أنّها تنتمي إلى مراحل مُختلفة من تجربة مُمتدّة في الزمان والمكان ، ناهيك عن احتكامها إلى تباين أو تطوّر في الرؤى الفنية والجمالية ، لذلك ستحضر الطبيعة الصامتة في تشكيلها الماتع والخاص ، إلى جانب المنظر الخلوي ، إلاّ أنّ عمراً لا يترك منظره خلوياً خالصاً إلاّ في ما ندر ، بل يزرع فيه بشراً مُتناثرين في عمق المشهد ، ما يمنحه حيويّة ودفئاً كبيرين ، ناهيك عن التشكيل اللونيّ المُندرج في تشكيل موضوع ما .. طبيعيّ غالباً !
الأهل في القرية .. خبز التنور .. بيوت الطين المصدورة الواطئة ، ولكن الأليفة والرحيمة .. والنساء الريفيّات ، أو أولاء المُقيمات على أطراف البلدة داخل زنار البؤس .. والمدى الوسيع .. المفتوح ، المُنضوي بحنان على مُفردات صغيرة على شكل شجرة أو اثنتين وشخوص بأحجام صغيرة في عمق اللوحة ، البورتريه لوجوه صارمة القسمات .. واضحة الملامح ، تلك هي مُفردات اللوحة عند عمر على مُستوى المضامين ، المضامين المُعبّر عنها بواقعيّة تعبيريّة غنيّة ، إلى جانب كمّ من التجريب إن على مُستوى التلوين - وعمر مُلوّن ممتاز ، تشهد على ذلك لوحاته القائمة على تشكيل لونيّ ثرّ - أو على مُستوى التجريب فالتجريد !
أمّا الألوان فسيُلاحظ طغيان الأصفر في عدد غير قليل من اللوحات ، ربّما لأنّ البلدة تتكىء على خاصرة بادية مُرمدة ، كما سيُلاحظ الاشتغال على تداخل الحار منها بالبارد في انسجام وتناغم ، ولأنّ البلدة ذاتها كانت تغفو على ضفة نهرين يوماً ، حضر الأخضر في تداخله بالأزرق ، ليشم المُفردات بالفيروزيّ ، إضافة إلى اشتغال خاصّ على التوليد اللونيّ !
أقام عمر غير معرض فرديّ أو جماعيّ ، كان أوّلها في عام ثمانية وستين وتسعمائة وألف ، هنا في المُحافظة ، وكان عمره إذاك سبعة عشر عاماً ، ثمّ عرض لوحاته في مُعظم مُحافظات القطر ، وبخاصة العاصمة دمشق ، كما شارك في معارض خارجية ، ولعلنا نتذكّر مُشاركته في المعرض الجماعيّ بالهند ، ذلك أنّه عاش للرسم وبالرسم !
لن نقول وداعاً ، بل سنقول نحن قادمون يا عمر ، ربّما لأنّه لا يطيب لنا أن ندعك لوحتك بعد ، فانتظرنا نحن قادمون !
| Comments |
|







