قصيدة للدكتورة ماجدة غضبان ، وقراءة نقدية لـ محمد باقي محمد
سؤالان
ما بداخل ِ الجدران ِ الأربعة
غيرُ الفصول ِالأربعة
النابتةِ أبداً في لِحى السراب؟
ما يفعل ُالجميع ُ
غيرَ ارتداءِ حلَّة ِالمكوث ِ
دونَ عناء ِالتجذّر ِ
في اليباب؟
جدرانٌ وقـَفْر
هل يُمكن ُللجدران ِ
أن تلقَّن َ لغة ًما؟
أو إنَّ نهداً يجرؤُ
على استمالة ِالأيدي؟
أو إنَّ أُنثى تقترفُ الاحتلام
بطريقة ٍ يجهلُها الذكورُ؟
أهناك َ بحر ٌأو نوارس
أو أنفاس ٌغيرُ لاهثة ٍ
بخوف ٍوشَبَق ٍ مكتوم؟
أو زهورٌ طافيةَ فوقَ الماء؟
أو طيورٌ بألوان ٍزاهية ٍ
وفراشات؟
أهناكَ هواءٌ لايخالطُـهُ زفير،
أو ما يكفي منه ُلأطالة ِأمَد ِالشهيق ِ؟
أتتحركُ الجدرانُ
أو ترسم ُ نفسَها على نفسِها
عارية ًمن المكوث؟
حلم ُامرأة
الكرة ُ الأرضيةُ
صغيرةٌ
تدورُ بين َنهديّ
تقترف ُالدَّعَة َ
وتنزح ُعن ميادين ِالحروب
تدورُ حول َالسـُرَّةِ
وتستنهضُ الحدائقَ فيها
والغيوم َالمُترَفة َبالمطر
المعطر
وبالفراشات ِالتي تصنع ُمن الرحيق ِ
أزهارا ًأكثرَ فتنة!
حلم ُفراشة
من ذا الذي يُعنى
بفراشة ٍكسيرة ِالأجنحة ِ
سـِوى عنكبوت َبالمرصاد ِ
وعشرات ٍمن خطوط ِالنمل ِالزاحفة ؟
من ذا الذي يـُعنى
برعشتـِها الأخيرة؟
أو بإستسلامِها ما قبل َالأخير؟
بألوانـِها قبل َأن تتدحرَج َ
من على سُفوح ِ الأجنحة ؟
باللحظات ِالتي كانتْ تحلم ُ
فيها بالتحليق ِ فوق َالغيومِ؟
أو بالتحليق ِفي الأيام ِالممطرة ؟
من ذا الذي تعنيه ُ
نظرتـَها الأخيرة َالى زرقة ِالسماء؟
إغتراب
الشاعرُ
بين َجدرانـِه ِالأربعة!
ينازل ُالفصول َالاربعة!
والليل َوالنهار
بقلمٍ وحزمة ِأوراق ٍ
يثمل ُبالقصائدِ
وبالعبير ِالمنبعث ِمن طيف ِأُنثاه
ويعانق ُبعد َحروب ٍطويلة
الوسادة َوالسرير!
الحلم أيضاً
من يجرؤُ على ارتداء ِأنوثتي
لتحل َّ مواسم ُالعشق ِ
والشبق ِ
والإرضاع
وتترجلُ الحروب ُ..عن مطاياها؟
من يجرؤُ أن يرتديَ
نهديّ
ليختبيءَ الكون ُبينـَهـُما
مَشُوبا ًبالهدوء؟
قصيدة ٌذكورية
حبيبتي
ساقان ِمن لُجين
وفخذان ِمن حنين
وبطن ٌمن عاج ٍ
ونهدان ِيضاهيان ِالقمرَ
استدارة ًوابتهاج
ونحرٌ يليق ُ باللآليء
المستكينة ِفي المحارِ
تنتظرُ إنتزاعي لها
حبيبتي
أشجارٌ كثيفة ٌ
وثمارٌ دانية ُالقطوف ِ
تصنع ُالفردوس َ من قبلة ٍ
والشلالات ِمن دموع ٍوضياء
وبروقاً تعلن ُعن قدومـِها
حبيبتي!
اغتراب ٌأيضاً
هل ثـَمـّتَ إنتحار ٌواحدٌ
بين َالجدران؟
أو نضال ٌمستميتٌ
لإحداث ِثقب ٍجسيم ٍ
يدخل ُ مِنه ُجسد ُالنهر ؟!...
أو خليج ٌ يُعانـِق ُبحراً
أو صَدْع ٍربـَّما في السقف
تَمدُّ خلالـَه السماء أناملها
الزرقاء؟!..
أو نجمة ٌواحدة ٌ تضيءُ
العراء!
أو قمرٌ لا يشبهُ
بإستدارتـِه ِنهد َإمرأة؟
الحرب
راجفة ً
يا أجنحةَ الفراشة ِالسمراء
كأنـَّك ِما كنت ِخضراء
أوزرقاء
أو صفراء
أو قوسَ قزح ٍ
يلوّن ُالحدائق َ
راجفة ً
حائرة ً!
كالسبايا بعدَ حرب
................
.................
الحربُ التي تجهلين
خارج َالإخضرار ِ
والإزرقاق ِ
والإصفرار ِ
خارج َ كل ِّالالوان !
ثورة
أيـُّها النهد ُ
تمزّقْ وتشظَّ !
وكن ْ عاريا ً
من براثن َ تُدحرِجُكَ
على سفوح ِاللذة
كن ْمرتفعا ً حتى القمم
وليكنْ تاج ُحَلَمَتِكَ
قوسَ َقزح
كن ْشفافا ً
كزهرية ٍبداخلِها
قلب ٌيتلوى
نابضا ً جروحَه ُ
بلا جدوى!
الإغتراب ُالثلاثيّ الأبعاد
الشاعرُ المصفَّدُ
ببدلتِه ِالعسكرية
مزَّق َفجأة ً
جدرانَه الأربع !
إحتمى من طيش ِالنِبال ِ
والقـِوّاد ِ
بنهديها..... ربما!
أو بقصيدة ٍسارعتْ
الى الإختباء ِ
بينَ خصلات ِشعرِها
أو بأهداب ِعينيها
أو ...ربما...بكل ِّمافيهِ
وبكلِّ ما فيها .. !
ثورة ٌايضا ً
كوني ..
غيرَ الفراشة ِالكسيرة
وغيرَ النهود ِالعابقة ِ
بالعطور!
غيرَ البطون ِالتي يتوسدُها
الذكور!
وغيرَ الأرداف ِالمحصورة ِ
بينَ قوسين!
وغيرَ السَبيـَّة ِالمبتذلة ِ
على أسلاك ِالعنكبوت!
جدران ٌوعشق
ما بداخل ِالجدران ِالأربعة
غيرُ الفصول ِالأربعةِ
والعيون ِالمنزلقة ِعلى بعض ٍ
والشفاه ِالمطبقة ِعلى بعض ٍ
والأصابع ِالعشرين؟!
" جدران " الـ - غضبان – و "فراشاتها "
بين " أسئلة " المآل والمصير !
محمد باقي محمد
لا شكّ بأنّ " جدران " ستذهب بنا جهات شتى ، إذ قد تحيل إلى بيت آمن ومنيع من جهة ، وقد تحيل إلى فاصل كتيم وصلد بيننا وبين الآخرين من جهة ثانية ، وأتوّهم أنّ المتن سيكشف عن هذا العازل لا عن الدافىء والآمن ! أمّا " أسئلة " فستحيلنا إلى المقلق والمُبهظ للذات ، ذلك أنّ المُطمئن خالي البال من الأسئلة غالباً ، في حين أنّ " فراشات " يمكن أن تؤوّل بالحركة الحرّة ، لكنّها يمكن أن تذهب جهات الكائن الباحث عن الضوء ، فإذا بها تحترق باقترابها من مصدر اللهب، والأقرب إلى منطق الكتابة أن يكون التأويل الأخير في مغازي الذات الشاعرة !
عنوان يثير هذه الأسئلة كلّها دفعة واحدة ، عبر إشارات وعلامات سيميائية ومعرفيّة لا يمكن وسمه بالإخفاق ، ذلك أنّ تلك الإشارات أو العلامات تقوم على استثارة فضول القارىء ، لتحثه على قراءة المتن ، وذلك باللعب على عنصر التشويق ، وهذه تحديداً هي أهم وظائف العناون !
هكذا - إذن - نجحت الـ : د , ماجدة الغضبان في التمهيد لقصيدتها بعتبة نصيّة ، من غير أن تفضح أسرارها كلّها دفعة واحدة ما كان سيقتل لعبة التشويق تلك من كلّ بدّ !
وهكذا - أيضاً - وعبر حركات ثمان تأتي الدكتورة الغضبان - أو شخصيّتها المحوريّة - على ما يقلقها من أسئلة ، ففي المقطع الموسوم بـ " سؤالان " تتساءل عمّا إذا كانت الجدران تخفي شيئاً سوى الفصول الأربعة ، و عمّا إذا كان الجميع خارج انتظار غير ذي جدوى غالباً ! فيما تأتي في " جدران وقفر " على سؤال مُبهظ أن هل للجدران أن تعلّمنا لغتها ، وهل تجرؤ أنثى على إعلان رغبتها في رجل ، وهل هناك بحر بلا نوارس ، أم أنّ ثمّة أنفاس لا تلهث بشبقها المكتوم !؟ ليس ثمة أزهار لا تطفو فوق الماء أو طيور بريش تختلف ألوانه أو فراشات إذن ، ولا هواء من غير زفير ، أو جدران تسجن حتى ذاتها ! وفي " حلم امرأة " تحلم امرأة بأنوثتها ، فـ " تقترف - لاحظوا دلالة المُفردة " الدعة ، وتنأى عن المعارك التي يثيرها الرجال عادة ، هي تريد عالماً من الجذاذات يقترب فيه الجل من سرّتها ! ثم تذهب في " حلم فراشة " إلى فراشة كسيرة الجناحين ، هي في جوهر المسألة معادل للمرأة ، يتربّص بها عنكبوت أو رجل ، ما يُحيلنا إلى مُجتمّع مُفوّت .. مجتمع ذي ذهنية ذكوريّة فظة ، وعليه فهكذا مُجتمع سيكون آخر ما يعنيه انكسار حلم امرأة ! لتتساءل في " اغتراب " عن ثنائية الصراع بين الشاعر والجدران الأربعة ، بين الليل والنهار ، بين الورق والحبر إذ يُسطران قصيدة حالمة بأنثى ، وواقع يدفعه لمُعانقة وسادة ! ثم ها هي في " الحلم ثانية " تتساءل إن كان ثمّة من يجرؤ أن يحلّ محلّ الأنثى في عشقها وشبقها المكبوتين ، أو يحلم بإرضاع طفلها الرضيع ، أو يدع الرجل - بل الكون - يغفو بين نهديها بهدوء !؟ وفي اللعب على التضاد ، تتلبّس " غضبان " شخصية الذكر في " قصيدة ذكورية " ، لتقارن بين حلمهما ، فإذا به لا يرى في المرأة سوى استدارة نهديها ، أو فخذيها الصقيلين كسيفين ، أو بطنها الأهيف ، واستدارة السرّة ، بما هي مادة للذّة في الفراش ! ولاشكّ أنّ مُقارنة كهذه ستقودنا إلى مقطعها الأخير كنتيجة ، فتعنونه بـ " اغتراب " للتساءل إن كان ثمّة انتحار وحيد الجانب ، في إشارة ذكية إلى أنّ الرجل إذ راح يحكم قبضته على القرار ، ضيّع سؤال السعادة ، ذلك أنّ علاقة تقوم حدّها على التماثل ، أي الخضوع ، لا على التماثل ، أي التكافؤ ، لن تمنح طرفيها الرضى والاكتفاء ، ولأنّ شراكة تقوم على النديّة غير مُدرجة على ذهنية الرجل بعد ، فلن يكون ثمة " نجمة واحدة تضيء العراء " ، أي أنّ هكذا حياة ستتصحّر كعراء مديد ، ولأنّ انتحاراً معنوياً واحداً غير مُمكن ، فلن يكون ثمّة " قمر لا يشبه في استدارته نهد امرأة " !
ليس ثمة حاجة لأن نشير بأنّ الشاعرة " غضبان " مُدركة للشعر بما هو صورة وتخييل ، كما في " قمر لا يشبه في استدارته نهد امرأة " ، أو في " خليج يُعانق بحراً ـ ولنلاحظ كيف أنسنت الجامد " ، أو في " حبيبتي .. أشجار كثيفة .. وثمار دانية للقطوف - ولنلاحظ كيف عكست العلاقة بين الأنسيّ والجامد " ، ولا نظنّ بأنّنا سنحتاج إلى التدليل على إدراج المُفردات في سياق مُبتكَر ، يمنحها الجدّة والفرادة ، ناهيك عن أنّه أي الـ " غضبان تدرك بأنّ الشعر موقف من الحياة والكون ، وأنّ الشاعر مُطالب بأن يصوغ حساسيتنا للحياة والكون ، بهذا المعنى - وبعيداً عن التأويل الديني للمُصطلح ، على الرغم من الوجود المُضمَر والكثيف للميثولوجي في تكوين رؤية الفرد للعلائق - يكون الشاعر نبيّ العصر وشهيده بآن !
ولأنّ القصيدة طويلة بحدود ، ولأنّ المُحافظة على اللحظة الشعريّة في توّهجها أمر مُشكل ، لجأت الشاعرة إلى التقطيع ، فالعنونة الفرعيّة ، فتوزّع التوهّج على غير مقطع ، ولم يغب عنها مفهوم التكثيف ، أي - وبشيء من التبسيط - أن نقول أكثر ما يُمكن من المعاني بأقل ما يُمكن من المُفردات ، لذلك أعملت الشاعرة مبدأ الحذف والاصطفاء في الشكل والمضمون ، ومبدأ الاقتصاد اللغويّ ، لتنأى بنصّها عن الإنشاء الفائض ، أي عن الترهّل ! ثمّ أنّ اللغة - عبر التورية والانزياح والإبدال والإيحاء والإحلال - جاءت مُجنحّة ، فلقد انزاحت عن الدارج جهة الغريب والمُتفرّد ، هي تشي حينا ، وحيناً توارب .. تقول ولا تقول ، وتترك للمُخيّلة مهمّة الإكمال ، لتبثّ في متنها عبر المُقارنة بين حلم المرأة وحلم الرجل في صراعهما المُحتدم توتراً / أكسب النصّ فيضاً غنائيّاً درامياً ضاقياً ، ولا نظن بأنّ الخواتيم قصرّت في الاشتغال على المُدهش ، أي على المُفارق والصادم ، لتلعب دورها في الكشف والتنوير ، وليتأتى للقصية أن تكون نقطة تقاطع وبؤرة تفجير بآن ، هذا إذا انطلقنا من افتراض أنّ العمل الفنّي كتلة مُتماسكة تستمدّ معناها من اشتباك عناصرها الوظائفيّ !
ربّ قائل ولكن الـ " غضبان " لم تغادر الخطاب الأنثوي التقليديّ الشعبويّ في شقيه المُتشكي من ظلم الشريك ، أو المُتماهي به في نشدان علاقة مُتكافئة لا تتحقق غالباً ، هذا إذا استثنينا لهجة الاحتجاج الصريح أو المُضمر المبثوثة بكثافة في ثنايا المتن ، ولكن ألا يترجم هذا الخطاب انعكاس الاجتماعيّ والاقتصاديّ والثقافي - بل - والسياسي أيضاً في ثناياه على نحو غير مُباشر غالباً ، ومُباشر أحياناً ، شريطة ألاّ تنسى المرأة أنّها مواطنة كاملة المواطنة ، وأنّ الشأن العام يعنيها تماماً كما يعني الرجل ، ما قد يقتضي التنويه !
عن قصيدة للشاعرة منشورة في مركز النور
روج افا نيوز
| Comments |
|







