عن المرأة وكفري حاضرة الفن
عن المرأة وكفري حاضرة الفن

عن المرأة وكفري حاضرة الفن

 Rojava News: المجتمع الكردي شهد تراجعا على الصعيد الاجتماعي من حيث تعامله مع العنصر النسوي. هذا التراجع الذي يمكن تأطيره وتشخيصه من خلالمراجعة الشاهدات التي أدلى بها ودوّنها المستشرقون والرحالة الغربيون الذين طافوا بلدان الشرق عبر القرون الماضية، حيث أكدوا على المنزلة المرموقة التي تتمتع بها المرأة الكردية مقارنة بنسوة الشعوب المجاورة للكرد. فيما واقع حال اليوم يشير الى حالة شبه معاكسة، من منطلق البيانات التي توضح تزايد وتيرة ممارسة العنف ضد الانثى في المجتمع الكردي، خصوصا في شمال وجنوبيكردستان، فيما نجد المرأة في شرق وغربي كردستان تلقى الاحترام المعهود من المجتمع ولا تعاني من العنف، أي ان السمعة الكردية في الشطرين الأخرين من كردستان لجهة التعامل مع الانثى مازالت مشرّفة كما كانت.

 

من هنا نجد من المفيد الاشارة ولو بشكل عابر الى هذا التفاوت بين أجزاء كردستان من حيث النظرة والتعامل مع المرأة. من المؤكد بأن التقاليد الكردية الاصيلة تخلو من علامات التميَز بين البشر على أساس الجنس (الذكر والانثى)، ويمكن الاستشهاد بنماذج من تعامل الكردي في مناطق تقع في عمق كردستان كمنطقة هورامان التي هي بمنأى عن تأثيرات ثقافات شعوب الجوار، هذه النماذج تعزز هذه الرؤية، حيث تشير الاستبيانات الى ان المرأة الكردية في هذه المنطقة، كما في مناطق اخرى في العمق الكردستاني، تتمتع بكل الود والاحترام ولا تعاني من اي نوع من أنواع العنف الشائع في مناطق اخرى من كردستان تقع في التخوم مع شعوب الجوار. وبموازاة ذلك نجد ان تعامل الكرد في منطقة غربي كردستان والتي هي منطقة تخوم كردستانية، مازال يسري وفق التقاليد الكردية الاصيلة شبه الخالية من العنف ضد الانثى.

 

لذا يستوجب الامر البحث عن اسباب هذا التفاوت من حيث تعامل الكرد مع الانثى. لعل من أحد الاسباب المباشرة لتزايد حساسية الرجال ازاء المرأة في شطري شمال وجنوبي كردستان، هوانتشار الايديولوجيات الدينية الحاملة لتراث وثقافات وافدة من خارج ثقافة وتقاليد الكرد المعروفة بالتسامح والتعايش والالفة والود الاسري والاجتماعي عموما. العامل الديني في المجتمع الكردستاني يخلو من مظاهر التطرف المولد للعنف، فالشعب الكردي عموما شعب الوسطية من حيث الفهم والتعامل العقائدي، الا ان الايديولوجيات المعلبةالمقولبة القادمة من خارج دائرة المجتمع الكردي، حملت بين طياتها فايروس العنف الذي تجلى على أكثر من مستوى اجتماعي وحياتي، وبضمنها تبرير ممارسة العنف ضد الانثى تحت غطاء عقائدي مزيّف.

 

مع هذا لا يمكن التعميم في القول، بل ان ظاهرة ممارسة العنف ضد الانثى مهما كانت لا يمكن اعتبارها حالة عامة بين كافة أطياف وشرائح المجتمع الكردستاني في شطريه الشمالي والجنوبي، بل هو نتاج عرضي من نتاجات حالة الانفتاح التي تجتاح مختلف المجتمعات الناميَة، هذا الانفتاح الذي سمح في أحد أوجهه السلبية لتمدد التنظيمات المتشددة وممارسة تأثيراتها في الوسط الاجتماعي.

 

ومن اجل تقديم مشهد آخر ومن زاوية اخرى لواقع المجتمع الكردي من حيث التعامل مع الجنس اللطيف، نذهب الى منطقة كرميان (الامتداد الاداري والجغرافي لمناطق جنوب كركوك) ونعرّف قراء (روزآفانيوز) بمدينة كفري العتيدة. فقد كانت مدينة كفري (الصلاحية) القضاء الوحيد التابع لكركوك ضمن ويلاية شهرزور والموصل تاليا ابان العهد العثماني. وتاليا كانت هذه البلدة الكردستانية ضحية عاملي الجغرافية والسياسة في آن واحد. فقد كانت كفري حتى النصف الأول من القرن الماضي المدينة الأهم في جنوب كركوك بالقرب من سلسلة جبل حمرين الحد الفاصل بين اقليم جنوب كردستان والعراق العربي، فيما أخذت أهمية هذه المدينة تتراجع شيئا فشيئا لتترك المجال أمام بروز مدينتين جديدتين ناميتين مجاورتين لها.

 

نقول ان هذه المدينة الكردستانية كانت ضحية السياسة، كونها استقطعت خلال حملات التعريب من محافظة كركوك والحقت بمحافظة ديالى كمسعى من سلطات حكومة البعث لمصادرة هويتها الكردستانية. وبذلك فقد عانت الاهمال والتهميش ضمن نطاق سياسة كانت تهدف اسقاط مرتكزات هويتها الكردستانية وسلخها من جغرافيتها ومصادرة تأريخها.

 

ومن جهة اخرى فان بلدة كلار التي كانت قرية تابعة لكفري، تم ترقيتها الى قضاء والحقت بمحافظة السليمانية ضمن منطقة كردستان للحكم الذاتي عام 1976، وبذلك فقد واصلت كلار النمو خلال اربعة عقود الماضية، وتصاعدت وتيرتها بعد ان أقرتها حكومة اقليم كردستان مركزا لادارة كرميان. وتحولت من قرية صغيرة قبل أربعة عقود الى مدينة نامية تجاري باقي مدن جنوبي كردستان من حيث العمران وعدد السكان. وبنفس المنوال فان تحويل الطريق الرابط بين بغداد وكردستان من كفري الى طوزخورماتو وتوقف خط سكة الحديد بين الجانبين عبر كفري، قد همش مدینه‌ كفری واصبحت بمنأ عن الطرقات الرئيسة تاركة فرصة النمو لبلدة (خورماتو) التي ارتقت تاليا الى مركز قضاء تم استقطاعة من جغرافية كركوك والحقت بتكريت كمحافظة جديدة انشأة في سبعينيات القرن الماضي باسم محافظة صلاح الدين.

 

مع هذا، حافظت كفري على أهميتها الثقافية والفنية كمدينة كردستانية معطاءة في حقول الادب والثقافة الكردية. فقد انجبت هذه المدينة خلال القرن الماضي العديد من النخب الثقافية مثل الكاتب والبيبلوغرافي الراحل مصطفى نريمان والشاعر المعروف لطيف هلمت والكاتب فرهاد شاكلي والقاصة والباحثة مهاباد قرداغي والكثيرين غيرهم. وهذه المدينة التي استطاع الكرد تحريرها من الاحتلال البعثي منذ عام 1991، ومع انهامازالت تتغنى بمآثرها السابقة وتتطلع نحو النهوض والارتقاء، لكن عوامل نموّها مازالت دون مستوى الطموح، فالمدينة مازالت تقع ضمن جغرافية هامشية لا تضع مقومات النمو في متناولها.

 

علاوة على ذلك، وبالرجوع الى الموضوعين الذين تم اثارتهما في هذا المقال (واقع حال المرأة الكردستانية وواقع مدينة كفري)، يمكن القول بأن كفري خصوصا ومنطقة كرميان عموما، تقدمان نموذجا حيويا طيّبا حول طبيعة المجتمع الكردي والواقع الاجتماعي في كردستان. فالمرأة هناك تتمتع بحضور طيب في مختلف مجالات الحياة وتأريخها مشرّف وقدمت العديد من الشخصيات المهمة للتأريخ الكردي، وكمثال نشير الى الشهيدة ليلى قاسم من مدينة خانقين. وتواصل المرأة الكردية في كفري وكرميان عموما ترسيخ موقعها واطلاق طاقاتها الابداعية المعطاءة في مختلف المجالات.

 

(جماعة بنات كفري التشكيلية) تجمع فني يضم حوالي عشرين بنت وسيدة تشكيلية من الفنانات وخريجات قسم الفنون التشكيلية في معهد كفري للفنون الجميلة، أقامت خلال الفترة الماضية معرضا مشتركا جذب انتباه الوسط الفني والاعلامي علاوة على النخب الثقافية في المدينة وخارجها. وهذا النجاح الذي حققه المعرض المشترك للجماعة، دفع جهات اخرى لتقديم التسهيلات لاعادة اقامة المعرض منتصف كانون الثاني الجاري في متحف (أمنة سوركة) في السليمانية، حيث بادرت منظمة التعاون الالمانية وبالتعاون مع معهد كفري للفنون الجميلة و(الالوان السبعة) الى دعم اقامت المعرض في السليمانية الذي يضم (70) لوحة بقياسات مختلفة ومنفذة بمواد مختلفة وبأساليب متعددة تعبر عن الرؤية الحياتية لهذه الفنانات.

 

المعرض الذي يستمرّ على مدى يومين ويحضره الفنانات المشاركات يحمل عنوان (الألوان أيضا معكم أيها البيشمركة) كتعبير عن تضامن فنانات الجماعة مع البيشمركة ورسالتهم السامية في الدفاع عن أرض كردستان وحرية شعبه وردهم عدوان تنظيم داعش الارهابي على كردستان أرضا وشعبا.

 

طارق كاريزي

Rojava News 

Mobile  Application