مع ان آلام وعذابات الهجرة عريضة وتمتد على مدار قرون منذ ظهور البشرية وما عصف بها من صراعات، الا ان العجز حيال توثيق هذه الآلام والعذابات، كان السبب في طي صفحاتها النازفة دماءً وآلاما. وربما هي الأقدار والصدف هي التي تقود الى توثيق مشاهد ومقاطع من بعض الآلام التي سرعان ما تحوز (هذه المشاهد والمقاطع الموثقة) على بعد رمزي طاغ حد تحولها الى أيقونات تعبر ضمن مدى واسع عن المشاهد الدرامية ذات الطابع التراجيدي للهجرة وحيثياتها وضحاياها.
مشهد (عمر خاور) وهو يحتضن طفله الصبي وقد فارقا معا الحياة عند عتبة الدار، باتت الأيقونة المعبرة عن مأساة مدينة، فحلبجة التي راح أكثر من خمسة آلاف فرد من سكانها ضحية الضربة الكيمياوية التي قامت بها حكومة صدام عام 1988 وضعف هذا العدد من المصابين، خلال ساعات قلائل فقط، تختزل أبعادها المأساوية الرهيبة في لقطة (عمر خاور) الشهيرة. ومن يدري ربما كانت هناك عشرات، أو ربما المئات من المشاهد التراجيدية أثناء وبعد الضربة الكيمياوية، لكن الزمان قد اسدل الستار على جميعها، تاركا فرصة التأقون (المصطلح مشتق من كلمة الأيقونة) للقطة عمر خاور الوحيدة الفريدة، وقدر كبير من الفضل في ذلك يعود للمصور الكوردي (رمضان ئوز تورك) الذي دخل المدينة المنكوبة بعد يومين من ضربها بالسلاح الكيمياوي.
نستطيع أن نقول بإن الحالة نفسها قد تكررت في حادثة الصبي (آلان الكوردي) الذي فارق الحياة مع شقيقه (غالب) ووالدتهما (ريحانة) تاركين الوالد (عبدالله الكوردي) وحيدا معذبا بعدما ضاقت بهم سبل العيش في وطنهم سوريا، واختاروا المغامرة بحثا عن الجنة الغربية الموعودة، فسلمهم السمسار كبش فداء لأمواج البحر العاتية، بعد أن قنص كل ما كان عندهم من المال والنقود. مصورة صحفية تركية قدر لها الحضور عندما قذفت الامواج جثة الصبي (آلان الكوردي) عند الساحل التركي للبحر الأبيض المتوسط وهو غاط في نومه الأبدي. انتشرت صور الصبي كالنار في الهشيم، سرعان ما تحولت الى الصورة الأولى عالميا! لكن ما العبرة والفائدة من ذلك؟ هل يستطيع العالم أن يوقف حمامات الدم في بلدان الشرق الأوسط؟ وهل من حل في الأفق للأزمات الحادة التي تعصف بحياة مئات الملايين في البلدان المتخلفة؟ ليس من السهل الاجابة على ذلك.
آلان وفنانو كوردستان
مجموعة (هاوكار كروب) الفنية عودت متابعي الفنون التشكيلية والبصرية على رؤية كل جديد في الواقع التشكيلي الكوردستاني. وبمبادرة من المجموعة أفتتح خلال ايام (14-16/ أيلول) معرض خاص بالصبي (آلان الكوردي) ضمن مشروع بصري ضم تشكيلة من الأعمال البصرية شملت (لوحات رسم، أعمال فوتو آرت، ديجيتال آرت، كاريكاتير، اينستاليشن)، مع مقاطع سردية للكاتب أوميد أحمد وعزف موسيقي لـ(شاهو حداديان)، وقد شارك في المعرض فنانون كوردستانيون سوريون وعراقيون (دجوار ابراهيم، بشدار نوري، علي شيخو برازي، آلان علي، رنجدر عبدالله، كارزان عمر، هاوكار رسكن، مريوان عمر وأحمد صلاح). وتمحورت جميع أعمال هذا المعرض المشترك حول الحادث التراجيدي الذي أودى بحياة الصبي (آلان). وقد حاول الفنانون المشاركون الاستفادة من عامل الخيال والذاكرة الجمعية لبلورة أعمال بصرية تتناول أشكالية انسانية تتعلق بواقع متأزم تعيشه العديد من المجتمعات الشرقية. هذا الواقع يضيّق الخناق على الأفراد والجماعات بحيث يضطرون الى الهجرة تاركين وراءهم ذكرياتهم، وحاملين معهم ذاكرة متعبة تنشد ملاذات آمنة توفر ابسط مستلزمات الحياة للانسان.
ومن هنا تبدأ قصة الهجرة الرهيبة حيث يكشر تجار البشر عن مخالبهم وأنيابهم، دون رادع من الضمير ويتجردون من القيم الانسانية، ويتحول المهاجر الى سلعة يمكن المتاجرة بها عبر مسالك وحدود بلدان لا يعرف عنها المهاجر شيئا، حياته ومستقبله رهن السماسرة. هذه العملية الخطيرة تتبعها أحداث كارثية رهيبة. مع هذا فالمهاجرون مصرون على دفع أثمان تسلعهم ليتم تبادلهم بين سمسار وآخر. انسداد آفاق الحياة وانعدام الطمأنينة في البلدان المصدرة للمهاجرين، يزيد من اصرار المهاجرين على مواصلة المسير وسط المجهول، فبريق جنان بلدان اللجوء تسحر المغامرين بأرواحهم وأموالهم، غير مبالين بما يدفعون من ثمن!
وسط أجواء مقاربة لما تناولناه أعلاه، وربما أشد قسوة، اندفعت اسرة عبدالله الكوردي (والد آلان الذي حضر افتتاح المعرض الخاص بابنه في صالة نياندرتال الملحقة بغاليري شاندر وسط أربيل) ممتطين قاربا رثا تنعدم فيه شروط المتانة والأمان، ليخوضوا غمار البحر آملين مغادرة آسيا من ساحلها التركي للوصل الى اوربا عبر ساحلها اليوناني. ومن هناك يواصلون السير الى بلد اللجوء (تلقوا دعوة من كندا)، لكن الموت كان بانتظار أفراد الاسرة وباقي ركاب القارب الذي لم يصمد أمام أول موجتين عاتيتين من أمواج البحر، وانقلب تاركا الجميع يواجهون الموت غرقا. حاول عبدالله الكوردي أن ينقذ ولديه (آلآن وغالب) عجز عن ذلك حيث ابتلعتهم مياه البحر، وبعد اليأس من انقاذ طفليه، التفت نحو زوجته (ريحانة) واذا بها قد غرقت هي الاخرى، واستطاع بشق الأنفس ان ينقذ نفسه من الغرق.
هذه باختصار قصة اسرة آلان، وقد تحولت لدى الفنانين المشاركين في المعرض الى سرديات بصرية تتناول الحادثة من جوانب عدة. ربما هو من المعارض النادرة التي جمعت ثلة من الفنانين لتناول حادث تراجيدي واحد، بطله صبي غريق، وخلفياته تتحدث عن تفاصيل محنة انسانية باتت تشغل العالم أجمع. قرون عديدة مرّت ومازالت المعاناة الانسانية مستمرة، يبدو ان العالم لم يفلح حتى هذه اللحظة في تحقيق العدالة المنشودة التي تضمن الحياة الكريمة للناس في أوطانهم. ومن العسير تصور استيعاب سيل المهاجرين في البلدان المتقدمة. فظاهرة الهجرة تحمل بين طياتها العديد من الاشكاليات الحالية والمستقبلية. صورة آلان الكوردي ما هي الا مشهد صغير هز ضمير الانسانية، خصوصا وان الصورة قد حملت شحنة عالية من الخطاب البصري الصادم. علاوة على ذلك، لا يمكن التنبؤ بتحسن الأوضاع على المدى القريب، لأن الحالة تتعلق بموروث وبيئة سياسية واقتصادية تحرم الانسان من أسباب الحياة الكريمة. أما المهاجرون فقوافلهم ستواصل انطلاقها حتى أزمان مقبلة.
طارق كاريزي