Print this page

حصار عفرين: الأهالي يدفعون الفاتورة

 

Rojava News ـ عفرين: تعاني منطقة عفرين (جبل الكورد ـ كورداغ) منذ عامين تقريباً من أعباء حصار خانق، فبعد سيطرة حزب الإتحاد الديمقراطي (ب ي د) على هذه المنطقة الكوردية الحيوية، تحوّلتْ التنظيمات الإسلامية المتشددة كـ (داعش وجبهة النصرة) الإرهابيتين المحيطتين بعفرين، إلى جهات معادية للكورد وقامت بفرض حصار محكَم على المنطقة من كافة الجهات، وبدورها الجارة تركيا أيضا فرضت حصارا عبر إغلاق حدودها مع منطقة عفرين بشكل شبه تام ومنعت حركة عبور المواطنين للحدود بالإتجاهين.

 

البعد السياسي والجغرافي لحصار عفرين

في تصريح خاص لصحيفة كوردستان قال "عبد الرحمن آبو" عضو اللجنة المركزية للحزب الديمقراطي الكوردستاني – سوريا: "تعتبر منطقة عفرين هامة واستراتيجية، لذا تصبح في مرمى الاستهدافات المختلفة، فسلطة الأمر الواقع ـ أي حزب ب ي د وملحقاته ـ منذ استلامها لادارة منطقة عفرين من النظام بتاريخ 19-7-2012 وإلى الآن، لم تخرج عن إطار (الإدارة التنفيذية) حيث تكتفي بمسلكيات وتدير الأمور وفق سطوة أمنية لا تمتلك برامج وخطط ولا تضع هموم الشعب في منظورها البعيد لكونها تنظر الى ذاتها كإدارة وقتية ومؤقتة، وبهذا المنوال جلبت الويلات للشعب، وخاصة في فترات الأزمات والحصار، وركزت كل اهتمامها في كيفية تحصيل الأتاوات وتفننت في أشكال جباية الأموال عبر فرض ضرائب باهظة أثقلت كاهل الأوهالي في هكذا ظروف عصيبة بدلا من تقديم يد العون للسكان الذين أصبحوا دون مستوى خط الفقر، وإن هكذا إدارة أمنية مفروضة، تفاقم الأزمة ولا تستطيع وضع الحلول، وإن علاقاتها المتوترة مع محيط عفرين، يجعلها تصل إلى درجة الرضوخ تحت مسمى التنسيق، والضريبة في كل الأحوال يدفعها شعبنا الكوردي المسكين".

وبتصوري فإن الوضع كالآتي: "إن حصار عفرين على مدار الثلاث سنوات كان في أوقات المواسم (يبدأ من الشهر الخامس، ويشتد أواسط حزيران) ومن ثم خف بالتدريج لحدود توقيت موسم الزيتون ليرجع الحصار بشدته من جديد، فإذا هذا الحصار مدروس، والغاية منه هو تهجير البقية المتبقية من أبناء شعبنا الكوردي، وتغيير التركيب الديموغرافي (تهجير الكورد وإسكان العرب) ومن خلال ملاحظتنا لم يهجر عفرين سوى الكورد بل هناك زحف ونزوح عربي من حلب والجوار باتجاه عفرين.

 

حصار مزدوج من داخل عفرين وخارجها

الباحث "زكريا حصري" من لاجئي عفرين في اقليم كوردستان، يقول: "منطقة عفرين لها أهمية كبيرة في كوردستان سوريا لموقعها الاستراتيجي القريب من البحر الأبيض المتوسط، وهي تعاني من حصار خارجي مفروض من قبل جبهة النصرة وتوابعها، بالإضافة لتضييق داخلي من قبل حزب الاتحاد الديمقراطي، وما يجري في عفرين تصرفات محملة بأجندات أخرى وهي تغيير ديموغرافية مدن وبلدات كوردستان سوريا ومدينة عفرين بالأخص، والهدف من هذا هو تهجير الكورد من المدينة لتعبئتها بالعرب تماشياً مع ما يسمى بمفهوم الأمة الديمقراطية، كما إن حزب الاتحاد الديمقراطي الـ(ب ي د) لا يتوقف عن تشديد الخناق على أهالي المدينة وذلك بفرض الضرائب على كل صغيرة وكبيرة داخل المدينة".

 

إغلاق الحدود الجنوبية والشرقية لعفرين من قبل الجماعات المسلحة المتشددة

أحد سائقي سيارات النقل العمومي (ميكروباص) الذي كان ينقل الركاب من عفرين إلى حلب يقول: "يحدُّ منطقة عفرين من الجهة الجنوبية (محافظة ادلب) عند منطقة (دارة عزة) التي يسيطر عليها إرهابيو جبهة النصرة، وخاصة بعد سيطرتها على محافظة ادلب قامت بإختطاف المئات من المدنين الكورد أثناء سفرهم إلى حلب لتسير أمورهم ولقبض معاشاتهم، وحالياً منع حزب (ب ي د) المدنين من التوجه إلى حلب بحجة إزدياد حالات الإختطاف من قبل التنظيمات الإرهابية.

وأضاف، أما من الجهة الشرقية "منطقة اعزاز" فالطريق الواصلة بين حلب وعفرين مقطوعة منذ أكثر من سنتين بشكل كامل امام حركة النقل ودخول المواد الإغاثية والأغذية، وحالياً بدأ تنظيم داعش الإرهابي بالإقتراب من عفرين من الجهة الشرقية وخاصة بعد سيطرته على القرى الشرقية لمدينة اعزاز وسعيه للسيطرة على المعبر الحدودي باب السلامة مع تركيا.

 

إغلاق الحدود الشمالية الغربية لعفرين من قبل تركيا

يوجد معبرين حدودين بين منطقة عفرين وتركيا، وهما مغلقين بقرار سياسي من قبل حكومتي البلدين: (معبر حمام في منطقة جنديرس) و(معبر ميدان اكبس في منطقة راجو)، وبعد إندلاع الثورة السورية ضد نظام الأسد ووصول المظاهرات المطالبة بإسقاط النظام إلى المناطق الكوردية، بدأت تركيا تشعر بالقلق من هذه المستجدات، فقامت بحفر خندق على طول حدودها مع منطقة عفرين، وقامت بجلب عدد كبير من قواتها البرية إلى الحدود ومنعت حركة العبور الغير شرعية، وتقوم بإطلاق الرصاص الحي على كل شخص يحاول تجاوز الحدود بشكل غير شرعي حتى ان العشرات من المدنين فقدوا حياتهم أثناء عبورهم الحدود من عفرين إلى تركيا، وطالب نشطاء مدنيون في حملة لهم‏ تحت عنوان (اكسروا حصار عفرين، ‏اغيثوا عفرين) على مواقع التواصل الإجتماعي الفيس بوك، بفتح معبر حدودي بين عفرين وتركيا، قائلين: "بعد أن كنا وما زلنا متعاطفين مع الكورد في كل اجزاء كوردستان، نفرح لفرحهم ونحزن لمصابهم، نطلب من الأخوة الكورد في تركيا بفعل كل ما بالامكان للضغط على الحكومة لفتح معبر حدودي مع عفرين، وعلى الاقل للحالات الانسانية في الوضع الحالي، عفرين تعاني من حصار ظالم".

 

عشرات العفرينيين صاروا ضحايا لإطلاق الجندرمة التركية الرصاص عليهم

المواطن "محمد أحمد" وهو احد اهالي القرى الحدودية، يقول: "حرس الحدود التركي (الجندرمة) قام بقتل العشرات من أبناء منطقة عفرين أثناء محاولتهم عبور الحدود من منطقة عفرين بإتجاه شمال كوردستان، سواء بغرض الهجرة أو الإنتقال إلى الجانب الآخر للحدود والإستقرار في المدن التركية هربا من الموت أو للعمل تأمين لقمة العيش، أو بغرض التجارة، والمواطنون مجبرون للعبور بهذه الطريقة لأنه لا توجد أية معابر رسمية بين عفرين وتركيا، ومعبر السلامة في منطقة اعزاز تسيطر عليه داعش، ومعبر باب الهوى في محافظة ادلب أيضا الطريق الواصلة إليها تحت سيطرة جبهة النصرة وكتائب اسلامية متشددة، وعندما يحاول أهالي عفرين السفر عن طريق هذه الطرق فأنه يتم إعتقالهم واختطافهم بحجة أنهم يتعاملون مع حزب العمال الكوردستاني.

وإذا أقترب المواطنون من الحدود تطلق الجندرمة الرصاص عليهم، حتى أنه وفي بعض الأحيان تقوم تلك القوات بعبور الحدود ودخول حرمة الاراضي السورية ومؤخراً قال أحد المزارعين وهو من أهالي قرية مروانية في ناحية "شيه"، بان العشرة من القوات الخاصة التركية، كانوا يرتدون لباساً أسوداً ومقنعين دخلوا أراضي كوردستان سوريا في عفرين وأطلقوا الرصاص الحي على سيارته وأحرقوا خيمته، وأضاف: هذه هي المرة الثانية التي يرى فيها المقنعون يدخلون من الأراضي التركية إلى داخل أراضي منطقة عفرين، وناشد كافة المنظمات الإنسانية والعالمية بعدم غض النظر عن ممارسات واعتداءات الدولة التركية بحقهم".

 

تأثير حصار عفرين على القطاع الزراعي

المزارع "مصطفى محمد" يقول: "منطقة عفرين هي منطقة زراعية بالدرجة الأولى ومواطنوها يعتمدون على الزراعة، ويوجد فيها الملايين من اشجار الزيتون، وأكثر من 2 مليون شجرة رمان بالإضافة مئات الآلاف من الأشجار المثمرة الأخرى، وآلاف الهتكارات من البساتين، وبعد أن تم فرض هذا الحصار على منطقتنا، وتم سد كافة الدروب عنها، وإرتفاع أسعار المواد الزراعية كالسماد وغيرها، بالإضافة إلى ارتفاع آجار الفلاحة، وفقدان الأدوية المكافحة للحشرات والأمراض، تحولت الزراعة في منطقة عفرين إلى قطاع خاسر بإمتياز، فالبساتين جفت، وغالبية المزارعين لا يستطيعون سقاية محاصيلهم وأشجارهم وبساتينهم، حتى أن تكلفة حصاد جوال واحد من القمح يكلف أكثر من سعره بخمسة أضعاف، والمزارعون بدأو بترك أراضيهم، وأغلبهم اختار الهجرة إلى تركيا والخارج لكسب لقمة عيشهم، وتحولنا من منطقة زراعية منتجة إلى منطقة مستهلكة".

 

أزمة الوقود في عفرين

شهدت منطقة عفرين أزمة وقود كبيرة، فبعد أن قام تنظيم داعش الإرهابي بمنع مرور صهاريح الوقود من الوصول إلى مناطق سيطرة المعارضة السورية في ريف حلب الشمالي، ومن ضمنها المناطق الكوردية، وذلك كجزء من استراتيجيته العسكرية بفرض الحصار على تلك المناطق قبل شن الهجوم عليها، عانت منطقة عفرين خلال الأسابيع القليلة الماضية من أزمة فقدان مادة المازوت والبنزين حيث وصل سعر ليتر المازوت لأكثر من 500 ليرة، أي سعر برميل المازوت إلى أكثر من مئة ألف ليرة، فأدى ذلك إلى توقف الحياة والحركة بشكل شبه تام في المنطقة، وتأثرت كافة القطاعات تقريباً بهذه الأزمة وتوقفت حركة المواصلات، إلى حد أعتبر البعض أن منطقة عفرين هي منطقة منكوبة، لكن في الآونة الأخيرة إنخفضت أسعار المحروقات قليلاً في منطقة عفرين بعد فتح تنظيم داعش الطريق أمام صهاريج المحروقات إلى ريف حلب الشمالي، وبحسب مصادر من مدينة عفرين فإن عدة صهاريج محملة بالمحروقات دخلت منطقة عفرين قادمة من مناطق خاضعة لسيطرة تنظيم داعش الإرهابي، حيث انخفض سعر لتر المازوت 150 ليرة، ولتر البنزين إلى 600 ليرة.

 

أزمة الكهرباء والماء في عفرين

المواطن الكوردي "علي خ" وهو أحد المقيمين في مدينة عفرين تحدث قائلاً: "هذا الحصار المفروض علينا أرجعنا إلى العصر الحجري، فهل من المعقول ونحن في عام 2015 والعالم تطور وتقدم ووصل إلى سطح المريخ، ونحن تخلفنا وعدنا إلى العيش وفق أنماط حياة العصور القديمة، هذا الكلام حقيقي بكل معنى الكلمة فعندما لاتتوفر الكهرباء فإنك تنقطع عن العالم الخارجي وتبعتد عن التكنولوجيا، حياتنا أصبحت جحيماً لا تطاق، الكهرباء الحكومية مقطوعة منذ أكثر من عامين، كهرباء المولدات تأتي لمدة ثمانية ساعات يومياً، وخلال الأيام الماضية كان أصحاب المولدات يشعلون الكهرباء لمدة أربعة ساعات فقط وبسعر خيالي للأمبير الواحد بسبب فقدان الوقود وارتفاع سعره، وحالياً تم تحديد مبلغ 600 ليرة سورية مقابل 8 ساعات إنارة ويبدأ تشغيل المولدات من الساعة 4 عصراً وحتى الساعة 12 ليلاً.

 

أزمة صحية في عفرين

عانى القطاع الصحي كغيره من القطاعات الاخرى في منطقة عفرين من الحصار، فبالرغم من عدم توفر الأدوية وهجرة غالبية الأطباء المختصين بسبب صعوبة الحياة، شهدت عفرين في الآونة الأخيرة أزمة فقدان المصول المضادة لسموم الأفاعي والعقارب وفقد عدة أشخاص بينهم أطفال لحياتهم جراء لدغات الأفاعي، وبسبب إنتشار بعض الامراض والأوبئة وخسر أكثر من مريض لحياتهم وخاصة ممن يعانون الأمراض المزمنة (كالقلب والسرطانات) بسبب عدم استطاعتهم الحصول على الدواء واستخدامه للعلاج، وعدم تمكن البعض الآخر من شراء الأدوية بسبب ارتفاع أسعارها في حال وجودها في الصيدليات.

 

أزمة تعليمية

يقول الطالب "م.م.س" الذي فضّل عدم الكشف عن اسمه: "بإعتقادي أن أكثر قطاع تضرر من الحصار المفروض على منطقة عفرين هو القطاع التعليمي، فلا توجد جامعات ومعاهد في المنطقة، وبعد أن قطع نظام الأسد في العام الماضي رواتب اكثر من 5000 مدرس، أٌقفلت نسبة كبيرة من المدراس أبوابها، وأغلب هؤلاء المدرسين هاجر إلى الخارج، ولا يوجد تدريس ولا تعليم حالياً، جيل كامل ضاع مستقبله، الجميع يتحدث عن الحروب، بعض المدرسين في القرى يقومون بتدريس مادة او مادتين لقواعد اللغة الكوردية، وفي النواحي والمدينة المدراس مقفلة، أكثر من 5000 آلاف طالب توجهوا هذا العام إلى مدينة حلب لتقديم امتحانات الشهادة الإعدادية والثانوية رغم المخاطر الكبيرة على الطريق وأغلبهم بإنتظار صدور النتائج والسفر إلى الخارج، قسم آخر قدم امتحاناته في عفرين ولكن الشهادة التي تمنح للطلاب في عفرين لا يتم الإعتراف فيها، وقسم آخر قام بإجتياز الحدود بشكل (قاجاغ) ليقدم امتحاناته في تركيا، بالطبع نحن لا نتحدث عن المرحلة الجامعية لأنه من المستحيل أن تدخل الجامعة وتتابع تعليمك في ظل هذه الظروف والأوضاع الراهنة".

 

أزمة إنسانية وإغاثية في عفرين.. ومناشد من أهالي المنطقة للإسراع في مدّ يد العون

بالطبع الجانب الإنساني لأهالي المنطقة كارثي بكل معنى الكلمة، وصحيح انه توجد عدة منظمات إغاثية تعمل في عفرين لكنها لا تستطيع تغطية منطقة كبيرة يبلغ تعدادها حالياً أكثر من مليون ونصف المليون نسمة بعد أن نزح إليها أهالي الأحياء الكوردية في حلب والعرب من المناطق المجاورة، لذلك طالب عدد من أهالي منطقة عفرين عن طريق صحيفتنا من المنظمات الإنسانية المحلية والدولية إلى الإسراع في تقديم يد العون وفك الحصار عن عفرين قائلين: "نناشد ونطالب من كافة المنظمات الإنسانية والإغاثية في العالم، أن يسارعوا لتقديم المساعدة لمنطقة عفرين بشكل عاجل وفوري، فمنطقة عفرين تمر بفترة صعبة جداً وإذا استمرت هذه الأزمة فسيصبح الوضع نكبوياً وكارثياً وستنتشر الأمراض والأوبئة، ونناشد الأحزاب الكوردية، والمجلس الوطني الكوردي، والإئتلاف السوري المعارض لفك الحصار عن منطقتنا وفتح المعابر الحدودية مع تركيا لتقديم العون والمساعدة لإنقاذ منطقتنا... لأن الشعب هو الطرف الوحيد الذي يدفع الثمن غاليا!.

 

روني بريمو – صحيفة كوردستان