Print this page

انس محمود الشيخ مظهر: حزب العمال الكوردستاني يتنازل عن كوردستان الكبرى ليتقوقع في كانتونات متبعثرة

تعتبر دعوة حزب العمال الكوردستاني لانشاء كانتون (سنجار) في اقليم كوردستان العراق دعوة ذات ابعاد خطيرة ستكون لها تداعيات سلبية على الوضع الكوردي في المنطقة بشكل عام .. تحتم على الاحزاب الكردستانية الاخرى التعامل معها بكل حذر خاصة في هذا المفصل التاريخي الذي تمر به المنطقة , وتوصلنا الى قناعة مفادها بان هذا الحزب ما يزال يعاني  من ترسبات المراهقة السياسية التي عانى منها في بداية انطلاقه ثمانينات القرن الماضي, لكن بشكل يعاكس كل ما كان يتبناه من نطريات سياسية انذاك ويخالفه.

                                  

فحزب العمال الكوردستاني عانى ومنذ تاسيسه من نظريات سياسية طوباوية غير قابلة للتطبيق يطلقها في غير ظروفها المكانية والزمانية, شانه في ذلك شان معظم الاحزاب اليسارية . ففي بداية انطلاقه في ثمانينات القرن الماضي تبنى العمال الكوردستاني شعار كوردستان الكبرى في محاولة منه لمداعبة العاطفة القومية للشارع الكوردي وكسب تاييده. ورغم  ان الظروف السياسية حينها لم تكن تشير الى امكانية تطبيق هذا الشعار, الا انه ظل يتهم الاحزاب الكوردستانية الاخرى بمهادنة الانظمة لتبنيها شعار الحكم الذاتي في البلدان التي ترتبط بها خاصة في كوردستان العراق.

 

ان نقطة الانقلاب عند منظري حزب العمال الكوردستاني حدثت بعد القاء القبض على زعيمه عبدالله اوجلان وايداعة السجن في تركيا, حيث بدأ الحزب باعادة النظر في طروحاته السياسية .. ليترك جانبا الدعوة الى كوردستان الكبرى, واستبداله بالدعوة الى تركيا ديمقراطية فقط , للحد الذي اعطى انطباعات وكان ادبيات الحزب اصبحت موجهة للحكومات التركية والشارع التركي اكثر ما هي للشعب الكوردي في تركيا. وهو بذلك لم يكتفي بالتنازل عن مبدأ الحكم الذاتي الذي كان ينتقد الاخرين عليه , بل اصبحت الدعوة الى ارساء اسس ديمقراطية حقيقية في تركيا مقابل القاء السلاح والانخراط في العملية السياسية التركية شانه في ذلك شان أي حزب تركي اخر هو الشغل الشاغل للحزب, ولا تزال المفاوضات بينه وبين الحكومة التركية تراوح مكانها ضمن هذه النقاط.

 

ان التنازلات المتلاحقة لحزب العمال الكوردستاني عن مبادئه التي تاسس وفقها هي شان داخلي يتعلق بالحزب نفسه والظروف التي يمر بها, الا ان الممارسات التي يقوم بها الحزب في الاونة الاخيرة في سوريا ومحاولته تعميم تجربته في سوريا على واقع اقليم كوردستان العراق هي بادرة يجب الوقوف عندها ودراسة تبعاتها على الوضع السياسي الكوردي بشكل عام  كما سنحاول عرضها في النقاط التالية:

 

1- ان كانت بدعة الكانتونات السياسية في كوردستان سوريا لها ما يبررها من وجهة نظر حزب العمال الكوردستاني .. فان دعوته الى كانتون سنجار هي محاولة استغلال احداث سقوط المدينة بيد داعش والحملة الاعلامية المغرضة التي تبعتها ضد حكومة الاقليم,  للحصول على موطيء قدم له هناك واحداث شرخ سياسي في المجتمع الكوردستاني في العراق, وليس كما يتصوره البعض دفاعا عن حقوق الطائفة اليزيدية التي عاشت وستعيش جنبا الى جنب مع الكوردستانيين في المناطق الاخرى على مبدا المساواة والاخوة بعيدا عن الانتماءات الدينية او المناطقية.

 

2- ان اختيار سنجار لتطبيق فكرة الكانتونات تمثل بادرة خطيرة ستكون لها تبعاتها السلبية على الوضع الكوردي العام في المنطقة, خاصة وان سنجار تتمتع بخصوصية دينية ستفتح  الباب امام أي خصوصية دينية او مذهبية او قومية في المستقبل للمطالبة بانشاء كانتون لها في داخل الجسد الكوردي.

 

3- ما يثير الاستغراب هو اسقاط فكرة الكانتونات الكوردية في سوريا على كوردستان العراق بالتزامن مع بروز طموحات اردوغان في ارجاع مجد الامبراطورية العثمانية التي كانت تحكم مناطق كثيرة في الشرق الاوسط, وكانت كوردستان حينها تتكون من امارات كوردية ضعيفة مشتتة لا تمثل قوة تهدد مستقبل  الباب العالي . ويبدو ان حزب العمال الكوردستاني يحاول التمهيد لهذا الدور والرجوع الى ذكريات الامارات الكوردية في المنطقة.

 

4- لا يستبعد ان تكون فكرة كانتون سنجار هي احدى النقاط التي طرحت في المفاوضات السرية بين حزب العمال الكوردستاني والحكومة التركية, لمواصلة تضعيف القوة السياسية لاقليم كوردستان بعد ان فشلت محاولات اردوغان في استخدام داعش لهذا الغرض.

 

5- الدعوة الى كانتون سنجار هي دعوة دخيلة على الوضع السياسي في الاقليم  ولا تتماشى مع الخصوصية الكورديه هناك. ففي الوقت الذي يحاول فيه  اقليم كوردستان استرجاع المناطق المستقطعة من جسده في العراق وضمها, تاتي هذه الدعوة لتعرقل مساعي حكومة اقليم كوردستان ومحاولاتها ايجاد كيان كوردي قوي سياسيا في هذا الجزء من كوردستان.

 

6- الدعوة الى كانتون سنجار يعتبر تدخلا غير مبرر في شئون حكومة اقليم كوردستان, وبادرة ستشجع اخرين على التدخل في شئونها ضاربين عرض الحائط الواقع الجيوسياسي الذي يؤكد على ان كوردستان لا تزال جزءا من العراق.

 

7- عندما يعطي حزب العمال الكوردستاني الحق لنفسه بالتدخل في الشان الكوردستاني في العراق, وجعل نفسه وصيا على تقرير مصير سنجار, فهذا يعطي بالمقابل الحق للاحزاب الكوردية في الاقليم التدخل في الشان الكوردي في تركيا وسوريا واعطاء توصيات ونصائح وفرض رؤاهم على المستقبل السياسي لهذين الجزئين من كوردستان. مما سيؤدي الى خلط للاوراق  تكون نتائجه بالضد من مصلحة الجميع.