القوى والدّول في منطقة الشّرق الأوسط تختلفُ فيما بينها, وتتصارع, وتتبادل الاتهامات المختلفة التي تصل إلى درجة الخيانة والتّآمر والاحتلال والاستعمار إعلاميّاً وعسكريّاً وسياسيّاً ومعنويّاً, وكلّ منها تحرّض شعبها على شعوب القوى والمناطق الأخرى بمختلف الوسائل والأساليب, فتظلّ تعيش في حالات من العدائيّة والعدوانيّة وإنكار الآخر حتّى ولو كانت هذه القوى والدّول قريبة من بعضها البعض بمقوّماتٍ ومآثر مشتركة أو موحّدة, أمّا إن تعلّقَ الأمرُ بالشّعب الكورديّ, فإنّ الأمر يختلف معها تماماً.
إذا علموا بأنّ جهاتٍ ما رسميّة أو غير رسميّة, حتّى ولو كانت جهاتٍ إنسانيّة قد تقرّبت من الكورد, وحاولت مساندتهم في أمور ما يكمن فيها صالح الكرد وخيرهم, وما قد ينجزه, أو يحقّقه هذا الشّعب, فإنّهم يسارعون إلى ترك خلافاتهم وصراعاتهم جانباً, ويمنحون هدنة فوريّة غير مشروطة لمعاركهم, لتبدأ زيارات مكوكيّة, متسارعة, وسريعة بينهم, يتبادلون فيها كلّ أنواع التّحيّات والتمنيّات والسّلامات, ويتظاهرون بالوداد والألفةِ والصّداقة الحميميّة, ويطلبون إلى شعوبهم أن تستقبل الوفود الضيفة بأكاليل الورود والزّغاريد والتّهاليل, ويوعزون إلى أصحاب وصاحبات الأقلام الشّاربة من مستنقع الغلّ والحقد والكراهيّة وإنكار الآخر بأن تخطّ وترسم وتنحت عن الكرد مختلف المقالات والأشعار والرّسوم والنّحوت التي تظهرهم على هيئةِ كائناتٍ غريبةٍ, عجيبةٍ لها رؤوس مختلفة من البشر العاديّين, وملامح اسطوريّة تثير فيهم الخوف والرّعب, وأجساماً عملاقة تشبه إلى حد بعيد أجسام البشر البدائيّين, طبعاً في كلّ ذلك تكون الألاعيب والمكائد والأباطيل هي وسائلهم التي تبرّر غاياتهم, ولا ينسون أن يقدّموا لبعضهم البعض مختلف أنواع التّنازلات و المناقصات والمزايدات, وغايتهم هي فقط إفشال ما قد يحقّقه الآخرون للكورد أو قد يحقّقوه هم لنفسهم.
الملفتُ في الأمر أنّ شعوب هذه القوى والمناطق أيضاً وخاصة أولئك الذين يبدون ويظهرون معارضتهم وعداءهم لقياداتهم وأنظمتهم, ويشهرون أقلامهم وآراءهم المختلفة حولهم, يسارعون إلى الاتفاق معهم في هذه النّقطة تحديداً, "نقطة العداء للكورد", بل ويدعمونهم في عدائهم وتشويههم للكورد, فيتحوّل المناضل, المعارض, المدافع عن حقوق الشّعوب والأمم والكائنات إلى عدوّ للكورد بعد أن ينزع عنه رداء الإنصاف والحكمة, ويتحوّل المدافع عن حقّ الشّعوِب في تقرير مصيرها وفي استقلالها, وعيشها الحرّ الكريم, إلى متهم للكورد بالانفصال والتّمرّد وانتزاع أجزاء من أراضي دوله ومقاطعته, ويصبح مَنْ كان يدّعي أنّه صديق الكورد صديقاً لعدوّهم, ويتفق معهم في السّرّاء والضّرّاء.
إذاً هم "مختلفون فيما بينهم, ومتفقون على الكورد" فماذا يفعل الكورد في هذه الحالة؟ هل يتفقون فيما بينهم على أن يتفقوا لأجل إحباط وإفشال تلك المحاولات المتكرّرة والمستمرّة والدّائمة؟ بكلّ تأكيد الجواب هو: لا, لا يتفقون على ذلك, بل "يظلّون يختلفون على كيفيّة الاختلاف فيما بينهم". هل يتوصّلون إلى وسائل وسبل حقيقيّة تقرّبهم من بعضهم البعض, وتوحّدهم على الرّغم من اختلاف وتباين آرائهم؟ جواب هذا السّؤال أيضاً هو: لا, وألف لا, فهم يبحثون عن وسائل وأساليب يبرّرون بها فشلهم وعدم مقدرتهم على قيادة الشّعب والمجتمع إلى برّ الأمن والأمان. هل يستغلّون هذه الحرب الكلاميّة والعسكريّة والسّياسيّة على بعضهم البعض, ويوحّدون إعلامهم ليكون المدافع عنهم وعن قضاياهم, ويتقرّبون من خلالها إلى القوى والشّعوب والدّول المساندة لهم لإبراز ذاتهم وكينونتهم وماهيتهم إليها, ليحقّقوا من خلالها آمالهم وأهدافهم وطموحاتهم التي عجزوا من تحقيقها منذ آلاف السّنين؟ لا, ومليون لا, بل يسارعون إلى أن تكون وسائل إعلامهم رديفة لوسائل الإعلام المعادية, وبذلك يزيدون على نفسهم صفاتٍ وشمائل أخرى كان الأعداء يجهلونها عنهم فيما قبل.
أيّها الكورد:
"الآخرون مختلفون فيما بينهم, ومتفقون عليكم" فلتتوحّدوا, ولتتفقوا بحقّ ما تبقى فيكم من النّخوة والأصالة والإنسانيّة. بحقّ أطفالكم عليكم. بحقّ عجائزكم وشيوخكم عليكم. بحقّ حاضركم الذي يئنّ تحت وطأة ماضيكم الذي ما يزالُ ينزفُ حزناً وألماً وأسفاً على عدم توحّدكم وانشقاقاتكم التي لا مبرّر لها".