أول من روج لنظرية صراع الحضارات هو المفكر الامريكي من ذي الاصول اليابانية (فرانسيس فوكوياما). وبحسب نظرية صراع (أو صدام) الحضارات، فان صراعا محتدما بات يطرق الأبواب بين الحضارات، أو بين الدوائر الحضارية المتوزعة بين قارة أوربا وامتدادها الحضاري في العالم الجديد، وقارة آسيا ودوائرها الحضارية. شهدت هذه النظرية في العقد الاخير تراجعا كبيرا أو ربما تفنيدا مبطنا بعد أن طرأ انحراف في المسار العملي/الواقعي للمفردات الفاعلة واقطاب الصراع التي نظر لها فوكوياما.
رغم التراجع الكبير والنكوص الواضح الذي ألم بنظرية صراع الحضارات، الا ان مبررات ظهور هذه النظرية وتبلورها، مازالت قوية الحضور والفعالية في المشهد السياسي العالمي والواقع الحضاري والصراع الخفي المحتدم خلف الكواليس. عليه فإن الصراع والتضارب والتقاطع الذي يحفل به المشهد العالمي على الصعيد السياسي والثقافي والاقتصادي، يعبر بمزيد من الرمزية عن صراع خفي وصراع رديف يطفو على السطح هنا أو هناك. إذن، والحالة هذه، يتطلب الواقع طرح تفسيرات جديدة للمشهد العالمي وتحليل مرتكزاته وعوامله الفاعلة.
التناشز الحضاري
تعصف بالعالم بين آن وآخر تهديدات تدخل القلق في النفوس وتنشر الخوف والرعب في قلوب الملايين من البشر. واذا تم استثناء الامراض والأوبئة التي تهدد صحة الانسان والتي يتم التعامل معها من قبل المتخصصين في الحقل الطبي مع توقعات بوجود خيوط خفية من حقول حياتية أخرى تتداخل مع المشهد الطبي/ الصحي، فإن تهديدات أخرى أكثر خطورة تبرز هنا وهناك ضمن الدوائر الحضارية التقليدية، انها صراعات أشد فتكا وتهديدا، تتخذ طابع الصراعات الايدولوجية والاقتصادية والسياسية من اجل الاستحواذ على النفوذ والمصالح. وصراع النفوذ والمصالح كثيرا ما يأخذ طابع الصراع والتهديد العسكري. ولعل الصراع الاكثر عنفا هو الصراع الايدولوجي او الصراع الحضاري (بشيء من التحفظ) خصوصا حينما يفرز نقاط ومحاور تقاطع بين الدوائر الحضارية والخلفيات الفكرية والعقائدية للمجتمعات المختلفة.
يبدو ان الصراع ذا الادعاء الحضاري مرده حالة التناشز الثقافي والنشوز الفكري بين مجتمعات الدوائر الحضارية. مع انه ليس من السهل تحديد جذور تبلور هذا الصراع الرهيب وحالة التقاطع بل المعادات المستفحلة والتي يتم تأجيجها من قبل المجاميع والتنظيمات المتطرفة التي تمثل حالة النشوز الحضاري وتجسده بأبشع صوره عنفا مفرطا، وكذلك الأيادي الخفية التي أسهمت في تبلورها، لكن ليس من العسر الخوض في تحليلات وطروحات نظرية حول أبعاد هذه الظاهرة، طروحات نظرية تستند على وقائع على الأرض.
النشوز في ظلال التاريخ
يصح الى حد بعيد أن نطلق على الحضارة المعاصرة ونعرفها بالحضارة الاوربية (أو الغربية) نسبة الى التقسيم المعهود والمتداول بين شرق المتوسط وغربه، جنوبه وشماله. فالجذور الحضارية للغرب الحضاري تمتد وتتداخل بشدة مع الحضارتين الاغريقية والرومانية، أما الجذور الحضارية للشرق فإنها تمتد وتتداخل مع مجموعة كبيرة من الحضارات التي ظهرت في مصر ووادي الرافدين وزاغروس والهضبة الايرانية.رغم أن الهوية الحضارية لكل حضارة من هذه الحضارات لها خصوصيتها الفائقة، الا ان مجريات التطور الحضاري خلال الألفية الثانية للميلاد قد حددت بوضوح دائرتين مميزتين وفق المعطيات الجغرافية. إحداها تبلورت بطابعها الحضاري والمعتقداتي ضمن نطاق القارة الاوربية، وقد واصلت هذه الدائرة التطور والنمو على الصعيدين الحضاري والمدني منذ عصر النهضة قبل خمسة قرون حتى استطاعت تبوء قيادة الركب الحضاري بمنجزاتها. أما الاخرى فقد تركزت في غرب آسيا وشمال أفريقيا وصولا الى قلب آسيا وشبه القارة الهندية، حيث تبلورت هذه الحضارية الشرقية (الاسلامية) ضمن نطاق عقائدي استطاع هضم واحتواء الحضارات القديمة التي نشأت وسادت ضمن هذه الجغرافية، بل انها غطت على الارث الحضاري للحضارات الغابرة التي سبقتها.
ومن المفيد الاشارة الى ان هناك دوائر حضارية كبرى خارج دائرتي الشرق والغرب الحضاريتين، و في المقدمة تأتي حضارتا الهند والصين. لكن الصدام والصراع بين الحضارتين الشرقية والغربية يبقى على أشده، ربما لاسباب جغرافية. ولعل بؤرة الصراع تتمحور حول حالة عدم القبول بالحضارة الغربية من قبل (بعض) الشرقيين أو حالة الشعور بالاغتراب ازاء صرح الحضارة الغربية. وتبقى الحضارة المعاصرة الأبن الشرعي للحضارة الغربية/الاوربية، تحمل روح قيمها ومعطياتها الحضارية وتصطبغ بصبغتها الحضارية وتتغذى على منجزاتها العلمية والتقنية.
وبعد ان سادت الحضارة الغربية وغدت عنوانا للحضارة العالمية في ظل التقنية التي ظهرت من رحم هذه الحضارة، برزت لدينا مراكز أو بؤر حضارية موازية في آسيا وأمريكا تجاري المعطيات المدنية للحضارة الاوربية. وشيئا فشيئا حصل مزج حضاري هائل خلال القرن العشرين ونتجت عنه حضارة يصح ان نطلق عليها الحضارة المعاصرة ذات الطابع العولمي. ويمكن القول بان الحضارة المعاصرة خرجت من معطفها الاوربي/الغربي لتصبح عالمية عامة وشاملة.
والبعض من نماذج النشوز الحضاري الذي يظهر على شكل حركات سياسية متطرفة مرده احساس منظريها وانصارها بالاستلاب الحضاري والتيه، لذا يتخذون حالة ردة فعل عنيفة تجاه مجمل الحضارة المعاصرة معتبرين اياها لا تمثل منظومتهم القيمية ولا تعبر عن فعلهم ومنجزهم الحضاري لذا اعلنوا الحرب المفتوحة ضدها.
استنتاجات أولية
الحقيقة الأكثر حضورا وتأثيرا في الحياة المعاصرة، هي ان المدنية الحالية بصورها المختلفة، هي ليست نتاج حضارة واحدة فقط، بل هي عصارة نتاج مختلف الحضارات البشرية. وهذه الحقيقة لا تلغي حقيقة أخرى موازية لها، وهي ان النهضة الاوربية هي التي انجزت لب الحضارة المعاصرة وصاغت حيثياتها ومنحتها خصوصيتها ضمن مظاهرها المادية وأبعادها المعنوية.
لكن هذه الحضارة لم تكن تمتلك مقومات التعميم والعالمية لولا تغذيتها ورفدها من قبل الحضارات الاخرى، بل هي بشكل من الاشكال، الحلقة الاكثر حداثة في سلسلة الحضارة البشرية. لذلك لا ضير ولا ضرار وانطلاقا من منطق سليم، اعتماد وتبني هذه الحضارة في اي مكان من الكرة الارضية.
وهي، في نفس الوقت، استطاعت الامساك بكافة ركائز القوة والرجحان بحيث وجدت الامم والشعوب الاخرى ان ارثها الحضاري بات أقل اهلية من حيث الاستجابة لمتطلبات الحياة المعاصرة. مقارنة بالحضارة الغربية.
ولعل صيغة الانفتاح الذي امتازت به الحضارة الغربية قد منحها ديناميكية كبيرة بحيث امتلكت قدرة احتواء وهضم منجزات الحضارات الاخرى وكذلك فتحت الابواب على مصاريعها كي تسهم الشعوب والامم الاخرى بما لديها من المعطيات الحضارية للارتقاء أكثر فأكثر بواقع هذه الحضارة ودفعها الى معارج أكثر تطورا ورقيا. ومن هنا فإن حالة النشوز الحضاري التي تظهر هنا أو هناك (الحركات المتطرفة نموذجا) ماهي الا محاولات لانكار التفوق الغربي وتفنيد منجزاته الحضارية والمدنية، ومما يجعل مساعي مثل هذه التيارات تصاب بالنكوص، هو افتقارها لمشروع حضاري يستطيع مجاراة الحضارة المعاصرة، وبذلك تدفع بانصارها نحو طريق مغلقة تجعل من الصدام حالة حتمية. والنتائج المنتظرة من مثل هكذا صدام حضاري يبدو انها مخيبة للامال، حيث انها تدخل العالم في نفق مظلم لا يخلو من تهديدات جادة للسلم والامن العالميين وتهدر الكثير من الطاقات المادية والبشرية الخلاقة من دون ان تضيف حبة(خردل) الى بيدر الحضارة المعاصرة.