استخدم مصطلح الكانتون (ويعني مقاطعة، منطقة، قضاء) لأول مرة في سويسرا عام 1475وفي منطقة فرايبورغ بالذات. ثم شاع استخدامه في مناطق اخرى ليصل عددها اليوم الى26 كانتونا، ضمن الاتحاد الكونفدرالي السويسري، ليكون لكل كانتون دستوره المستقل، وسلطاته التنفيذية والتشريعية والقضائية المستقلة وبرلمانه الخاص فضلا عن حكومة تتكون من سبعة اعضاء.
والدستور الاتحادي الذي اعتمد عام 1748 هو الأساس القانوني للدولة الاتحادية الحديثة، وهومن أقدم الدساتير في العالم. ورغم اعتماد دستور جديد عام 1999، الا ان اي تغييرات ملحوظة لم تطرأ على الهيكل الاتحادي. فهو يوضح الحقوق الأساسية للافراد وكيفية مشاركة المواطنين في الشؤون العامة، ويقسم الصلاحيات بين الاتحاد والكانتونات، ويحدد الولاية القضائية الاتحادية، والسلطتين التنفيذية والتشريعية.
سويسرا بلد متعدد الاعراق، فيه اربع لغات رسمية هي الالمانية والانكليزية والايطالية والرومانشية، يتمتع باقتصاد قوي وهو ثاني دولة في العالم (بعد النرويج) من حيث الرفاهية. فالنظام التعليمي متطور يتيح تخريج كوادر مؤهلة، بحيث تستقبل الجامعاتت السويسرية سنويا اعدادا كبيرة من الطلبة من دول الاتحاد الاوربي ومن خارج الاتحاد. وقسم غير قليل من السويسريين الذي يكملون الدراسة المتوسطة يتوجهون الى المدارس المهنية لاكتساب الخبرة ثم العمل لدى الشركات.
وبالاضافة الى تعدد الاعراق واللغات، فان النظام السياسي السويسري اصبح نموذجا للتعايش بين الاثنيات، ساعد هذا النوع من التعايش على استقرار البلد وتفوقه في المجالين التجاري والصناعي، تتطلع بلدان عديدة الى ان تحذو حذوه.
ولا يقتصر الرفاه في سويسرا على الانسان، بل يتعداه الى الحيوان. فهناك قول يتداوله الناس بان كثيرا من مواطني الشرق الاوسط يحسدون ابقار سويسرا على رفاهية العيش .
فالدولة وحسب تعليمات نافذة، تتعامل مع الأبقار كثروة وطنية ضخمة تدر دخلا هائلا على البلاد، الامر الذي دفعهم لاصدار (جواز سفر) خاص لكل بقرة، يتم فيه توثيق كل المعلومات عنها، اسمها وتاريخ ولادتها، إضافة إلى سلالتها، بينما هناك دول لا يجري فيه احصاء سكاني، ولايعرف عدد السكان على وجه التحديد. والانكى من ذلك ان سويسرا رفضت بيع ابقارها الى بعض البلدان بحجة اساءة معاملتها!
كوادر من حزب العمال الكوردستاني الذين يتواجدون في منطقة شنكال وعلى جبلها بالذات، أرادوا تقليد سويسرا، بكل ثقافة شعبها وقوتها الاقتصادية واستقرارها السياسي.. فجمعوا عددا من انصارهم الايزيديين في اجتماع خاص، دعي اليه ايضا ممثلون عن الاحزاب والقوى الكوردستانية العاملة في المنطقة باستثناء ممثل الحزب الديمقراطي الكوردستاني، للاعلان عن تشكيل عدة لجان ضمن كانتون على غرارالكانتونات الثلاثة الموجودة في روزئافا (مع التذكير بأن سوريا ليست سويسرا)!، بهدف ادارة شؤون منطقة شنكال ذاتيا، بينما مازال قسم من المدينة واطرافها بيد تنظيم داعش الارهابي ولم تحرر بالكامل بعد، ومازالت قوات البيشمركه تخوض قتالا شرسا لطرد داعش منها.
كانت ثمة لافتات باللغة العربية تزين القاعة. لكن اكثرها اثارة، لافتة خطت باللون الاحمر تحمل عبارة: (ادارتنا الذاتية..ارادتنا).
والادارة الذاتية بالمعنى القانوني، هي اقامة نظام مستقل يدير شؤون المنطقة يعمل باستقلالية تامة ويتمتع بمواصفات الدولة من حيث الاقتصاد وتشريع القوانين والعلاقات مع الجوار.
ثمة كلمات القيت في الاجتماع، لعل اكثرها اثارة للجدل، كانت كلمة ممثل احد الاحزاب الكوردستانية المنضوية في حكومة الاقليم..فقد افاد بانه كان يتحتم اتخاذ هذا القرار (اي قرار تشكيل الكانتون) قبل الان، واضاف على قوله، ما معناه ان الوضع في شنكال لن يعود الى ماقبل تاريخ سقوطها بيد داعش، في اشارة واضحة الى سلطة الاقليم، وسلطة الديمقراطي الكوردستاني بالذات.
واذا كان اعلام حزبه، قد نفى اتخاذ قرار باقامة كانتون، وادعى ان الاجتماع كان لتشكيل لجان تشرف على اوضاع الايزيديين، وان مشاركته كانت قرارا شخصيا لا يمثل حزبه.. فان حجم الفعل يستدعي اتخاذ اجراءات رادعة بحقه، كأن يطرد من صفوفه على سبيل المثال وهذا اخف اجراء بحق كادر اساء الى حزبه قبل ان يسيء الى الاخرين.
فاقدام المجتمعين على فعلتهم تلك، يعني شق اوصال اقليم كوردستان، واضافة مشكلة جديدة الى مشكلاته الكثيرة وفي ظروف في غاية الدقة.
ومن حق الجنوبيين ان يتساءلوا عن معنى تقطيع اوصال وطنهم لصالح اجندات اقليمية حاضرة في مسألة اقامة الكانتون الذي سوف تتبعه كانتونات مماثلة في مناطق اخرى تخضع لسيطرة العمال الكوردستاني والقوى المتحالفة معه، كما صرح بذلك احد كوادرهم.
وليس صحيحا، ما يشاع من ان العمال الكوردستاني، حريص على وحدة الاقليم، او احترام ارادة شعبه، وانه لا يتدخل في شؤونه.
فالوقائع اثبتت عبرسني تواجد مقاتليه في كوردستان الجنوبية، تدخلهم السافر حتى في شؤون المواطنين الخاصة، وانهم لم يقيموا وزنا لسلطة الاقليم، سواء باتخاذه ملاذا ومنطلقا، او في اعلامهم الذي يسيء الى الاقليم صباح مساء.
اذا كانت وحدة العراق محل اهتمام العمال الكوردستاني، فلماذا لاتكون وحدة الاقليم بنفس تلك الدرجة من الاهتمام؟
ففي مقابلة صحفية سابقة قال القيادي في حزب العمال الكوردستاني جميل بايك: (يجب ان يبقى العراق موحدا).. لكنه يسكت الآن على سلخ مناطق من كوردستان. وبعده يأتي صلاح الدين دميرتاش المقرب من بايك ليدعو الى أن تصبح شنكال اقليما مستقلا!. بمعنى ان نية اقامة كانتون فيها ليست آنية أو مرتجلة، وانما هي نية مبيتة، ليصبح الكانتون اداة طيعة بيد مقاتلي الحزب، وممرا للعبور الى روزئافا تحت سلطة خارجة عن سلطة اقليم كوردستان.
انه لأمر عجيب، ان يصف العمال الكوردستاني الايزيديين كشعب مستقل.. فاعلام الحزب ومن معه، يتداولون عبارة (الشعب الايزيدي) وهو منحى خطير في سياق التشرذم وشق وحدة الصف القومي.
من المضحك والمبكي معا، ان كتاب اعتقاد الايزيديين الديني (مصحفا ره ش) مدون باللغة الكوردية، وان الاغلبية الساحقة منهم لا يجيدون غير لغتهم الأم الا وهي الكوردية، ونحن نعرف ان احدى أهم ركائز اي شعب هي اللغة.
باختصار شديد، ما استجد من الوضع، يتطلب موقفا حازما وموحدا من جماهير اقليم كوردستان وقواه واحزابه، وذلك بفضح النيات المبيتة التي تهدف الى سلخ مناطق من ارضهم، بينما يقاتل البيشمركه من اجل استرجاع ما استقطع منها.
فالمؤامرة خطيرة، ولأبعادها تداعيات اخطر، رغم ان البعض يحاول التستر عليها وتسويق اللجان المشكلة ضمن كانتون جبل شنكال، كونها جاءت للاشراف على اوضاع الايزيديين، متناسيا وجود ادارة في القضاء على رأسـها القائمقـام والمجلس البلدي.