Print this page

طارق كاريزي : أمة تعيش حرق كلماتها

 قد تكون آخر حادثة في هذا الباب، هي حادثة احتراق (أو حرق) كتب دار آفيستا في منطقة سور آمد (دياربكر). ولهذا الحادث جذر عميق ومتشعب في تاريخ الثقافة الكوردية، وفي الذاكرة الكوردية. انطلاقتنا فيما يتعلق بحرق النصوص والوثائق الكوردية ستكون من الحادثة الأخيرة.

فقد احترقت آلاف الكتب الكوردية في مركز لخزن وتوزيع مطبوعات دار آفيستا للنشر والتوزيع، داخل مخزن للكتب في منطقة سور دياربكر التاريخي، هذا السور الذي يعود تاريخه الى عهد الرومان ويبلغ طوله خمسة كيلومترات، كثاني أكبر سور في العالم بعد سور الصين العظيم. وقال مصدر من دار آفيستا إن (2600) كتاب للدار قد تضررت، لكنهم سيستمرون في عملهم. وقد أصدرت الدار بلاغا حول تعرض أحد مراكز توزيع مطبوعاتهم في مدينة آمد (دياربكر) للحرق، جاء فيه أن مجهولين قد أحرقوا مركز الدار ليلة 10/6/2016، لكن بعد أن هب المخلصون من أبناء المنطقة لاخماد الحريق، فقد تم إطفاؤه، وقد تسبب الحريق بإلحاق الضرر بقرابة (2640) كتابا ضمن عشرات آلاف الكتب الموجودة في المركز.

آفيستا دار نشر وتوزيع خاصة بالثقافة واللغة الكوردية، مقرها الرئيس في اسطنبول، تهتم بطبع وتوزيع الكتب باللغتين الكوردية والتركية عن التراث والثقافة والأدب والتاريخ الكوردي.

هذه الحادثة تثير الشجون في الذاكرة الجمعية للكورد. فقد تعرضت (وماتزال تتعرض) الكتب والمطبوعات والمخطوطات والوثائق الكوردية منذ فتوحات الاسكندر المقدوني والغزوات التي تلت حتى الآن، للمصادرة والنهب والالغاء والحرق. تاريخ الثقافة الكوردية، هو تاريخ ثقافة عاشت وسط النار والاشواك والنهب والحرائق، في خضم الحرب والنفي السرمدي. محاربة الكلمة الكوردية قانون غير مدون اتبعه محتلو أرض كوردستان جميعا بكل حدة وبحد السيف وألسنة النار.

يذكر ملا صالح المكنى بـ(شبول)، وهو أستاذ اللغة العربية في جامعة طهران حاليا، بأنه بعد سقوط جمهورية كوردستان وإعدام رئيسها القاضي محمد وعدد من كبار قادة الجمهورية، أخذت السلطات الشاهنشاهية الايرانية تبحث عن كل وثيقة وقصاصة ورق صادرة عن قبل سلطات جمهورية كوردستان. عند ذلك (والقول لشبول) أدرك ان القصد هو معاداة اللغة الكوردية، وإلا إن كان الهدف القضاء على جمهورية كوردستان، فقد سقطت الجمهورية واعدم رئيسها. لذلك وأنا شاب يافع (يتابع شبول سرده) فكرت في طريقة يمكن أن أحمي عن طريقها اللغة الكوردية من الفناء. ومما عزز لدي الرؤية، هو مشاهدتي لدجاجة اقتربت من الغرق بعد أن شاهدت فرخ بط ظنته إبنها بعدما فقس من بيضة وضعت تحتها ليتحول من بيضة الى فرخ بط، وهو يعوم فوق الماء دون مبالاة بقلق الدجاجة على فرخها الموهوم. فقال في نفسه، كل من يخدم الغير مصيره كمصير هذه الدجاجة المسكينة.

هكذا فقد توصل شبول الى مشروع ترجمة القرآن الكريم الى اللغة الكوردية. وبذلك تتم صيانة اللغة الكوردية من الضياع والفناء، لأنه لا أحد يستطيع التطاول على حرمة الكتاب الكريم والتجرؤ على حرقه.

في جنوب كوردستان، كنا نتصور ان الكتاب والكلمة الكوردية يتم وأدها، أو يتم حرقها تلافيا لعقوبات في منتهى القسوة من جانب السلطات، يمكن أن يتعرض لها كل من يٌعثر بحوزته على كتاب أو مطبوع كوردي. لذلك فقد تم حرق مئات الأطنان من الكتب والجرائد والمجلات والمخطوطات والوثائق الكوردية طوال عمر الدولة العراقية. لأن الظروف الاستثنائية وحالات الطوارئ التي كانت تعلنها السلطات العراقية أثناء حملاتها لقمع الثورات الكوردية، كانت تصحبها حالات من الحساسية المفرطة الى جانب منتهى الشك والريبة إزاء كل شيء كوردي، وكان المطبوع الكوردي والكلمة الكوردية ينظر اليهما على انهما امتدادان حيويان للوجود الكوردي وجزء خطر من الثورة (العصيان والتمرد بحسب التسمية الرسمية للدولة) الكوردية وامتداد عضوي لها، فهما بالتالي يشكلان خطرا على أمن الدولة العراقية. لذلك بادر المدنيون الكورد من غير المنخرطين في صفوف الثورة الى حرق أطنان من ذخيرتهم الثقافية من أجل إبعاد شكوك وظنون السلطات، والذي وقع تحت يد السطات الامنية والعسكرية، تم اتلافه بمنتهى اللامبالاة.

هذه الحالة تكررت، ربما بصورة أكثر مأساوية وقسوة في أجزاء كوردستان الاخرى. فاللغة الكوردية بقيت محظورة طوال أكثر من سبعة عقود من عمر الدولة التركية، وتمت محاربة كل ما بمت إلى اللغة والثقافة الكوردية في شمال كوردستان. واضطر الكورد هناك الى حرق مئات الاطنان من الكتب والمخطوطات والوثائق الكوردية أو وأدها تحت الثرى لتختلط مع أديم الارض. الكارثة الثقافية نفسها تتكرر في شرق وغرب كوردستان. فالنخب الثقافية الكوردية في كل جزء من أجزاء كوردستان لديهم الكثير من الروايات والسرديات التي تتحدث عن حالات كارثية وحملات مأساوية للابادة والتذويب والصهر والافناء الثقافي التي تعرضت لها الثقافة الكوردية.

الثقافة الكوردية واصلت البقاء واللغة الكوردية أبت الفناء والانصهار رغم قساوة حملات القهر والالغاء. فحملات القمع الثقافي تشعبت وامتدت لتطال حتى تسميات الاطفال أيضا. فالكوردي لم يكن مسموحا له إطلاق الاسم الذي يرغب فيه على مولوده، بل كان الخيار الوحيد أمامه هو تحديد اسم عربي في العراق وسوريا واسم ولقب تركيين في تركيا واسم غير كوردي في ايران لمولوده. هذه الاسماء المفروضة على الكوردي من قبل السلطات المغتصبة لكوردستان لم تكن كوردية، بل كانت غير كوردية تهدف الاسهام في مسخ الذات الكوردية وطمس الهوية القومية للكورد، كانت تدرج في قوائم تطرح أمام الكوردي. ولا خيار آخر أمامه سوى القبول ولا حول ولا قوة له.

الكورد أمة مازالت تعيش حرق كلماتها واختراق لغتها، الا ان هذه الأمة تحاول في الوقت نفسه، ودون كلل، إعادة إحياء هويتها من تحت الرماد المتراكم.