بكثير من الاستسلام جلس الصبي الحلبي عمران معفراً بتراب كثيف غطى جسمه وملابسه وخصلاته الناعمة المتدلية على جبينه فاختلط شعره بجرح نازف في رأسه، قبع في كرسي سيارة الإسعاف دون كثير جلبة ذاهلاً ساهماً فبدا عاجزاً حتى عن ذرف الدموع وهو ينظر إلى عدسة من يصوره حائراً إلى حد أنه لم يعرف ماذا يفعل بيده التي مسح بها جبينه الدامي.
لا تعداد لعدد المرات التي جرى فيها تداول صوره والفيديو الذي يوثق لحظات إنقاذه من أنقاض المبنى الذي يسكنه في حلب والذي دمرته غارة أما للطيران الروسي أو طيران النظام أو كليهما.
كان واحدا من 12 طفلاً تمت معالجتهم الأربعاء الماضي في حلب، لكنه الوحيد الذي تمكنت صوره من فرض نفسها على كبريات وسائل الاعلام العالمي وصفحات التواصل الاجتماعي. طبعا لم تنج صورة عمران من محاولات ابتذال الاعلام الممانع الذي عمد بعضه إلى نشرها من دون ذكر الجهة التي قصفت المبنى الذي يسكنه عمران.
لكن بالعودة إلى الصورة نفسها من دون تأويلاتها، فلسبب ما أصابتنا نظرات "عمران دقنيش".
لا نعرف بالتحديد كيف ولماذا يمكن لصور بعينها أن تمس فينا ذاك الوتر، أعني وتر المشاعر التي تبلدت وتآلفت مع مشاهد الموت والألم إلى حد اللامبالاة فتأتي صورة مباغتة كصورة عمران فتهزنا من الأعماق وتحيي في نفوسنا ما اعتقدنا أنه مات وانتهى.
أعادنا عمران إلى صور الطفل السوري "آلان" الذي قضى غرقاً على شواطئ تركيا. لكن عمران لم يمت كآلان. لم يمت كآلاف الأطفال السوريين، لعل هذا تماماً ما أصابنا. فهل هي قصة شعره المتناثرة على جبينه والتي تذكرنا بما يداعب مخيلة صغارنا من موديلات نجوم كرة القدم، أم هي نظرات عينيه الواسعتين اللتين لم تدمعا بل بقيتا تنظران دون أدراك لما يحصل.
في عمران الكثير من الملامح التي تذكرنا بأطفالنا الذين نحبهم ونخشى عليهم من نسمة هواء فكيف بنا حيال صواريخ كتلك التي "يجود" بها فلاديمير بوتين أو بشار الأسد على رؤوس السوريين. واستخدام صورة عمران كرمز للألم السوري ليس جديداً وليس واعداً بامتلاك قدرة على تغيير الحال. فصور الجرحى والموتى تجري مشاركتها يومياً عبر السوشيال ميديا والعديد منها أكثر رعباً من صور عمران، لكن مع تفادي وسائل الاعلام الدولية بث صور قاسية بدت عينا عمران واضطرابه مادة بصرية قابلة للتداول والانتشار. ببساطة يمكن أن يكون عمران طفل أي أحد منا، طفل ينظر بقلق وبعجز حقيقي عن فهم ما يحصل من حوله.
حكايات مثل حكاية عمران هي مشهد يومي في حلب، وفي سورية بأسرها لكن المشكلة المأساة هي أن مثل تلك الصور ورغم كشفها للفظائع لكنها تعجز عن انتاج موقف متماسك مما يجري للحيلولة دون كل هذا الموت، بل هي لم تعد أكثر من "ترويج" سلبي لذاك الرعب وذاك العجز عن مواجهة الموت.
إيلان أخبرنا ما يعيشه من يحاولون الهرب من الموت، أما عمران فيقول لنا بصمت: على هذا المنوال تسير الحياة في حلب، هذا إن سارت.