أسم الكانتون وصوت الطبل (دهول) متشابهان، الاثنان يطيب لك سماع صوتهما عن بعد. لو تيسرت الفرصة لأهالي شنكال لزيارة الكانتون ويروا طبيعة الحياة فيها، لربما لن يسمحوا لأي أحد يتحدث عن الكانتون أن يعيش في منطقتهم.
زرت قبل اسبوعين كانتون الجزيرة. بقيت هناك لمدة ثلاثة أيام واطلعت على الادارة الكوردية بموديل (PKK). الكثير من الأشياء أسعدتني، والكثير منها أزعجتني. مثلا، ترى الشباب يحملون السلاح ويريدون الدفاع عن الكانتون، هذا شيء جميل، لكن أن تجد شابا آخر يهاجر خوفا من التجنيد الاجباري ويخلي وطنه لشاب حلبي، فهذا أمر كارثي. منذ ثلاث سنوات، هناك ادارة ذاتية في غربي كوردستان، لكنك تحس بأن هذه التجربة قد تأسست قبل ثلاثة أيام فقط. ما تراه يذكرك بالأيام الاولى لانتفاضة جنوبي كوردستان. مجموعة من الشباب الثوري يحملون الاسلحة، بمستوى دراسي ومؤهلات بدائية ويقومون بادارة بلد غارق في المشكلات. نفس الاخطاء التي ارتكبت قبل عشرين عاما في جنوبي كوردستان، يتم اعادتها هناك. أهم هذه الأخطاء هو ان القرارات الستراتيجية للكانتون تصدر من قبل أشخاص لا يمتلكون الخبرة والاهلية في الحكم.
قادة الثورة في جنوب كوردستان عادوا وأصبحوا رؤساء للبرلمان والحكومة، هم أيضا لم يكونوا يمتلكون تجربة في الحكم، لكن كانوا يمتلكون خلفية ثورية. والنتيجة حينما اندلعت الحرب الداخلية (الاهلية)، رئيس الحكومة والذي كان من الاتحاد الوطني، كان قائد لأحد جبهات القتال، نائبه كان من الديقمراطي الكوردستاني، كان قائدا للجبهة المقابلة له. هم عادوا للحرفة التي كانوا يجيدونها أكثر من اجادتهم لمهنة الحكم وادارة الدولة!
الآن في روجآفا، نفس الحالة وربما بدرجة أسوء تتكرر. سياسة الكانتون يتم صياغتها في جبل قنديل ويجب أن تنفذ. وقادة قنديل لهم سوابق ثورية، لكنهم لا يمتلكون أي خبرة في الحكم. والنتيجة هو ادارة المدينة بعقلية الجبل.
عضو في (PYD) قال لي في قامشلو، بأن ابقاء الجيش السوري في المدينة «تكتيك ثوري». وعندما سألته: وما هو هذا التكتيك؟ أجاب: «لو نقوم بطردهم، فان الحكومة السورية تهاجم المدينة بالطائرات»، لكن هذا الشاب لم يسأل نفسه، لماذا لا تقصف الطائرات السورية كل من ديرك ورميلان وترسبيه وباقي المناطق الكوردية التي لا يتواجد فيها الجيش؟ لماذا لا تقصف عامودا التي أصبحت عاصمة لكانتون الجزيرة؟ ولم لا تهاجم هذا الجزء الذي لا يتواجد الجيش فيه من مدينة قامشلو؟ كلام هذا الشاب ذكرني بتصريح لـ(آلدار خليل) أدلى به لصحيفة عربية تصدر في لندن: «كان لنا اتفاقية تكتيكية مع المجاميع الاسلامية المتطرفة في سري كانييه». والقصد من المجاميع الاسلامية المتطرفة هو تنظيمات مثل داعش وجبهة النصرة وغيرها. ترى هل ان اتفاق (PYD) مع الحكومة السورية تكتيكي على نفس الشاكلة؟
ان الاجراء الذي اتخذه (PKK) خلال المدة الماضية حول اعلان كانتون شنكال، يقال له وفق علم العلاقات الجماهيرية «البالون الاعلامي». ومعنى ذلك بأنه تطرح في البداية فكرة بين الناس، اذا تبعته ردود افعال جيدة، يتم تطبيقه، وبعكسه، يغض الطرف عنه. ردود الافعال التي اعقبت اطلاق البالون توضح، بأن على (PKK) ان يجنح للخيار الثاني، وهكذا فعل. والحقيقة انه حسن فعل بذلك، لأنه في الوقت الذي عجز هذا الحزب عن تقديم تجربة كانتونات ناجحة في غربي كوردستان، ما الحاجة بأن يصبح كانتوجيا في جنوب كوردستان، بعد فشل تجربته في غربي كوردستان؟.