Print this page

طارق كاريزي: الكرد واشكالية الهوية

الدول الأربع التي تقتسم جغرافية كردستان هي دول حديثة الولادة نسبيا، ظهرت بتسمياتها الحالية خلال الربع الأول من القرن الماضي. وهي دول تبنت القومية كأساس لها، اي انها اعتمدت هوية احادية لتعريف الدولة وممارسة السلطات وتشريع القوانين، مع انها دول تنوع اثني (قومي وديني ومذهبي). وبذلك فقد تعرض أبناء القوميات والاثنيات الاخرى من غير المتسيّدة في العراق وايران وتركيا وسوريا الى الاغتراب من حيث الهوية والتعريف المشرعن. وقدر تعلق الأمر بالكرد، فان الكردي أصبح يمتلك أربع جنسيات مختلفة من دون أن تعبر أي منها عن هويته وحقيقته الانسانية وتراثه الثقافي.

الهويات القسرية والتقسيم القسري اللذان فرضا على الكردي لم يمرّا بسلاسة، بل ان حالة الاغتراب التيأنتجت الرفض والتمرد والثورات التي أبداها وأثارها الكردي حيال التقسيم والهويات القهرية المفروضة عليه، جوبهت بالحديد والنار، وهكذا نجد ان جميع الثورات والانتفاضات الكردية التي طالبت باقرار وقبول الهوية الكردية على المستوى الوطني في البلدان التي تقاسمت أرض كردستان، جوبهت بالقمع ومنتهى القسوة حيث ارتكب محتلو كردستان الجرائم الشنيعة ضد كردستان أرضا وشعبا. هذه السياسات القهرية التي اتبعت في مواجهة المطاليب الكردية الانسانية العادلة، لم تستطع اجبار الكرد على التخلي عن هويتهم القومية، بل تواصل النضال الكردي طيلة القرن الماضي ومازال متواصلا. وليس من المتوقع أن يتخلى الكرد عن هويتهم الانسانية وثقافتهم الخاصة، مهما تنوعت سبل القهر وأساليب الاضطهاد التي تمارس ضدهم.

الاغتراب الهوياتي الذي يحسّ به الكردي لم يأتي من فراغ، بل أن التجاوزات التي ترتكبها سلطات الدول التي تحتل كردستان ضد سكانه من الكرد وغيرهم، هي التي ولّدت حالة الاغتراب لدى الكردستانيينوعلى مختلف المستويات. مع ان مشتركات عدة تجمع الكرد مع العرب والفرس والترك، الا انهم امة مميزة سبقت هذه الأمم الظهور على مسرح التأريخ وضمن جغرافية كردستان الحالية. عليه يظل الكردي يعيش حالة الاغتراب الوطني ولا يحس بالانتماء الى هذه الدول المفروضة عليه بالضد من ارادته القومية وتكوينه الثقافي وانتماؤه الوجداني. وتترجم حالة الاغتراب هذه برفض هذا الواقع والمطالبة بانصافهم وتوفير فرصة تقرير مصيرهم بأنفسهم اسوة ببقية شعوب المنطقة والعالم.

الصدمة الكبرى التي يعيشها الكردي تتجلى في بلدان المهجر حيث يحس هناك بعمق اغترابه وعدمية هويته. فالكردي الذي يتجرأ الافصاح عن هويته الحقيقية عند تداول ملف لجوءه في بلدان الغربةمن خلال الاجابة على السؤال الذي يوجه اليه عن هويته وجنسيته، وذلك حينما يرد بأنني مواطن كردستاني. هذا الجواب يثير الاستغراب لدى المحققين، لأن بلدا باسم كردستان لا يمكن العثور عليه في خرائط الجغرافية السياسية للعالم. رغم هذه الحقيقة المرّة، فان الكردي يعيش في جغرافية حقيقية لا تفتقر لأي من مقوماتهاالوطنية والقومية، سوى فقدان السيادة بسبب الغبن السياسي الذي جعل موطن الكرد توابع وهوامش لأوطان الغير، ويصعب بل يستحيل على الكردي القبول بهوية قسرية مقرونة بالقمع والعنف.

يقول عالم الاجتماع التركي البروفيسور اسماعيل بيشكجي، بأن هناك كردستان ايرانية وكردستان تركية وكردستان عراقية وكردستان سورية، لكن ليس هناك كردستان كردية. الكرد أمة واحدة تعيش على رقعة جغرافية متواصلة تعرف بكردستان. مع هذا فالحدود التي تخترق كبد الجغرافية الكردية تقتسم وطن الكرد الى أجزاء وشتات ملحقة بدول القوميات المجاورة. وتبعا لذلك بات الكردي أما بلا هوية، أو هو تارة تركي وأخرى ايراني وثالثة عراقي ورابعة سوري. لكن الكردي يبقى كرديا وينتمي وجدانيا لوطن مرسوم في مخيلة كل كردي ويعيش فوق جغرافيته ولكن بهوية مصادرة.

سعي الكردي سيتواصل على مختلف الاصعدة من اجل تحقيق هويته الذاتية بجميع أبعادها. رداء الهويات الاخرى التي البست الذات الكردية، هي أضيق من أن تستر الكردي وتلبي حاجاته الروحية والنفسيّة والحياتية. عليه نجد ان روح التمرد حيال الهويات القسرية المفروضة على الكردي متواصلة في ضمير كل كردي، وتتفاوت طرق وأساليب رفض هذه الهويات بحسب التفاوت في الموقع والفهم، لكن المشترك بين الكرد جميعا، هو عدم تقبل الهويات القسرية. وطالما عمليات صهر الكردي قد فشلت، فانه لا بديل الا تمكين الكردي من ممارسة حقه في خيار الهوية.

ومن المفيد الاشارة الى ان مصادرة هوية الكردي لا تنفع الجار المحتل لأرض كردستان، لأن المحتل بتطاوله على حق الآخر يمهد الطريق لصراعات سرمدية لا تنتهي الا بانتهاء مسبباتها. واقصر الطرق لحل الاشكالية الكردية التي يعاني منها الاخرى والكردي في آن واحد، هو الجنوح لمنطق الحل السلمي لهذه القضية الساخنة. مع ان آفاق الحل مازالت غير واضحة، لأن الحدود التي رسمتها القوى العظمى بعد الحربين العالميتين، باتت في حكم القدسية لدى النخب التي تتولى السلطات في دول الجوار الكردي، وأي مساس بها يعد منوجهة نظرها وفهمها للامور من التابوات.

مع هذا فان من المنطق ومن مصلحة الجميع، أن يتم التوصل الى حلول سلمية لقضية الامة الكردية، ومن دون ذلك لا أمل في تحقيق الاستقرار في البلدان التي تقتسم وتحتل أرض كردستان. فالهوية الكردية غير قابلة للمصادرة حتى النهاية، لذا لابد من الاعتراف بها والركون الى حقيقة وجودها الحي.