تظهر الخرائط الميدانية للمشهد العسكري في سوريا الحالية أربعة ألوان رئيسة تتقاسم جغرافية البلد. فألوان الاحمر والاخضر والاصفر والاسود توضح المساحات الخاضعة لقوات الحكومة السورية (نظام بشار الاسد) وقوات الجيش الحر (المعارضة) وقوات سوريا الديمقراطية (ب ي د) وقوات داعش (الارهابية). اضافة الى أطياف لونية اقل مساحة تتقاسمها تنظيمات عسكرية مختلفة واخرى تحتلها القوات التركية بين الفرات وعفرين.
المنطق السياسي يقول لابد وأن تتراجع هذه الالوان في نهاية المطاف، لتترك المشهد السوري الساخن يستقرّ على منوال لون قانوني منسجم تتولى فيه القوات الامنية الرسمية للحكومة (أو الحكومات) التي تتولى زمام الامور بعد انتهاء الصفحات المأساوية للثورة،التصدىلمهماتالامساك بالملف الامني. لكن واقع حال التقلبات السياسية المقرونة بالعنف الثوري والعنف العبثي في بلدان الشرق (افغانستان، لبنان، ليبيا، اليمن، العراق مثلا) تشير الى صعوبة عودة المياه الى مجاريها السابقة، لأن تقسيمات التمثلات العسكرية ومشهد تقاسم القوى، تخلق حالة من التشابك الحياتي مع سكان مناطق النفوذ المختلفة، وتتبلور حالة يمكن أن نصفها بواقع حال مالوف على الصعيد الاجتماعي والحياتي لدى هؤلاء السكان، وذلك بحكم انخراط نسبة لا بأس بها من سكان هذه المناطق في التشكيلات المسلحة وما يتبعها من تداخل في شبكة العلاقات بين المدنيين والمسلحين في هذه المناطق بحكم ظروف ومتطلبات الحياة المستجدة.
والمسألة تأخذزخما اكثر قوة من حيث ازدياد نفوذ المجاميع والقوى السياسية المسلحة (السلطات على اختلاف انماطها عموما) في مناطق نفوذها كلما كانت قاعدتها الجماهيرية أكثر سعة. بعبارة أوضح نقول، بأن انهيار نظام الدولة في البلدان التي تشهد صراعات طويلة الأمد، لا يمكن جبرانه وليس من السهل اعادة بناء الدولة حيث يشهد البلد تداعي نظمه المؤسساتية، علاوة على استفحال غول الفساد الاداري والمالي الذي يترك ظلالا قاتمة على مجمل نواحي حياة السكان.
كلامنا هذا ليس من باب التشاؤم بقدر ما هو تشخيص حالة لابد من التوقف عندها ومن ثم دراستها بكل موضوعية، ان كانت هناك نيات حقيقية لتجاوزها. ومن المهم أيضا الاشارة الى ان هناك عوامل عديدة اخرى لا تقل أهمية عن تلك التي سبق الاشارة اليها من حيث صعوبة أو ربما استحالة عودة الامور الى أوضاعها السابقة. ولعل من أبرزها تمتع سكان مناطق النفوذ المختلفة بمديات واسعة من ممارسة الحياة بحرية (مع هامش واسع من التحفظات ازاء معاني ومغازي مصطلح الحرية) أو وفق شروط ومعطيات جديدة، قد تكون ايجابية أو سلبية، لا تتوافق مع نمط النظام الذي تعاملت به السلطات الحكومية السابقة.وتولد هذه الحالة سيل من التناقضات والتناحر والتنافس العبثي في مختلف مفاصل المجتمع وكذلك في بنيان الدولة التي ستكون موجودة بالاسم فقط لا غير، وذلك بعد أن تنهش معاول الهدم في بنيانه حتى السقوط، ويتسابق فرسان المحسوبيات لتقاسم كعكة اعتمادات الاعمار والمساعدات، وكذلك الاستحواذ على أكبر قسط من الموارد والايرادات من دون وازع من ضمير أو خوف من رقيب أو حسيب.
من هنا يمكننا القول بأن افضل مشاريع الحلول المفترضة (أو ربما المطروحة) للحالة السورية، وايضا للحالات المشابهة لها، هو تبني خيار الواقعية السياسية التي تأخذ بالحسبان المعطيات العسكرية والجماهيرية وواقع ميول السكان ورأيهم العام بحسب مناطقهم أو انتمائاتهم الاثنية ومرجعياتهم الثقافية، وكذلك أخذ تداعيات الصراعات التي عصفت بالبلد بنظر الاعتبار،خصوصا واننا أمام مشهد سوري يعاني التمزق والتشتت على مختلف الاصعدة، ومنها تشتت النسيج الاجتماعي وتعدد الولاءات السياسية وتصاعد حالة الانشطار السياسي والمجتمعيوالذي تسرب حتى داخل البيت الواحد للمجاميع الاثنية. عليه من غير المتوقع أن تنجح الحلول التي قد تفرض عنوة وبالضد من خيارات السكان أو من دون التوصل الى حالة من الاجماع السياسي بين القوى الفاعلة في المشهد العام للبلد.
الحالة السورية من وجهة النظر الكردية ينتابها الكثير من القلق، خصوصا وان البيت الكردي يعاني الشقاق والانشقاق السياسي وتباين في الرؤية والستراتيجية السياسية وبالتالي تشتت المشهد السياسي الكردي بين معسكرين واجندتين متقابلتين. قلق الشارع الكردستاني السوري حيال حالة الانشطار السياسي في روجآفا دليل على الحرص الشعبي العالي ازاء الاوضاع المرتقبة وكذلك هو تعبير عن التطلعات المشروعة للجماهير الكردية المحرومة من الحقوق الانسانية والتواقة لنيل حقوق المواطنة من اجل بلوغ حالة أفضل من الماضي قدر تعلق الامر بالحقوق الانسانية للمجتمع الكردستاني السوري.
بغض النظر عن صيغة الحل السياسي التي سترسو عندها الاوضاع السورية، هذه الصيغة التي لا تتبلور من دون مراعاة الاجندات الاقليمية ومصالح الدول العظمى التي تتحكم بزمام الامور فيما يتعلق بالشأن السوري، الا انه يمكن الركون الى حقيقة كون الواقع الكردي السوري يشكل عاملا فاعلا في المشهد وعنصرا لابد من مراعاته في أي مفاوضات علنية أو طبخات تعد خلف الكواليس. فالقضية الكردية باتت جزءا من المعضلة ومفصلا مهما من مفاصل الحل.تهميشه أو تجاوزه لن يكون في صالح استقرار سوريا والمنطقة.
من هنا فان الاداء الجماهيري والسياسي والميداني للكرد مهم جدا، بل انه العامل الذي لابد من تفعيله وتوظيفه بشكل جيد بما يخدم التطلعات العادلة لشعب كردستان سوريا للعيش في ظل حياة كريمة تليق بانسان عصرنا هذا، وتوازي حجم التضحيات الكبيرة التي قدمها الشعب الكردي في روجآفا والمعاناة القاسية التي ألمت بهم والسوريين جميعا منذ عام 2011.