اعتبر يوم (21/شباط) من كل عام يوما عالميا للغة الام. الامم المتحدة هي صاحبة فكرة هذا الاعلانمنذ عام 1999، ما يعني ان للمناسبة بعدا دوليا واهتماما امميّا. ويعد هذا اليوم العالمي فرصة سانحة للشعوب والامم من اجل الالتفات الى وعائها الثقافي ووسطها اللغوي المعبر عن كل جوانب حياتها من حيث كونها وسيلة التعبير المثلى لايصال وتداول المعرفة والمعلومات، وايضا ادامة الحوار والتفاهم بين بني البشر على اصنافهم ومشاربهم وتطلعاتهم.
مازال الكرد امة فاقدة السيادة، وهذا الحرمان من السيادة ترك آثارا قاسية على الواقع اللغوي لهذه الامة التي استطاعت المحافظة على لغتها من الضياع والانصهار، رغم كثرة وسعة الحملات التي استهدفت اللغة الكردية كركن أساس من شخصية الفرد الكردي وكينتونته القومية من قبل الدول المحتلة المتقاسمة لجغرافية كردستان. وهذه المناسبة فرصة جيدة لمراجعة واقع هذه اللغة والبحث عن آفاق تطورها ونموّها لتواكب تطورات العصر.
هنا من المفيد الاشارة الى بعض المعلومات الاولية والمهمة بالنسبة لواقع اللغات في العالم، وذلك بحسب المعلومات التي تنشرها وسائل الاعلام وقنوات الايصال والتواصل ومنابع المعرفة. استنادا لهذه المصادر، هناك 6 آلاف لغة في العالم، لكن الغالبية العظمى من هذه اللغات معرضة للانقراض، فالنسبة العظمى من سكان الكرة الارضية يتحدثون بـ(100) لغة فقط، من بينها اللغة الكردية التي تحتل المرتبة (59) من حيث عدد الناطقين بها.
تحديات امام اللغة الكردية
تسعى الاوساط المعنية وكذلك الاشخاص على مستويات عدة ومن خلال قنوات متنوعة في شطري شمال وجنوبي كردستان الى تقديم وممارسة الفعاليات المختلفة من أجل المحافظة على سلامة اللغة الكردية والسعي لتطويرها. يسعى النشطاء الكرد في شمالي كردستان الذي يضم حوالي (45%) من اجمالي الناطقين باللغة الكردية ولهجاتها، الى نيل الاعتراف باللغة الكردية كلغة رسمية ثانية في تركيا الى جانب اللغة التركية. فيما يؤكد لغويون وناشطون بأن اللغة الكردية في تركيا وشمالي كردستان مازالت في دائرة الخطر، ويعتبر عدد منهم بأن الاحزاب السياسية تقع عليها جزء كبير من مسؤولية هذا الواقع المرّ للغة الكردية.
اللغة الكردية في العراق هي اللغة الرسمية الثانية الى جانب اللغة العربية وهي اللغة الرسمية الاولى في جنوبي كردستان (اقليم كردستان). وفي سوريا فان اللغة الكردية لم تحظى القبول رسميا، الا ان كرد غربي كردستان حافظوا على لغتهم ونادرا تجد كرديا سوريا لا يجبد اللغة الكردية. علاوة على ذلك فان اللغة الكردية باتت لغة للتعليم والتداولات الرسمية في المناطق الخاضعة للسيطرة الكردية، الى جانب الاهتمام باللغة العربية.
في ايران وشرقي كردستان التي تضم (30%) من اجمالي الناطقين باللغة الكردية حيث يتحدث الملايين من الكرد على طول غرب ايران وصولا الى شيراز والخليج وكذلك في طهران وخراسان بجميع اللهجات الكردية الرئيسة (الكرمانجية الشمالية والوسطى والجنوبية والغورانية)، فان اللغة الكردية رغم خضوعها لتأثيرات اللغة الفارسية، الا ان الكرد اجمالا قد حافظوا على لغتهم الام وهناك مساع غير رسمية لتعلم الكتابة والقراءة بهذه اللغة وشهدت جامعة كردستان- سنندج افتتاح قسم للغة الكردية.
مع ان التربية والتعليم باللغة الكردية غير متاحان في ايران وكردستان الشرقية، الا ان اصدار المطبوعات الكردية والبث الاذاعي والتلفزيوني باللغة الكردية متاح، وهذا يسهم في نموّ وانتعاش اللغة الكردية، ومع ان هامش الحرية محدود جدا في ظل الجمهورية الاسلامية، الا ان اللغة الكردية تواصل حضورها وهي ابعد ما تكون من خطر الفناء.
بحسب بيانات للامم المتحدة هناك 472 قانونا حول اللغات صادرة من 193 بلدا. الناطقون باللغة الكردية يتوزعون بشكل مكثف على أربعة بلدان هي على التوالي من حيث عدد الناطقين باللغة الكردية فيها (تركيا، ايران، العراق، سوريا) وهذه الدول في الواقع تقتسم جغرافية كردستان التي تضم ما بين (40- 50) مليون نسمة 75% منهم ناطقون باللغة الكردية. وهناك ناطقون باللغة الكردية في ارمينيا، جورجيا، اذربيجان، لبنان، كذلك هناك كرد (ناطقون وغير ناطقون باللغة الكردية) في الاردن والسودان وافغانستان وباكستان والهند والصين، علاوة على جالية كبيرة في روسيا الاتحادية وحوالي مليون ونصف مليون كردي يقيمون في المهجر (البلدان الاوربية واستراليا وامريكا الشمالية). اجمالا يقدر عدد الكرد بـ(50) مليون نسمة، هناك نسبة منهم من غير الناطقين باللغة الكردية لاسباب قاهرة.
تركيا التي لا تعترف بغير التركية كلغة رسمية وحيدة في البلاد، تضم 30 قومية يتحدثون بحوالي 36 لغة، والكرد يشكلون القومية الثانية في البلاد بنسبة 30% من اجمالي سكان تركيا، من بينهم نسبة كبيرة ناطقون بغير الكردية.
مع ان الدستور الايراني (المادتان 15 و19) تعطيان الحق للقوميات الايرانية من غير الناطقين باللغة الفارسية حق استخدام لغاتهم في القنوات التربوية وحقول الثقافة، الا ان اللغة الكردية وباقي اللغات (الاذربيجانية، العربية، البلوشية، التركمانية، المازندرانية، الغيلكية، التاتية، الطالشية) في ايران تعاني التضيّق والمنع على مستوى التربية والنشر.
عضو سابق في برلمان كردستان (طارق جمباز) يلقي اللائمة على الاحزاب الكردستانية ويقول "لم تتحدث القوى الكردستانية في مناهجها وبرامجها عن السياسات اللغوية، ولم يشكل برلمان كردستان في جميع دوراته حتى الان لجنة خاصة لشؤون اللغة، لذلك فان حتى القوانين الصادرة من البرلمان تعاني الثغرات من حيث السلامة اللغوية. ومكونات شعب جنوب كردستان (التركمان، المسيحيون الناطقون بالسريانية الكلدانية الآشورية، الارمن) تمارس حقها في اللغة الام من حيث التربية والتعليم والاعلام.
واقع اللغات عالميا
بحسب المصادر الدولية المعنية باللغات، الكثير من اللغات في العالم تواجه خطر الاندثار، كون هذه اللغات هي لغات محكية تستخدم في التخاطب فقط من دون التدوين. وهناك ما بين 200- 500 لغة معرضة للفناء بسبب عدم قدرتها الصمود امام التكنولوجيا والتقدم. علاوة على كون لغات الشعوب المحرومة من السيادة تعاني من التهميش وتاثيرات لغات الشعوبصاحبة السيادة.تظهر الارقام التالية أكبر اللغات انتشارا حسب عدد متحدثيها الأصليين وفق تقديرات نسخة 2007 من الموسوعة الوطنية السويدية. وبسبب الإختلاف الواسع في طرق إحصاء التعداد السكاني من دولة إلى اخرى، وعدم قيام بعض الدول بتسجيل اللغة في احصائياتهم، لذلك فان أية قائمة تخص اللغات سواءً عن عدد المتحدثين الأصليين أو عدد المتحدثين الكلي، هو عبارة عن تقديرات. تحديثات تقديرات نسخة 2010 موجودة أيضا، وفيما يلي الارقام التقديرية وفق نسخة 2007:
لغة الماندرين (لغة الصين) تأتي في المرتبة الاولى من حيث عدد الناطقين بها (955 مليون نسمة)، وتأتي الاسبانية بالدرجة الثانية (405 مليون نسمة)، ثم الانكليزية ثالثا (360 مليون نسمة)، والهندية رابعا (310 مليون نسمة)، فالعربية خامسا (295 مليون نسمة)، ثم البرتغالية سادسا (215 مليون نسمة)، والبنغالية سابعا (205 مليون نسمة)، والروسية ثامنا (155 مليون نسمة)، ثم اليابانية تاسعا (125 مليون نسمة)، والبنجابية عاشرا (102 مليون نسمة). وتأتي اللغة الكردية، بحسب موسوعة (ويكيبيديا) الالكترونية بالمرتية (59) بواقع (21 مليون نسمة) يتحدثون بها في كردستان (تركيا، ايران، العراق، سوريا)، ونسبة المتحدثون باللغة الكردية يشكلون (0,31%) من اجمالي سكان العالم.
اليوم العالمي للغة الام
تظاهر عدد من الطلبة البنغاليين في جامعة دكا عام 1952 ضد سياسة فرض اللغة الواحدة، وقد واجهت الشرطة الباكستانية في بنغلادش (باكستان الشرقية آنذاك) المتظاهرين وقتلت 11 منهم. تاليا اضطرت السلطات الباكستانية عام 1956 الى الاعتراف باللغة البنغالية كلغة رسمية. منظمة اليونسكو التابعة للامم المتحدة أقرّت يوم 21/ شباط من كل عام اعتبارا من عام 1999 يوما للغة الام، وجاء اختيار هذا اليوم تخليدا للضحايا من الطلبة البنغاليين الذي طالبوا الاعتراف بلغتهم وسقطوا قتلى في 21/شباط من عام 1952. وتم احياء يوم لغة الام في العديد من الدول والمحافل اعتبارا من عام 2000 وبات تقليدا سنويا يتم الاحتفال به.
شهدت اللغة الكردية في شمال كردستان في غضون السنين الاخيرة انتعاشا بعد تراجع الضغوط الرسمية ضدها، قسم اللغة الكردية في جامعة ماردين يواصل اعداد الاكاديميين المتخصصين باللغة الكردية، وهناك توجه عام لتعلم الكردية من قبل الكرد غير الناطقين بها. جامعة دياربكر تقدم دروسا اختيارية في اللغة الكردية للطلبة الراغبين تعلمها، ونظرا لكثرة المقبلين على تعلم اللغة الكردية، فان الجامعة تعاني القصور في هذا المجال.
التربية والتعليم باللغة الكردية يأخذ بعدا واسعا في جنوب كردستان، كون التعليم بلغة الام متاح لابناء جميع القوميات في المناطق الخاضعة لسلطات حكومة اقليم كردستان، وشهدت المناطق الكردستانية خارج الاقليم في محافظات نينوى، كركوك، صلاح الدين، ديالى انفتاحا من حيث التربية والتعليم باللغة الام، حيث افتتح في كركوك وحدها حوالي 600 مدرسة كردية، علاوة على مئات المدارس الكردية في المناطق الكردستانية في محافظات نينوى وصلاح الدين وديالى.
مع ان التدريس باللغة الكردية، وكذلك باللغتين التركمانية (التركية) والسريانية متاح في محافظة كركوك، الا ان لغة الادارة مازالت هي اللغة العربية، ورغم ان اللغة الكردية هي لغة رسمية في العراق الى جانب اللغة العربية، الا انها لم تتحول الى لغة للادارة في كركوك اسوة بباقي محافظات جنوب كردستان. (كامل ساليي) قائممقام كركوك اصدر اول خطاب رسمي باللغة الكردية في القائممقامية، وصرح قائلا "تزامنا مع اليوم العالمي للغة الام كان بودنا البدء بالخطوة الاولى، وحررنا خطابا رسميا من القائممامية باللغة الكردية موجها الى السيد المحافظ ومجلس محافظة كركوك وباقي دوائر المحافظة." وأضاف القائممقام موضحا "بموجب المادة 4 الفقرة الثالثة من الدستور العراقي، يسمح اصدار الكتب والمراسلات الرسمية باللغة الكردية في جميع انحاء العراق، وتعتبر الكتب الرسمية الصادرة باللغة الكردية خطابات رسمية يتم التعامل معها وفقا للقانون."
وتابع كامل ساليي، يستطيع محافظ كركوك اصدار قرار يفعل بموجبه استخدام اللغة الكردية كلغة ادارة في دوائر ومؤسسات المحافظة. وحول عدم رفع علم كردستان في دوائر كركوك واقتصار رفعه على المدارس الكردية في المحافظة، قال قائممقام كركوك: نحن بانتظار ان يصدر قرار بهذا الشأن، وحال اقرار رفع علم كردستان في الدوائر الرسمية من قبل مجلس المحافظة والسيد المحافظ، فاننا لن نتأخر في رفعه وحاليا قد هيأنا المكان المناسب والسارية الخاصة بعلم كردستان.
ومن جهته قال مسعود تك رئيس الحزب الاشتراكي الكردستاني "نعم لدينا تقصير بحق اللغة الكردية وعدم الاهتمام بها، لكن الذنب لا يقع علينا فقط، بل ان النظام التركي هو السبب في تراجع اللغة الكردية والاضرار التي لحقت بهذا اللغة في شمالي كردستان." وتابع مسعود تك "توخيا لعقاب السلطات التركية كانت والدتي توصني، بأنني لا اتحدث باللغة الكردية خارج المنزل." وأوضح ايضا، بأن الضغوط ضد اللغة الكردية تراجعت، الا ان تاثيرات عقود من منع وتحريم هذه اللغة مازالت مستمرّة حتى الآن." وأكد تك، بأن الاهتمام باللغة الكردية ليس مهمة الاحزاب الكردية فقط، بل يجب ان تهتم المنظمات المدنية باللغة الكردية وتعمل مناجل نشرها وتطويرها.