نعم لكردستان الكبرى ولا لكردستان بأربعة أجزاء. بهذا الشعار الجذاب اقتحم حزب العمال الكردستاني قلوب الملايين من الكرد في شمال كردستان، وكسب ود وعطف الملايين في الاجزاء الاخرى من كردستان. هذا الشعار الذي يستند الى حقيقة واقع الجغرافية الكردية الموحدة والامتداد الاثني الكردي العابر للحدود الجيوسياسية التي اقتسمت الجغرافية الكردية، بغض النظر عن الارادة الكردية وبتهميش المصلحة الكردستانية تماما، لم يستطع العمال الكردستاني المحافظة عليه وادامته، بل حدث في غضون العقدين الاخيرين من عمر هذا الحزب تراجع كبير عن الادبيات السياسية التي بشر ونادى بها في البداية، حيث ذبلت اوراق هذا الحلم الكردي الطبيعي بطبعته العمال كردستانية، ورقة تلو الاخرى حتى بات اتباع هذا الحزب وانصاره لا يجدون بوصلة تهديهم سبيل النضال الحقيقي.
بموازاة التراجع في النهج السياسي والشعاراتي للعمال الكردستاني، نجد تراجعا كبيرا في النهج الاعلامي والثقافي ايضا لهذا الحزب. فبعد ان دشن الكثير من المنجزات الثقافية والفنية والاعلامية، خصوصا قدر تعلق الامر بالخطاب الاعلامي والثقافي الموجه لخدمة الكرد في تركيا وشمالي كردستان، حتى تخيل للمرء بأن الكرد في الجزء الأكبر من كردستان، قد باتوا أمام انعطافة ثقافية كبيرة وصحوة قومية تقودهم الى اعادة بناء ما دمرته الكمالية ضمن مجمل البنيان الثقافي والمعمار التراثي للكرد في شمالي كردستان. وبعد ان استطاع انصار العمال الكردستاني تنشيط وتفعيل الكثير من المؤسسات والمراكز الفنية والثقافية في كردستان وبلدان الجوار والمهاجر، بحيث شهد شعب شمالي كردستان بدايات نهضة ثقافية فعلية، نجد ان المشهد قد طاله النكوص بعد أقحام الفعاليات الثقافية والفنية في مضيق الادلجة الضيّقة التي انهالت معاوله على المنجزات الثقافية للعمال الكردستاني، تاركة الساحة للآخرين ليدلوا بدلوهم ويستثمروا الساحة الثقافية والاعلامية كردستانيا.
ولتوضيح الصورة نقول، في الوقت الذي كانت الفضائيات المدعومة من العمال الكردستاني والتي باشرت بث برامجها منذ السنين الاخيرة من العقد الاخير للقرن الماضي، تكتسح الساحة الاعلامية الكردستانية في جميع اجزاء الوطن الكردي، وذلك بحكم سعة المنطلقات الاعلامية وهامش الحرية المتاحة فيها آنذاك وتغطيتها شبه الكاملة لقوس قزح الثقافة والفنون الكردية وواقع التعددية الاجتماعية، شهدنا منذ أكثر من عقد تراجعا كبيرا في الحضور الاعلامي للعمال الكردستاني، وذلك بعد فرض ظلال الادلجة والحزبية الضيّقة على هذه القنوات حتى باتت قنوات لا تلبي سوى حاجات وتطلعات انصار ومؤيدي الحزب فقط. فالكرد عموما قد باتوا غير مهتمين باعلام يدور داخل حلقة توجهات حزبية مغلقة وصارمة، وهكذا فقد تراجعت معدلات مشاهدي القنوات الفضائية الموالية للعمال الكردستاني. وجاءت مبادرة الحكومة التركية بفتح فضائية رسمية (TRT6) تغيير اسمها تاليا الى (TRT-KURDI) لتكون بمثابة التحدي الأكبر للاعلام الفضائي للعمال الكردستاني، علاوة على الفضائيات التي تبث من جنوبي كردستان وتشهد تزايدا في اعداد المشاهدين باستمرار في كافة اجزاء كردستان وبضمنها كردستان الشمالية وتركيا.
فضائية (TRT-KURDI) المدعومة من قبل الحكومة التركية باعتبارها احدى الفضائيات الناطقة باسم الحكومة التركية، تشكل، مثلما أشرنا، التحدي الأكبر بالنسبة لاعلام العمال الكردستاني، فهده الفضائية موجهة خصيصا لجغرافية القاعدة الجماهيرية والساحة (النضالية) للعمال الكردستاني، اي الشعب الكردي في تركيا وشمالي كردستان. ونظرا لهامش الحرية المتاحة في هذه الفضائية واخلاص وصدقية العاملين فيه ومستوى الاداء والحرفية الاعلامية العالية لديهم، فانها باتت من احدى الفضائيات الأكثر متابعة من قبل الكرد والكردستانيين في الوطن والمهاجر. هذه الفضائية الى جانب ما تقدمه وتسوّقه من مواد اعلامية لصالح الحكومة والسلطات التركية، فهي تقدم مواد اعلامية وبرامج كردية خالصة تلبي الكثير من حاجيات وتطلعات المشاهدين الكرد عموما حيثما كانوا، وتطلعات الكرد والكردستانيين في تركيا وشمالي كردستان خصوصا.
فيما يتعلق بالرصيد السياسي للعمال الكردستاني، فاننا شهدنا أكثر من عثرة ومرحلة نكوص لهذا الحزب، كلفت الكرد الكثير وبددت فرص نادرة كانت يمكن ان تشكل منعطفات سياسية في تأريخ الكرد في شمالي كردستان. الا ان النهج المتشدد للعمال الكردستاني الذي لا يستند الى العقلانية السياسية بل يتبع نهج الرد الانفعالي، قد تسبب بالكثير من الخسائر للشعب الكردي في شمالي كردستان، والطامة الكبرى هي في تمدد ظلال السياسات الخاطئة للعمال الكردستاني نحو الاجزاء الاخرى من كردستان. ومن اجل توضيح الصورة سنتطرق الى بعض الامثلة التي حدثت بالامس القريب.
من ابرز الامثلة التي تظهر ان سياسة التشنج والنظرة الاحادية وربما حالات الصراع والتقاطع بين أجنحة العمال الكردستاني، قد أضاعت فرصة ذهبية على الكرد في شمالي كردستان، وذلك بدفع حزب الشعوب الديمقراطي (HDP) الى التعامل من منطلق التشنج السياسي ورفع علم معاداة الاردوغانية وحزب العدالة والتنمية، واتخاذ مسبقا قرار عدم التوصل معه الى حلول سياسية تحقق للكرد والعدالة والتنميةمنجزات متوازية للطرفين، مما دفع بالعدالة والتنمية الى اعادة الانتخابات التركية والتي تراجع على اثرها حزب الشعوب الديمقراطي وخسر (21) مقعدا، وبذلك استطاع حزب العدالة والتنمية بقيادة الرئيس التركي الحالي رجب طيب اردوغان تشكيل حكومة اغلبية بعد حصوله على مقاعد اضافية اثر اعادة العملية الانتخابية، وقد كسبها على حساب مقاعد حزب (HDP) الموالي للعمال الكردستاني والمناصر لقضية الشعب الكردي في شمالي كردستان والحزب الجمهوري بقيادة كليجدار اوغلو وحزب الحركة القومية بقيادة دولت باخجلي.
حزب الشعوب الديمقراطي (HDP) كان امام فرصة تأريخية نادرة برصيد (80) مقعدا في البرلمان التركي، وقد وجهت القیاده الكردستانية في اقليم كردستان الى ضرورة الدخول في حكومة ائتلافية مع العدالة والتنمية، لتكون بذلك أول باب يفتح أمام حزب سياسي كردي في تركيا ليمارس السلطة من انقرة. قيادة (HDP) اذعنت لتوجيهات العمال الكردستاني ورفعت من لهجة معاداتها للعدالة والتنمية، ما دفع بالأخير الى اللجوء الى المناورة الانتخابية ثانية والتي كسبها دافعا حزب الشعوب الديمقراطي نحو هامش السياسة التركية، وقام تاليا بالتضيّق عليه على مختلف المستوياتـ وقاد انقلابات محلية ضد سلطاته البلدية في مدن كردستان تركيا تحت غطاء القانون ومكافحة الارهاب.
المنطق السياسي يقول بأن الكرد يشكلون ربع سكان تركيا ومن غير المتوقع حصولهم على مقاعد أكبر من نسبة حجمهم السكاني، وهذا يعني لا يمكن ان ينال حزبي كردي او كردستاني في تركيا السلطة من دون تحالفات مع احزاب تركية تتفهم الحقوق الكردية وتحترم مبادئ العدالة والديمقراطية وتبدي الاستعداد لمراعاة حقوق الانسان وكرامة الشعوب. وقدر تعلق الامر بالحقوق الكردية والتطلعات الوطنية الكردستانية، فان القوى السياسية الكردية في المدن او التي تقود الكفاح المسلح، لابد وان تحدد اهدافا كردستانية وطنية تنال اجماع الشارع الكردي في شمالي كردستان وعموم تركيا. الواقع يقول بأن الشعارات الثورية والاجراءات الحماسية والخطابات الناريَة هي التي تقود الشارع الكردي هناك وتدخله في أجواء من التخبط السياسي بالشكل الذي يجعل حركة النضال الكردستاني في شمالي كردستان من دون بوصلة.
معارك الخنادق التي قادها العمال الكردستاني وتسببت في خسائر مادية وبشرية كبيرة وهجرة مئات الالاف من المدنيين وتدمير العديد من المدن الكردستانية، هي أيضا تجربة مرّة اخرى خاضها العمال الكردستاني وقدم فيها الخسائر الكبيرة من دون ان ينال الشعب الكردي أي مكسب. الحكومة التركية تسعى لتوضيف نتائج هذه السياسة لصالحها من خلال البدء بحملة مشاريع اعادة اعمار ما دمره الجيش التركي على رؤوس مسلحي العمال الكردستاني والمدنيين من أبناء المدن الكردستانية.
معركة (او معارك) الخنادق ربما جاءت على هدي النتائج التي اسفرت عنها النشاطات العسكرية لحزب الاتحاد الديمقراطي في كردستان سوريا، حيث استطاع الجناح السوري للعمال الكردستاني الاستفادة من فرصة الثورة السورية وتداخل الخنادق فيها، وذلك لبسط السيطرة على مدن وبلدات اقليم غربي كردستان. المشهد السياسي العسكري في شمالي كردستان ليس كالمشهد في الامتداد الجنوبي لهذا الجزء والمعروف بـ(روجآفا: كردستان سوريا) او غربي كردستان. السيطرة على المدن ليست عملية سهلة، وتبعاتها ثقيلة وتحتاج الكثير من الامكانيات العسكرية والمدنية واللوجستية التي ليس باستطاعة العمال الكردستاني ضمانها حاليا، وهكذا فقد فعّل الجيش التركي والقوى الامنية التركية المدججة باحدث أنواع الاسلحة البرّية والجويّة نشاطاتها وتحركاتها لتواجه بمزيد من العنف مناورة العمال الكردستاني ودفعه الشبان المسلحين لمواجهة الآلة الحربية لثاني أكبر جيش في الناتوولتضربهم بمنتهى القسوة. وحقيقة فان السلطات التركية تعاملت بمنتهى الخشونة والعنف المفرط خلال مواجهتها العشرات من الشبان من انصار العمال الكردستاني المزودون باسلحة خفيفة في خنادق داخل أحياء عدد من المدن والبلدات الكردستانية. القوات التركية اتخذت أحياء المدن الكردية في شمالي كردستان والتي اتخذها مقاتلو العمال الكردستاني خنادق قتالية، اهدافا مباشرة لنيرانها، وعاشت عدد من المدن الكردستانية حالة من الحصار القاسي اضافة الى حرمان المدنيين من الخدمات الاساسية، ما دفع مئات الالاف من الكرد للنزوح وترك مدنهم.
هذه المغامرة العسكرية التي خاضها العمال الكردستاني خلفت ألفي قتيل علاوة على تدمير عشرات الاحياء بالكامل في المدن الكردستانية ابتداء من سور دياربكر وانتهاء بمدينة جزيرة الحدودية عاصمة دولة البدرخانيين. ترى ما المنجز الذي كسبه شعب كردستان تركيا من وراء هذه المغامرة العسكرية؟ هل راجع العمال الكردستاني اوراق ونتائج معارك الخنادق؟ تصريحات كبار قادة الحزب تذهب بعيدا عن ابجديات المراجعة واستخلاص العبر النضالية من الاخطاء والهفوات باهضة التكاليف.
ومن الاخطاء الفادحة للعمال الكردستاني معاداته لعلم كردستان. مهما كانت مبررات رفض علم كردستان من قبل العمال الكردستاني، فهذا لا يعطي المسوغ لمهاجمته والاستخفاف به. فهذا العلم قد بات رمزا للسيادة الكردية منذ جمهورية كردستان الديمقراطية (1946) وهو العلم الرسمي لحكومة اقليم (جنوبي) كردستان. والاهم من كل ذلك هناك اجماع شعبي كردي وسياسي من قبل جميع القوى والاحزاب الكردستانية في جميع اجزاء كردستان على علم كردستان باستثناء العمال الكردستاني. يبقى هذا الحزب حرّا في خياره ازاء علم كردستان رغم مرارة هذا الخيار، الا ان مهاجمة علم كردستان من قبل انصار العمال الكردستاني يقدمصورة سلبية تماما لا تليق بالوطنيين. احترام الاعلام هو احترام ارادة وحرمة الشعوب والامم، ومهاجمة الاعلام والاستخفاف بها، هو عمل طائش يخدش ضمير شعب ويؤلم ضمير امة بالكامل.
أحدث خطأ ستراتيجي مهد له العمال الكردستاني هو اثارة الصراع في منطقة شنكال الجريحة. محاولة القوات التابعة للعمال الكردستاني فرض السيطرة االعسكرية وبقوة السلاح على المنطقة لا يخدم بالمطلق المصلحة الكردية. شنكال جزء من اقليم جنوبي كردستان، والسيادة في هذه الجغرافية الكردستانية مرهونة بحكومة اقليم كردستان من خلال صناديق الاقتراع، وقد شارك (حزب الحل الديمقراطي) جناح العمال الكردستاني في جنوبي كردستان في الانتخابات السابقة وجرّب حظه وتبين ثقله الجماهيري. ولا مجال بالمطلق لفرض السيطرة على جغرافية جنوبي كردستان الا بالطرق القانونية السارية المفعول في الاقليم. واي تدخل ضمن الاطار العسكري من جانب العمال الكردستاني ومناصريه يثير الشقاق ويجلب الشكوك للبيت الكردي ويعقد الامور وبالتالي يتقاطع بكل شدة مع المصلحة الكردية والكردستانية.
من نافلة القول الاشارة الى ان جانبي الحدود العراقية السورية (الحدود الفاصلة بين جنوب وغربي كردستان) خاضعة للسيادة الكردية، وبالتالي الجغرافية الكردية عبر هذه الحدود محررة كرديا. المخاطر تحف بغربي كردستان ما بين الفرات وعفرين، حيث التوغل العسكري التركي الواسع بالضد من تحقيق هدف توصيل مناطق الجغرافية الكردستانية السورية مع بعضها. كان الاولى بقوات العمال الكردستاني بأن تضغط على جحافل الجيش التركي من مناطق شمالي كردستان كي تعيق توغله بالضد من المصلحة الكردستانية وبالذات لضرب قوات (سوريا الديمقراطية) والتي تشكل (وحدات الحماية الشعبية) الذراع العسكري للجناح السوري للعمال الكردستاني، عمودها الفقري. اليس هذا كلام منطقي ويهدف صيانة المصلحة الكردية واعاقة المخطط التركي الذي يهدف الى اضعاف وتشتيت الكرد وجغرافيتهم؟
لو اردنا التحدث بالقلم العريض، فاننا نقول بان ساحة النضال الحقيقية لحزب العمال الكردستاني هي شمالي كردستان. فهذا الجزء من الوطن الكردي يخلو من شبر واحد محرر من نير الاحتلال التركي. أما الحالة في جنوبي كردستان فمختلفة تماما، فالدستور العراقي يعترف بسلطات حكومة اقليم كردستان ووضع اسس التعاطي مع جميع المناطق الكردستانية، وقوات بيشمركة كردستان استطاعت وتستطيع الدفاع عن ارض جنوبي كردستان، وقدم فقط لتحرير شنكال من نير احتلال داعش (600) شهيد وآلاف الجرحى.
المنطق السليم والحكمة السياسية والمصلحة الكردية العليا تقول، على القوى الكردستانية ان تكون عونا لبعضها، لا تكون سببا لاثارة الخلافات والصراعات. هذا اذا كان القرار كردستانيا مستقلا غير خاضع لاجندات الغير. فهل يمكن ان نشهد مراجعة ذاتية وموضوعية من قبل العمال الكردستاني لمجمل سياساته وقراراته في سبيل تصحيح بوصلة العمل النضالي لهذا الحزب واجنحته؟ نتمنى ذلك بكل قوّة خدمة لشعب ومستقبل القضية الكردية في جميع أجزاء كردستان. اشاراتنا النقدية هذه هي من باب حرصنا على قضية شعب قدم الكثير من أجل حريته واستقلاله الذي بات قاب قوسين أو أدنى في الجزء الجنوبي من وطنه.