Print this page

فاروق حجی مصطفى: صيحة بارزاني لأجل كُوباني وإعمارها!

زرتُ رئيس إقليم كوردستان في 2003م في فترة حرب العراق، أي فترة تهديد الرئيس الأمريكي لصدّام حسين، وذلك لإجراء حوارٍ صحفيٍّ معه، وشاءت الأقدار أنْ تمّت الموافقة على الحوار مع الرئيس بسرعة على نقيض ما يحدث الآن، فقد أقّلني الصديق كاك فوزي أتروشي  بسيّارته إلى “سر رش”، لم تمر لحظات حتى رأيت بارزاني في انتظاري عند الباب ، تلبَكت، لم أستطع ضبط نفسي، لم أجلس معه من قبل، بالرغم من أنّه طلب  مني الجلوس، كيف سأجلس أمام هذه القامة، كيف أجلس وهو ما زال واقفاً ينتظر جلوسي، جلست قبل الرئيس على مضض وخجل.

للوهلة الأولى استفسر عن “روجآفا” (غرب كوردستان) وعن أهل روجآفا، وعن مشقّة سفري، وكلّما نطق بكلمة كدت أطير من السعادة، لم أكنْ أتوقّع انّ الرئيس متلهف على أحوال ناسنا لهذه الدرجة، والأصح أنّني كنت أعتبر مثله مثل أي رئيس حزبٍ آخر، والحق أنّه منذ ذلك الوقت رسم في مخيلتي أنّ الرّجل هو ابن كوردستان ورئيس كوردستان، وبالتالي من الخطأ بمكان التعامل معه على أنّه رئيس حزب، وعند انتهائي من اللقاء وأنا أودّعه عند الباب أيضا نسيت البرتوكول، ونسيت بأنني صحفي، وهو مسؤول كبير أو الأول في كوردستان، سرعان ما ودعته على شكل وداع والدي عندما كنتُ أحمل حقيبتي وأنا ذاهبٌ إلى الخدمة العسكريّة؛ كان وداعاً ثقيلاً والدّموع تنهمر من عينيّ، حاولت تقبيل يديه، لكنّني لم أفلح، منذ ذاك الوقت وصورة بارزاني الكبير لكوردستان الكبيرة في مخيلتي تتفاعل، ومنذ ذاك الوقت تمنيت أنْ أكون أحد مواطني كوردستان الجنوبيّة، لأصوّتّ بإرادتي وأشارك في قرار الناس لاختيار رئيسهم.

والحق أنّ كلام الرئيس مع جريدة الحياة عند قوله: بانّه لن يبقى دائماً كرئيس أثار مخيلتي مرّةً أخرى، وتصورت وضع كوردستان برئيس آخر، كيف سنتأقلم مع الوضع دون أنْ يكون الرئيس مسعود بارزاني رئيساً فيها، مع أنّ كلامه طمأننا  وطمأن الكوردستانيين، فمن حقّ كلّ كُورديٍّ أنْ يكون له دوره ليلعبه، وكلّ المناصب في إدارات الدّولة عادة هي مشتركة، صحيح انه من الخطأ القول: أنّ المدرسة لا تكتمل بمدير المدرسة فقط، إنّما الطاقم الإداري وحتى التلاميذ يكملون البنيان ويعطون الصّورة الصحيحة للمدرسة، إلا انّ المدير الناجح هو الذي يحقق نجاحات الطلبة، ولهذا فإنّ تفاعل النّاس والمشورة حول تمديد فترة الرئاسة للرئيس بارزاني لهو أمرٌ طبيعيّ، بل هي روح الديمقراطية والأصول الطبيعيّة لإدارة الدّول والكيانات.

قبل الثورة السوريّة كنّا نعتبر الرّاحل مصطفى بارزاني هو رمز للجميع ويُعتبر من الإرث السياسي والثوري والنضالي لكل كوردستان، وبالتالي لا يحقّ لأحدٍ أنْ يحتكر البرزانية لصالحه أو استثمار هذا الإرث لصالح حزب ما، أمّا الرئيس بارزاني  رئيس رمزيٌّ وفي مخيلتنا، ولأنّنا كنّا نعتبر رسميّاً من قسم آخر وتحت سيادة دولة أخرى، فإنّ الاقتراع أو التصويت للتمديد أو الترشيح أو أي قرار يخصّ كوردستان الجنوبية لا يعتبر تدخلّاً لشؤون الناس، فهم أدرى بحالهم وما علينا إلا تفهم رغبة الجميع.

بيد أنّه بعد الثورة السوريّة، وعند دعوة الرئيس بارزاني لأحزابنا والتشاور معهم حول “روجآفا” ومصيرها ومستقبلها، تحوّلت مكانة الرّئيس بارزاني من إطار المخيّلة أو الرغبات إلى إطار أنّه يخص كُورد “روجآفا” ككل، والحقّ أنّه منذ اللحظات الأولى للثورة  تفاعل البرازاني، وسائر الأهالي والمؤسسات في إقليم كوردستان معنا ومع قضايانا، ومن هنا بات مسألة إدارة إقليم كوردستان تخص الجميع في غرب كوردستان وشمالها وشرقها ، ونقول “شرق كوردستان ” كون إيران عامل مهم في أحداث المنطقة، وبالتالي التفاعل والتواصل مع كوردستان إيران يُعتبر من استحقاقات المرحلة.

بقي أنْ نقول: أنّه  لكوني ابن كُوباني وأنا أرى بأمّ عيني من خلال تواصلي الحثيث مع مسؤول الملف السّوري والكُورديّ الدكتور حميد دربندي، أدركت أنّ كُوباني وسائر الكُورد يهمّون الرئيس، وكيف تمّ ربط ملف كُوباني بمصير شنكال، وهذا ما أثار إحساسنا بأنّ كوردستان هي كيان متسق ومتناسق، بفضل رجل المحور لإدارة الأزمة وتحقيق النصر، وكانت رسالة الرّئيس حول دعم إعمار كُوباني، التي كانت نابعة من الضمير الحيّ للرئيس، طالما بقي في المخيلة وأصبح الآن واقعاً ومتفاعلاً في كل لحظة مع ضمير الأمّة، فإذا كان بارزاني الأب جزءاً من الإرث السّياسي والنّضالي لكل كوردستان، فإنّ بارزاني الابن هو قائد يدوّن التاريخ لكوردستان بحروف من ذهب ، ما يعني أنّ بقاء الرئيس بارزاني في قمّة القرار السّياسي لكوردستان من ضروارت المرحلة الكوردستانيّة، ما يضعنا أمام استحقاق مبايعة الرئيس بارزاني، وهي رغبة وأمل غالبية كوردستان وأقصد أبناء الأمّة، فأنا أبايع الرئيس بارزاني، وهو رئيس تحتاجه كل كوردستان!.