تمر هذه الأيام الذّكرى السنويّة الرّابعة لانطلاقة بدايات فعل ثوري, في بلد عانى عقوداً من نظام أقل ما يقال عنه أنّه نظام عات, وبما أنّ الثورة هي مجموعة من المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية تؤدي إلى تغير جذري في المجتمع, فبالتأكيد هناك مجموعة عوامل تؤدي بالضرورة إلى تحريك المجتمع للقيام بالثورة, فالثورة الفرنسية "1789-1799" قامت لتلغي الامتيازات التي كانت ممنوحة للإقطاعيين والارستقراطية الدينية في ظلّ نظام الحكم الملكي المطلق والتي انتهت بإعلان الجمهورية الأولى كما أنّ الحرب الأهليّة الانكليزية "1642- 1651" كانت نتيجة الصراع بين أنصار الحكم البرلماني والملكيين حسمت لصالح البرلمانيين إلا أنّ الأوضاع لم تستقر إلا بعد قيام ما سمي بالثورة المجيدة "1788 " والتي انتهت بإعلان وثيقة الحقوق "1789" حيث تمّ تحديد صلاحيات الملك ومنح صلاحيات واسعة للبرلمان " وإنشاء النظام البرلماني " فالثورات في مجملها تقوم بسبب تمايز فئة من المجتمع على باقي الفئات ولو اختلفت تسميات الفئة المتمايزة وبما أنّ لكلّ ثورة أسباب ومقومات مباشرة كانت أو غير مباشرة فما هي تلك الأسباب التي أدت إلى انطلاق ما عرف بالثورة السورية. البدايات بعد فترة حكم ديمقراطي تعددي قصير خلال عهد الجمهورية الأولى والتي عرفت باسم "الجمهوريّة السّوريّة" وامتدت من مرحلة الاستقلال "1946" إلى انقلاب 8 آذار "1963" الذي قاده حزب البعث لينقلب فيما بعد حافظ الأسد "1970 " على رفاقه فإذا قام البعثيون بانقلابهم تحت مسمى الثورة فأنّ الأسد انقلب عليهم تحت مسمّى تصحيح مسار الثورة ليؤسس نظاماً أمنيّاً عائليّاً بامتياز ليقضي بعدها على الحياة السياسيّة من خلال تثبيت دستور "1973" والذي نصّت المادة الثامنة منه على أنّ حزب البعث يقود الدولة والمجتمع ليتحرك تحت يافطة البعث ,محتكراً السياسة والاقتصاد لأصحاب الامتيازات رغم انطلاق حركات احتجاجية عديدة "1979" احتجاجات النقابات العمالية وأحداث حماة "1982" واحتجاجات السويداء "2001" وانتفاضة الكورد في قامشلو2004 مروراً بمرحلة ما سمّي بربيع دمشق ,والتي تعامل نظام الأسد معها تعاملاً أمنياً فقمعت جميعها بقوة السلاح . بشكل عام أنّ من أهم الأسباب الّتي أدّت إلى انطلاقة الثورة السوريّة تعود لحالة الاحتقان الشعبي نتيجة لممارسات السلطة ,وتسلُّط العائلة الحاكمة على جميع مفاصل الدولة ومقدراتها السياسية والاقتصاديّة والاجتماعية من خلال نشر ثقافة الاستبداد وتسلُّط الأجهزة الأمنيّة وقمع الحريات العامّة والخاصّة والرقابة الأمنيّة المقيتة والاعتقالات التعسفيّة تحت يافطة قانون الطوارئ في البلاد ولتفشي ظاهرة الفساد الإداري والمالي في كافة مفاصل الدولة وغياب كامل لأبسط حقوق الإنسان , كلّ هذه الأسباب إضافة إلى التأثير المباشر للحركات الاحتجاجيّة في البلدان العربية "2010- 2011" وخاصة الحالتين التونسيّة والمصريّة والتي أدّت إلى انطلاقة شرارة الاحتجاجات الأولى في درعا "15/3/2011" لتمتد فيما بعد إلى كافة المناطق السوريّة حاملةً شعار "الحرية والكرامة" وذلك بفعل تواصل الشباب المحتقن والثائر مستفيدة من الثورة المعلوماتيّة ووجود شبكات التواصل الاجتماعي وخاصة الفيس بوك . بما أنّ الثورة تهدف إلى التغيير في بنية المجتمع من كافة النواحي وهي نتيجة تضارب او تقاطع مصالح فئات المجتمع من خلال إرادتي التغيير والبقاء بغض النظر عن النسبة والتناسب بين مختلف القوى وبما أنّه لا توجد ثورة حميدة أو سامية مهما تبنت من شعارات نبيلة فأنّه غالباً يودي إلى حالة من الصراع الدموي تتوالد بين فئات المجتمع ,حيث تكون الغلبة فيها للقوى التي تمتلك مختلف مقومات القوة تخضع لمجموعة ظروف وعوامل داخلية وخارجية ذاتية وموضوعية, إلا أنّ الثورة أية ثورة تحقق بعض أهدافها وتحدث نوعاً من التغيير على الأرض حتى لو كانت وقتيّة كيفما كانت نتيجتها العامة فلا توجد ثورة فاشلة بالمطلق ولا ناجحة بالمطلق فكل شي نسبي, فالثورات العربيّة الحديثة سواء كانت التونسيّة والمصريّة والليبيّة واليمنيّة السوريّة وحتى الوضع العراقي المعقّد حدثت في مرحلة تاريخيّة دقيقة تلت انتهاء مرحلة الثنائيّة القطبيّة للنفوذ العالمي وبداية الترتيبات العالمية على أسس القطبيّة الأحاديّة والتي تترافق بالضرورة في تغيير قواعد اللعبة العالميّة وانتقاء بعض مفاهيم المرحلة السابقة واستحداث مفاهيم جديدة تسود العالم والعلاقات الدوليّة ليس بالضرورة أن تأتي لصالح جميع الشعوب والأمم,لذا نلاحظ بالرغم من انطلاق ثورات الربيع العربي ذاتياً هادفةً إلى إنهاء نظم الاستبداد والانتقال إلى نظم ديمقراطيّة وحكم القانون إلا أنّها لم تحقق جميع أهدافها المعلنة والإتيان ببديل ديمقراطي لكنّها حققت بعض أهدافها الكامنة والتي هي من نتاج تلك القوى المتحكمة بمجريات الأحداث في المنطقة منها إلغاء مفهوم السيادة الوطنيّة وعدم التدخل ,وكذلك إلغاء الحدود الدوليّة المرسومة سابقاً وذلك من خلال جماعات التطرف السياسي والديني والمذهبي العابرة للحدود " داعش " نموذجاً والتي هي من نتاج القوى العالميّة وأن كانت تتصارع في العلن حيث أن بعضها لم تكن موجودة قبل الثورات أو أن وجودها كان هامشيّاً ومحدوداً, فالاستبداد يُحارب بالاستبداد, والتطرف بالتطرف, أمّا قوى الاعتدال في المجتمع فقد غيبت عن السّاحة إلا ما ندر ولم تعد قادرة على التأثير في مجريات الأحداث في المرحلة الراهنة, إلا أنّ ما يحدث سيؤدي بالضرورة إلى خلق حالة جديد في المنطقة تزول فيها كيانات قائمة واستحداث كيانات أخرى ويخطئ من يراهن على أنّ الحالة ستعود إلى سابق عهدها, بل ستتعايش شعوب المنطقة ولأجيال قادمة حالة جديدة من الصراع, مبني على أساس مذهبي سيطول أمده مع ملاحظة أنّ المرحلة الحاليّة طويلة نسبياً اعتماداً على الأرضيّة الجاهزة لذهنية شعوب المنطقة المستندة إلى مفاعيل ثقافة الاستبداد الدينية والاجتماعيّة المتوارثة والمتغلغلة في بنية المجتمع.