Print this page

محمد حاجي كريم: من يُشكل دولة كوردستان؟

مع أن الولايات المتحدة تصر حتى الآن على إبقاء العراق موحداً، لكن هذا لا يعني أنها تكبّل أيدينا، وتسلبنا حق خياراتنا المصيرية. أمريكا لم تشكل أية دولة لأي شعب، حتى تقوم بتشكيل دولة للكورد، وهذا يدل على أن تشكيل وبناء الدولة مرتبط بالإرداة الداخلية والدعم الإقليمي والدولي أيضا، عليه من الواجب أن نقرر نحن تشكيل الدولة الكوردية كأمر واقع، لأن الأمر ليس موكلا بأمريكا.

السياسة الأمريكية واضحة، فقد كانت دائماً حريصة على أن تكون الحدود السياسية للعراق مصانة، بشرط أن يكون العراق دولة للجميع دون تمييز وبلا استثناء، وأن يحافظ على حقوق جميع المكونات ويستفيد الجميع من خيراته.

والسؤال هنا، هل العراق هو نفسه الذي تصورته الولايات المتحدة؟ ومادام الجواب هو لا، فهذا يعني انه من حقنا أن نشكل واقعا جديداً يسود من خلاله الإستقرار الأمني والسياسي، والإقتصادي والنفسي والإجتماعي لصالح كافة أفراد المجتمع الكوردستاني. أمريكا لا تريد، لأسباب عدة، أن تتعرض لإنتقادات تفتيت العراق، مثلما تعرضت سابقاً لإنتقادات بأنها السبب في إنهيار العملية السياسة في هذا البلد، لذلك فهي لن تدعو الى تقسيم العراق، بل سترفض هذا الطلب قطعاً، ولكنها تدرك جيداً أن عراق اليوم لن يتحمل كل هذه المشاكل والأزمات، وهذه الوحدة الاضطرارية لن تدوم حتى النهاية.

الكورد ومنذ فترة طويلة فقدوا الأمل بسياسة بغداد حيال إقليم كوردستان، ورغم أن العراق الحاضر تهدر فيه الدماء كجريان الأنهر، وبموازاة ذلك فهو لن يكون محل ثقة الكورد. بهذا الصدد يقول توماس فريدمان: "حتى وان أصبح العراق كسويسرا، فأنه لا أمل فيه"، لذلك لا يمكن للكورد أن يبقوا متفرجين على قضيتهم حتى يوم القيامة.

لسنا نحن مَنْ نودع العراق، فالعراق يدمر نفسه بنفسه، وفكرة استقلال إقليم كوردستان عن هذا البلد تعقّدَتْ كثيرا، وبقيت عالقة بسبب تعنت الذين قاموا بإهمال المكونات الأخرى وتعاملوا معهم بعقلية طائفية، ولم يأخذوا الدورس والعبر من الماضي.

يبدو أن أمريكا قررت ان تحمي الكورد، وهذا أصبح واضحاً، خاصة بعد محاولة "داعش" الهجوم على هولير، مما يعني بأن لكوردستان أهمية إستراتيجية كبيرة بالنسبة لأمريكا، ولا نبالغ إذا قلنا بأن الكورد هم جزء من الإستراتيجية الامريكية في المنطقة. صحيح أن إقليم كوردستان حالياً جزء من العراق وأمريكا تصر على وحدة الجغرافية العراقية، لكن في ظل عراق غير مستقر ومليئ بالمشاكل القومية والدينية، لا أحد يستطيع إجبار الإقليم على بقائه ضمن إطار هذه الدولة. رغم ذلك، فإن قرار تشكيل دولة كوردستان لا ينبغي أن يُؤخد في ليلة وضحاها، ومن الخطأ عدم الأخذ بعين الإعتبار العراقيل التي تقف عائقاً أمام إعلان الدولة، وقبل كل شيئ فإن مسألة دولة كوردستان بحاجة إلى قدرات الكورد أنفسهم، وتشكيل دولة كوردستان بحاجة إلى استعدادات أساسها تهيئة شاملة لأرضية دولة تضمن توافق كافة الأطرف، اضافة الى إقتصاد متين، وموقف موحد وإرادة ساندة موحدة، ووجود جيش وطني موحد وقوي.

دولة كوردستان ليست وهماً وهي أيضا ليست حلما طوباويا، مع هذا فانني أعتقد إن وقت إعلانها لم يحن بعد، بل اننا الآن في حالة وزمن الاستعدادات الجيدة لوضع بنيانها المتين، فالدولة تتشكل بالإرادة الموحدة ووفق البرنامج الصحيح. الواقع يوحي، بأن أمامنا فرصة مهمة، ويمكننا أن نعتبر أن الوضع غير المستقر في العراق والمنطقة يسير لصالح إقليم كوردستان، ويجري العمل الآن على قدم وساق لتشكيل هذا الواقع. وهذا يعني بأن الأزمات السياسية تكون السبب في تغيير خارطة الدول في أكثر الأحيان، وفيما إذا تعمقت الأزمة بشكل أكبر، قد تؤدي إلى إحداث تغييرات كبيرة، لذلك من غير المستبعد أن تنتهي المشاكل العالقة في المنطقة بتقسيم العراق. وكما هو واضح، فإن المنطقة أصبحت ساحة لتقاطع المشاكل السياسية وتشابكها، وبالأخص بفعل سياسات القوى العظمى، أو المحاور الإقليمية، التي عمقت المشاكل بشكل أكبر. ولا ننسى، بأن حرب "داعش" كان لها دور كبير في وضع القضية الكوردية في الواجهة، ومن ثم ضمان دعم كبير لاسناده وتوسيع دائرة أصدقاء إقليم كوردستان.

السيد مسعود بارزاني رئيس إقليم كوردستان، يعمل بجد ومسألة الدولة الكوردية هي من أولوياته، خصوصا بعد انتهاء حرب داعش، والأهم من ذلك مناقشة هذا الموضوع مع الولايات المتحدة الامريكية وعدد من الدول التي لها تأثير في العالم. من الضروري، وقبل كل شيء البدء بإصلاح النظام الإداري ورفع سوية المشروع السياسي الكوردستاني، والحدود التي رسمتها قوات البيشمركة بعد مواجهات شرسة مع داعش، حدود واقعية لأقليم كوردستان، واقناع الولايات المتحدة والعراق بضرورة الإعتراف بها، وأيضاً الإستعداد لكافة المخاطر والاحتمالات، وأن نكون على استعداد للتصدى معاً لهذه الأزمة التي تواجه إقليم كوردستان وأن نتعامل بإستراتيجية مشتركة مع المستجدات والأحداث الجارية.

وبهذا الصدد، فإن نقطة الحسم وآليات التحضير والقرار ومفتاح الحل أيضا، يبقى رهن ارداتنا، فبالشجاعة وبإرادتنا الداخلية القوية، نستطيع فتح الأبواب الموصدة في وجهنا. صحيح أن الآم ولادة الدولة عسير، لكنه ليس أكثر آلاما وعسرة ومضرّة من آلام البقاء ضمن العراق.

باختصار، فإن عقلية حكام العراق وحرب داعش، أتأحت فرصة ذهبية أمامنا، وفيما إذا تصرفنا بذكاء مع هذا الوضع، فبشرى وداع الكورد للعراق ليست بعيدة.