Print this page

فريد سعدون: الأكراد وشَرَك داعش

لم يستطع الكورد ضبط الإحداثيات البيانية لخططهم الاستراتيجية المدجّجة بانزياحات تنكث لُحمتها كلما أرادوا لها الاتقان، وحاولوا مراراً التغلبَ على شَرَك المتاهات التي يُحشرون أو يُساقون في سراديبها، فيُمتَحنون في أهلية مَلَكاتهم العقلية والسيكولوجية ودهائهم في فكّ الألغاز المخادعة، وقُدرتهم على المناورة في التملّص من فخاخ المكيدة، وبذلك انشغلوا بتشريح المعادلات السياسية التي تُعنى بتدبير شؤونهم من خلف الأبواب المُوصدة، ولأنهم أبعدُ من الوصول إلى عتبات المسالك التي تفضي إلى تلك الأبواب، فقد آثروا استراق السمع والامتثال للهواتف وعزيف الأوامر النائية، ظناً منهم أنها همس الضمير ونداء الواجب القومي، فتوهّموا أنما يستمدون عزمهم وقرارهم من ذات أنفسهم، بينما كان الآخر الغربي أو الإقليمي يرسم المسارات بعصاه التي تتبع القوى الكردية مدارات حركتها وإشاراتها، وأنّى لمن لا يملك قرار نفسه أن يحدد مصيره؟

إنه المصيرُ المنهوب بالشعارات الجوفاء، والمصطلحات اليتيمة، والأحزابِ الثكلى بالانشقاقات، بينما يشرئبُّ الوطنُ في توْقه إلى الخلاص بأعناق تتلقّفُها السيوفُ المجرّدة على النحور، حتّى كأنّها تهفو إلى كسر أغلالها، وتنشدُ القيامةَ على صليب الجُلجُلة، بيد أن القرار يستدرجها إلى سرير الويلات والثبور، فمن أين لهذا المصير الشقي أن يعلنَ انبثاقه من رماد القهر والإرغام والاستلاب؟ ومن أين لهذا الشعب الكردي ستأتي الأخبار بما لم يزوّد، وقد علِق الجناحُ في شَرَك مكين، فبات يعالجُهُ وهيهات له النجاة ؟

مضت عقودٌ حمل فيها الكرديُّ بندقيّتَه وهو يصارع من أجل البقاء، وكان العدوّ جلياً بيّناً، يعرفه القاصي والداني، وكان يظنّ الكرديُّ أن حقَّه هناك في تلك العواصم : بغداد ودمشق وانقرة وطهران .. وفجأة جنَحت البوصلةُ فاختلّتِ الاتجاهات، وتاهتِ الحرابُ والبنادق عن الهدف، فبات عدوّ الأمسِ حليفَ اليوم، رغم أنّه لم يعترف للكردي بحقِّه، ولم يكتفِ الكرديُّ بالقتال معه في خندق واحد، بل قاتل الكرديُّ عنه وعن نفسه في الخندق وحدَه، ماذا لو انتصر الكرديُّ على داعش، وحرّر سوريا والعراق منهم ؟ هل سيعلن دولتَه، أم سيقدّم هذا التحرير للحكومات المركزية التي تنكرُ عليه حقَّه ؟

وهل حقّاً داعش ترى في غزو بلاد الكورد هدفاً استراتيجياً لبناء امبراطوريتها الإسلامية ؟ ههنا بالضبط ينكشف اللثام عمّا يظل خافياً في تلافيف الاستفسارات المخاتلة، ثمّة تورية تحجب إجابة في منتهى الخطورة !

انبثقتْ داعش من الفكر المكنون في متون الصحائف الأزلية التي دوّنت الأحلام الأُبهيّة عن الفردوس المفقود، ولكنّها ارتوت من عنجهية القوى الغربية في بسط الفوضى الخلّاقة - فقط – في شرقنا المسحور، واكتنزت من فائض دولارات النفط الخليجي، وترعرعت في مدارس السلفية التي اعتقدت بعض الأنظمة الملكية العربية أنها حرزها الحصين، فاستملكت واستأثرت وتمددت، بعد أن عقدت آلاف الرايات السود لها الولاء على أن تحارب الظلم والكفر حتى يأتيها الفتح المبين، أو شهادة اليقين، واحتضنتها ولايات العرب من أهل الرقة والموصل، ولم يجد الغرب، ومعهم الأنظمة المتهالكة غير الكورد في دحرهم، فإن كانت الغلبة للكورد، فقد أمِنت الأنظمة من شر داعش، ولم تخسر شيئاً، وإن فتكت بهم داعش، تكون قد تخلّصت من مطالب الكورد وكسرت شوكتهم، و وأدت دولتهم المأمولة.

فأيُّ مكْرٍ هو الذي ساق الكورد إلى شَرَك داعش ؟

ثمّةَ وراء الإصرار على الاشتباك مع داعش خطورة تكمن في التحوّل المفاجئ من النضال القومي إلى التوحّل في المستنقع الطائفي، والحال الراهنة تخفي الخديعة المتربصة بالكورد، رويداً رويداً ستكون ثارات الحسين في عقر دار الكورد، وستدكُّ الثاراتُ الطائفية أسوارَ الحصن القومي الكردي، وهذا ما سيفتحُ الذاكرةَ على عمقها التاريخي الديني والميتافيزيقي، ومن هنا تستمدّ المعركة المفروضة خطرها باعتبارها حدثاً يستبطن تحوّلات نوعية في النضال الكردي، سيكون لها - لاحقاً - تداعياتٌ جوهرية تمسّ الوجودَ نفسه. ولكن في ظلّ الإغواءات التي استدرجت الكورد إلى حقل مدجّج بالمفاجآت، هل كان هناك ممرّ آمن لتجنّب الويلات؟

ذاك الممرُّ أحجية معقدة لم يهتدِ الكورد إلى فكّ طلاسمها، ولم تترك لهم داعش فرصة للتأمل والتحليل، وجاءت الإغراءات الغربية، وتسهيلات الأنظمة، لتزيد من شهية الكورد في الاقتراب من تدشين حدودهم المأمولة، بيد أنّهم تغافلوا عن التاريخ والجغرافيا والتجارب السابقة، وما تَقدّمُ جحافل الكورد إلى تخوم الموصل والرقة إلا استدراجاً إلى العمق الصحراوي المفعم بالتيه والضلال والمهالك، ما لهم وللصحراء؟ فللصحراء أعرابُها، وهذا الاصطدام سيكون تغيراً دراماتيكياً أليماً، لأنه يهدد قواعد المعركة، إذ حافظ الكورد على أخلاقيات الحرب طويلاً، ولم يخوضوا غزوات جاهلية تفتك بالأمة العربية، بل كانت حربهم ضد ثلّة من الظَّلمة والمجرمين وفراعنة العصر، وأي تحوّل في هذا الصراع سيكون فاجعةً لن تُكفكفَ مدامعُها لقرون، فالحذر من الدخول في صراع كردي عربي عبر بوابة داعش أمرٌ في غاية الأهمية. إذ الهدف الكردي الجوهري حقهم المسلوب، ولكن داعش باستراتيجيتها العابرة للقوميات لم تترك لهم مناصاً غير الذود عن حياضهم المهددة بالامّحاء ومتابعة القتال على جبهات جديدة لم تكن بالحسبان، مما يعني كتابة التاريخ الكردي بأسلوب جديد لا مفرّ فيه عن الخوض في بحار الدماء.