منذ تشكيل الدولة السورية وفق (سايكس بيكو) وتقسيم المنطقة وترسيم الحدود وفق مصالح الدول الاستعمارية، اصبحت كوردستان ارضا وشعبا مقسمة بين اربعة دول، فضلا عن مناطق الشتات الاخرى. وبعد رحيل فرنسا عن سوريا واستلام القومين العرب الحكم في سوريا، بدأت سياسة صهر الشعب الكوردي في بوتقة القومية العربية السائدة، بدراسة وتخطيط، بدءآ من عهد جمال عبدالناصر مرورا باستلام البعث السلطة، توالت مراسيم ومشاريع عنصرية وقرارات استثنائية، اعتمدت بشكل اساسي على دراسة العنصري محمد طلب هلال، كمنطلق لتجزئة كوردستان سوريا ارضا وشعبا وتقطيع اوصاله عبر زرع جيوب واستيطان عربي وتغير الطابع السكاني والجغرافي وحققت الساسيات المطبقة بعض الاهداف، لكن الشعب الكوردي ظل يقاوم سياسيا وجماهيريا بشتى الوسائل وتمسك بالارض بارادة قوية، متحديا الظلم والفقر والحصار والاعتقال .
لم يتوقف مسلسل تعريب وتفريغ كوردستان سوريا يوما، واعيد مسلسل تهجير الكورد الى الشتات والتي حيك ثانية، كل مرة عبر سماسرة واشراف من الاستخبارات السورية وحزب الله عبر البحر ببواخر من لبنان في اواخر التسعينيات، ما لبث ان توقف بعض الشيء بسبب احداث ١١ ايلول، وقتها شددت معابر اوروبا امام الارهاب القادم من الشرق، وعلى خلفية الانتفاضة الكوردية في اذار/٢٠٠٤ ونهوض شعبنا متحديا ارهاب الدولة كوحدة قومية وجماهيرية في كل المناطق، صدر مرسوم رئاسي (رقم ٤٩) وبموجبه تم محاربة الوجود الكوردي في منطقته، وهاجر الكورد بسبب ذلك المرسوم المشؤوم والحصار والجفاف وتوجه نحو اوربا ودمشق وحلب ومتربولات في سوريا، كانت هجرة داخلية خطيرة وكبيرة. ومع اندلاع الثورة السورية ومشاركة شعبنا، وجد الفرصة لنيل حقوقه كشعب مضطهد، لكن ونتيجة عسكرة الثورة السورية وتغير مسارها السلمي، وانتقال سورية الى ساحات للقتل والدمار والحصار وتوغل ارهاب داعش وانتشار وحشيته في مناطق مختلفة، واستخدامه كوسيلة ضد شعبنا، ولعدم تحقق وحدة الكورد امام السيناريوهات المعدة، فقد شعبنا الامل والامان لضمان مستقبل عيش رغيد في وطنه والاستمرار في الصمود جراء غياب الاستقرار والحصار واحتراب الكورد ضد الكورد، وتفكك المجتمع الكوردي وانقسامه سياسيا وفكريا، وذهاب سوريا والمنطقة الى مفارق طرق لم تتضح افاقه، مما اضطر الى الهجرة مرغما وترك الارض وضياع الاحلام، هربا من الموت الى الموت عبر الغابات والبحار والحدود الشائكة وتجار البشر. اصبح البلاد والعباد في بازار لمن يملك القوة والسلطة، تعشعش ذهنية الانتقام وثقافة التشفي بالقتل عنوانا لسوريا، وكان الهروب بحثا عن الملاذ، حملوا الوطن في الذاكرة وانتظار القدر. ويمكن تلخيص الأسباب المباشرة لهجرة شعبنا من كوردستان سوريا : بالآتي:
- عدم تحقيق وحدة الصف الكوردي، افراغ الهيئة الكوردية العليا من مضمونها وفشل تنفيذ بنود اتفاقيات هولير1 وهولير٢ ودهوك مما ولد اليأس والاحباط لدى شعبنا وضياع البوصلة النضالية لديه.
- استفراد واستبداد حزب (ب ي د) وحلفائه بتحديد مصير وارادة الشعب الكوردي وفق ايديولوجية (ب ك ك) مع غياب المشروع القومي في تحديد مطالب وحقوقه كقضية ارض وشعب.
- انقسام الواقع السياسي الكوردي بين محورين متصارعين دوليا واقليميا، وعدم الاتفاق في الرؤية السياسية الاستراتيجية والفكرية وتغليب المصلحة الايدولوجية والحزبية على المصلحة القومية .
- ضعف وغياب التلاحم بين الحالة الحزبية والجماهيرية وعدم استيعاب واحتواء الطاقات الشبابية والنسائية والمجتمعية في السيرورة التنظيمية.
- غياب حرية التعبير والنضال السياسي والحزبي في ظل سلطة الأمر الواقع الذي فرضه (ب ي د) وتجريم المخالفين بتهم جاهزة وتمرير اوامره بقوة السلاح والاعتقال والاختطاف والنفي.
- صعوبة الحياة جراء ارتفاع الاسعار وانقطاع الكهرباء وقلة المياه وتوقف التعليم والدراسة وقلة المواد الغذائية .
- قرار التجنيد الالزامي وتوالي عمليات اختطاف القاصرين والقاصرات، فساد الخوف والارهاب بين عموم الشعب.
- سلسلة الانفجارات كما حصل في كوباني وقامشلو وحسكة وكركي لكي.
- زج الشباب (مع تقديرنا وتقديسنا لدماء التضايا)، في معارك دون معرفة العدو الحقيقي واختزاله في داعش، وعدم تعريف تلك العلاقة الوثيقة ما بين داعش والانظمة التي تضطهد الشعب الكوردي بشكل واضح، والتستر على العلاقة والتنسيق المتبادل بين (ب ي د) والنظام وتلقي التعليمات عبر قنديل.
-نشر ثقافة الضغينة والكره والانتقام والقتل التي كانت غريبة عن عرف وتقاليد كوردستان سوريا منذ خمسين سنة مما مزق النسيج الكوردي المجتمعي .
- بعد فشل مؤامرة داعش ودعم الدول الغاصبة لكوردستان ضد شعبنا الكوردي، ثم تحرر كوباني بمقاومة بطولية وتلاحم البيشمركة وقوات (ي ب ك) وبدعم التحالف الدولي، باتت كوباني منكوبة، مما اضطر اهلنا في كوباني البحث عن الملاذ حيث تشهد موجة نزوح وهجرة خطيرة يتم فيها افراغ كوردستان سوريا وتوافد العرب الى المنطقة الكوردية وحماية مستوطنات الغمر وتوغل ميليشيات عربية مدعومة من النظام واختراق المدن عند الضرورة والرغبة
- عدم قبول (ب ي د) بالشراكة الحقيقة مع المجلس الوطني الكوردي ودخول بيشمركة روجآفا للدفاع عن ارض وشعب كوردستان تهدف انهاء القضية الكوردية.
- اصدار التهديد والوعيد من قبل مسؤولي (ب ي د) ونزعة الغرور والجبروت في تعاطيهم مع المجتمع الكوردي المخالف معهم، ضرب الامال نحو تحقيق الوحدة الكوردية ودفع مصير الكورد نحو المجهول واجبار المجتمع وقواه السياسية الى المواجهة عسكريا مع (ب ي د) او الانسحاب نحو الهجرة وترك الارض والتاريخ .
- ضعف اليات الاحزاب الكوردية ولم تعيد الجاهزية والتأقلم مع تسارع الاحداث لتلبية الاستحقاقات اللازمة ومواكبة المتغيرات على الارض عسكريا وتوحيد الطاقات الحزبية المتقاربة والتخلص من التشرذم..
الهجرة نحو الملاذ بات قدرا، وهو شطب قضية ارض وشعب في كوردستان سوريا.