عام 1984 زرت المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكوردستاني بشكل سري في منطقة لولان عند الحدود الفاصلة بين العراق وايران. آنذاك كان يطلق عليه المكتب السياسي الخلفي.
وبعد ان التقيت بالسيدين فاضل ميراني وعزالدين برواري وقمنا بتشكيل منظمة (بيشرواني كةل: طلائع الشعب) الذي حددت مهمته بالنضال السري في مناطق (ميركة سور، سوران، شقلاوة حتى أربيل)، استحصلت على موافقة السيد فاضل ميراني لزيارة مقر (PKK) الذي كان بجوار مقر المكتب السياسي للديمقراطي الكوردستاني. هذا الحزب (PKK) كان في مرحلة بدايات تأسيسه، وكانوا ضيوفا لدى الديمقراطي الكوردستاني.وعندما دخلت المقر، وجدت كراسي ومنضدات مصنوعة من الخشب، وقاموا بزراعة مساحة واسعة من الأرض الكائنة أمام مقرهم. مسؤول المقر كان كورديا زازائيا من منطقة ديرسم، كان داخل الحقل الكائن أمام مقرهم، وعندما نادوه جاء الينا ورحب بنا، لكنه كان لا يجيد اللغة الكوردية. بالنسبة لشاب يافع مثلي أنا آنذاك حيث الحماس يعتمر كياني، كان المشهد مثيراوجميلا، تحدثنا معا لمدة. وبعد نهاية اللقاء أعطوني مجموعة من المطبوعات، أتيت بها مع مطبوعات الديمقراطي الكوردستاني الى ديانا. لقد أحببت (PKK) لأنه نتاج جرح عميق لكورد الشمال، ليس بوسعي أن لا أحب وأتعاطف مع هؤلاء الشباب والشابات الذين حملوا السلاح واختاروا طريق النضال، بعد سلسلة من حملات الابادة التي نفذت ضد كورد ديرسم ووارتو وبيران وآمد (دياربكر).. الخ.
ما أثار غضبي تاليا، هو انهم لم يبدوا التعاطف مع انتفاضة شعب كوردستان عام 1991، ومن ثم انتابهم الهلع ازاء الانتخابات وتأسيس برلمان وحكومة اقليم كوردستان. لقد تحججوا بأنه لا حاجة لتأسيس البرلمان والحكومة في اقليم كوردستان، بل يجب أن يكون هناك برلمان وحكومة قومية من أجزاء كوردستان الأربعة. كنا نقول لهم، صبرا لنقوم الآن بتأسيس هذا الاقليم، كي يكون على الأقل سلما لامبراطورية الأجزاء الأربعة من كوردستان، حيث رفع (PKK) هذه الفكرة جاعلا منها شعارا له. الأمر لم يجدي نفعا، فقد فعلوا الذي كان يرغبونه، والقصد هو بدأت الحرب بين (PKK) واقليم كوردستان. عام 1994 عندما التقيت جميل بايك، بدى لي انه شخص متعجرف، وقد توضح ذلك تاليا بحيث بات هو الرأس المغامر في (PKK)، وكانت علاقات (PKK) مع الأطراف الكوردستانية الأخرى في منتهى السوء (حروب، قتل، تفجيرات، معادات، النأي عن الحوار، صراعات.. الخ)، كل هذه الامور كانت من خصال هذا القيادي.
بعد ذلك اعتلى مراد قريلان سدة قيادة الحزب. شخصيا كلما رأيت قريلان، تذكرت الشهيد الدكتور عبدالرحمن قاسملو، طلعته الكوردية، ملابسه وزيه، تصرفاته، تحدثه، لن يصلك منه أي رسالة متشنجة أو تعابير تحمل علامات العنف. عندما يطل عليك قريلان من شاشة التلفاز، لن تشبع من مشاعره الكوردية. بنيان هذا المناضل بنيان كوردي أصيل، ودليلي على ذلك هو، حينما كان قريلان يقود (PKK)، او مثلما هم يقولون (KCK)، كانت علاقات (PKK) طبيعية مع جميع الأطراف. وكنت مطلعا على الزيارات المكوكية التي يقوم بها قريلان الى البارزانيين في هولير وسري بلند. أثناء عهد قريلان توقفت أنفاس الصراع والتوترات، القضية الكوردية كانات تخطو الى الأمام. أثناء عهده ايضا بدأت عملية السلام مع الدولة التركية وخطت الكثير نحو الامام وتوقف اراقة الدماء. وكذلك انتقل في عهد قريلان المؤتمر القومي الكوردي من مرحلة النظرية الى حيز التطبيق واتخاذ التدابير، وأثناء عهده كان جو التعايش وقبول الآخر بين كورد غربي كوردستان يترسخ شيئا فشيئا، لكن هذه الخطوات هي بالتحديد قد ابعدت قريلان من موقعه القيادي. متابعي المجال الأمني والستراتيجي للدول الاقليمية أدركوا بان مرحلة قيادة قريلان هي مرحلة وحدة الكورد ومرحلة التفاهم الكوردي، وهذا يؤدي الى تحقق السلم الاهلي الكوردي. ومثل هذا الأمر بالنسبة لهم هو رسالة موت التي لن يسمحوا بها ابدا. وبذلك فقد قاموا على طريقتهم الخاصة بانقلاب أبيض ضد قريلان وأبعدوه وسلموا قيادة (PKK) لجميل بايك.
ومنذ اليوم الأول الذي استلم فيه جميل بايك قيادة (PKK)، عادت العلاقات بين (PKK) والأطراف الكوردستانية الرئيسة الى المسار الذي تريده الدول الاقليمية. فقد انتهت الحوارات، وتم وأد المؤتمر القومي الكوردي. وقد أطلت حلة سوء الأوضاع حتى عبر شاشات التلفاز، المشاهد تغيرت، عصفت الأجواء المشحونة بالصفوف القومية للكورد، وتعثرت عملية السلام مع تركيا، لأن القوى التي أتى بها جميل بايك الى سدة قيادة (PKK)، ترفض عميلة السلام بين تركيا و(PKK)، وترفض أيضا المؤتمر القومي، ولا يهمها السلم الاجتماعي بين الكورد، ولا تقبل بالحوار مع الاطراف الكوردستانية الرئيسية، خصوصا الحوار بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والعمال الكوردستاني.
عليه فان جميل بايك يرى نفسه رهن القوة الاقليمية التي قادته ووضعته في قمة الهرم، وعليه أن يخطو بالاتجاه الذي يرضي تلك الجهة الاقليمية، أو لنقول بصريح العبارة، عليه القيام بما هم يخططون له.