هناك تعابير وتعريفات عديدة للحس الوطني ولكنها جميعا تختصر بتعريف مهم الا وهو // الطاقة البشرية الخلاقة المبدعة التي توجد في داخل الإنسان وهذه الطاقة تقوم على توحيد بين ذاته وفكره وسلوكه وبين وطنه, فيشعر أن وطنه ملك له من أقصاه إلي أقصاه, وأنه هو ذاته ملك للوطن ماله و روحه ومستقبل الوطن هو مستقبله . //
وبناء على ما ذكر فان كان الوطن بخير هو بخير وان كان الوطن بشر فهو بشر لماذا يا ترى لان الحس الوطني والانتماء إليه شعور غريزي يتشارك الإنسان فيه مع الحيوانات على مختلف أنواعها فعلماء السلوك الحيواني يؤكدون مدى انحياز الحيوانات لاماكن توجدها فهو بمثابة الوطن، ومدى استماتتها في الدفاع عنه، كما لاحظوا مدى استماتة النحل والنمل في دفاعهما عن مستعمراتها كما أن أشرس المعارك بين القرود تنشب في صراعها على اماكنها ، كذلك فالانتماء للوطن شعور غريزي عند الإنسان، وما الوطن سوى المكان الذي نولد ونشب فيه ونتوارثه من أجدادنا ونورثه لمن ننجب، وهو المكان الذي يعج بعبير أنفاس الناس الذين نشأنا بينهم، وتفوح منه روائح حكايات الآباء والأمهات والجدات، وهو حبا وعشق سرمدي نحمله في قلوبنا يتنقل معنا حيثما اتجهنا في العالم.
كما يقول الشاعر نزار قباني ::
و لو فتحـتُم شراييني بمديتكـم سمعتمُ في دمي أصواتَ من راحوا
الحس الوطني اذا هي غريزة لذى الانسان السوي فمشاكل الوطن تعتبر لذيه مشاكله الشخصية, بل أزعم أن الحس الوطني غريزة زرعت في أعماق الإنسان, بل هي سنة وقانون في الوجود عند الطير والحيوان, فالكائن هو ابن بيئته, وشأنها كباقي الغرائز في الإنسان, كغريزة حب التملك وحب البقاء, الحق والخير والجمال, وليس الأمر غريبا أن يعشق الأنبياء والعلماء والعباقرة من أهل الآداب والفنون أوطانهم التي تترك بصماتها علي رسالتهم وإبداعهم, إن غرائز الإنسان في حاجة دوما إلي التنمية والثقافة والترويض والترقي كما يحتاج منذ الطفولة إلي العناصر التي تغذيه وتقويه, بل لعلي أقول في غير إسراف أنه حس يغلب علي باقي الأحاسيس والغرائز حين يشعر الإنسان أن وطنه في خطر, فتهون عليه الحياة بكل ما فيها من جاه ومتع وسلطان, إن الشهيد الذي ضحي بحياته من أجل وطنه, وضع قدما في الدنيا وقدما في الحياة الأخري, يخطو إلي الشهادة وقد داس علي كل ما في هذه الدنيا من مكاسب ومناصب وشهوات, كأنه يتذوق حلاوة الاستشهاد في خطواته لذا فأن الشعور بالحس الوطني يجعل المواطن في تضحيته في سبيل وطنه يشعر بفجر الأبدية والخلود ولكن السؤال المهم الذي يطرح نفسه كيف يتم تنمية الحس الوطني في عقول وافئدة المواطنين فأننا نجد ان المواطن كلما شعر بقيمته في وطنه, اطمأن إلي الأمن, والعدل, والحرية والمساواة, لا شيء يقتل هذا الحس ما يسمى بحلقات الشيطان الثلاث // الفقر - الجهل - المرض واهمال الصحة // فالحس الوطني لا يضعف الا إذا أذله فقر أو ظلم أو قهر وبرغم هذه الضيقات لكننا نجد ان من سنن الطبيعة البشرية انه في كل فترة ينتشر فيه ضعف الحس الوطني في أي مجتمع كان يظهر اناسا يمتلكلون الحس الوطني القوي يتألمون إذا رأي مواطنا له مظلوما, وكأن الظلم قد وقع عليه, ويحزنون مع الحزاني, ويفرحون مع الفرحين, إن هذا الحس الوطني يحوله إلي إنسان عالمي ينطلق منه ليحتضن آمال وآلام وطنه ومنها يحتضن آمال وآلام العالم كافة, فالوطن عنده ليس مجرد جغرافيا أو تاريخ أو تراث, بل الوطن عنده قبل ذلك كله هو المواطن الإنسان, أخوه في الوطن, في الماضي والحاضر والمستقبل ولو تأملت في حقيقة الأديان كافة لوجدت ان هدفها الأسمي توحيد العائلة البشرية علي الخير والسلام, فكيف تتوحد البشرية قبل أن يتوحد الوطن وتسقط الصراعات الأنانية التي تمزقه, ويغيب عن فضائه وأرضه التعصب والنظرة الحزبية الضيقة أو التطرف أو الاستعلاء.