Print this page

فـدوى درويش: فوضى التعليم ومصادرة المستقبل...

  أثار قرار الإدارة الذاتية  الخاص بتغيير المنهاهج الدراسية وإلزام التعليم باللغة الكردية في مناطقها، تخبطاً بين سكان تلك المناطق من الكرد كما أثار لغطاً وانقساماً بين النخب الكردية من مثقفين وسياسيين ومعنيين بالشأن العام. أثيرعلى صفحات التواصل الاجتماعي وفي وسائل الإعلام االكردية جدال ككل جدال كردي عقيم وعديم الجدوى، يهدف فيه الطرفان إلى الانتصار دون تحمل عناء التحليل والبحث عن مدا صوابية  الرأي الآخر قياساً إلى المصلحة العامة. قامت وزارة التربية والتعليم في الإدارة الذاتية بإصدار القرار وتطبيقه مباشرة بما توفر لها من إمكانات بشرية وكوادر محسوبة عليها سياسياً حتى لو لم تكن مختصة بأمور التربية والتعليم. متجاهلة المنهجية العلمية والمقاييس الدولية وكذلك متجاهلة كل القوى السياسية الأخرى. بدورها القوى السياسية متمثلة بالمجلس الوطني الكردي وكرد فعل طبيعي منها كأي موقف سياسي رفضت القرار جملة وتفصيلاً دون إضاءة الجوانب الإيجابية فيه.

  طالما حلم الكرد السوريون بفك الخناق عن لغتهم الأم... وناضلوا عشرات السنين ضد الأنظمة المعادية لكل حق من حقوق الكرد في سبيل أن يشهدوا يوما أبناءهم يقرأون ويكتبون ويغردون بحرية بلغتهم دون خوف... واليوم يتحقق الحلم مبتوراً تشوبه ألف إشارة استفهام. يأتي هذا القرار في ظل ظروف ضبابية تلف الأفق السوري والكردي معاً. يتحقق الحلم على أيدي الإدارة الذاتية الكردية التي نصبت نفسها سلطة في كردستان سوريا دون أية شرعية جماهيرية أو اعتراف و دعم من أية جهة دولية وأمام موقف مريب من قبل النظام السوري.

  مع ذلك واجه قرار تغيير المناهج والتعليم باللغة الكردية رفضاً من قبل شريحة واسعة من الناس وبادر الكثير منهم إلى نقل أبناءهم إلى المدارس الخاصة وكذلك مدارس المخصصة لغير الكرد والتي بقي التعليم فيها باللغة العربية واحتفظت بمناهج النظام جدير بالذكر هنا أنه لاحقاً طالبت هذه المدارس الطلبة الراغبين بالدراسة فيها بوثيقة تثبت بأنهم عرب! وبدل أن يتم البحث من قبل القائمين والمراقبين للأمر عن أسباب هذا الرفض سارعوا إلى اتهام كل من يرفض تدريس أولاده في المدارس الواقعة تحت سيطرة الإدارة الذاتية بالخونة وعملاء النظام وبالمستعربين وغيرها من عبارات الإهانة والتخوين..

  باعتقادي  أن موقف الطلبة والأهالي ليس متعلقاً برفضهم اللغة الكردية أو عدم رغبتهم أن تكون لغتهم الرسمية فالجميع عانى من فرض لغة غريبة عليهم ومنعهم من حتى التحدث بالكردية، إنما الأمر متعلق بوضع البلد الغير مستقرو بمدى الثقة بالجهة السياسية التي تصدر هكذا قرارات تمس مستقبل الأجيال القادمة ومصير الآلف من المعلمين العاملين في قطاع التربية والتخوف من المجهول الذي ينتظر أبناءهم ..  ثم إلى أي مدى يمكن لهذه السلطة أن تزيل مخاوف الطلاب وذويهم بأن تعد مناهج علمية مدروسة تربوياً بعناية فائقة تتوفر فيها شروط المناهج الجيدة، بعيدة عن التسيس وبث ايديولوجيا " الحزب الحاكم" من خارج الحدود، بعيدة عن الشعارات وتأجيج العواطف... وهل بإمكان السلطة صاحبة القرار أن تؤمن جامعات تعترف بالشهادات الصادرة عنها وبالتالي تضمن لطلابها إكمال دراستهم الجامعية، اعتقد أنه لاتوجد جامعة تعترف بالشهادة الصادرة عن الإدارة الذاتية  بما فيها بل على رأسها الجامعات السورية..

هذه أهم المخاوف التي تدفع الناس لرفض القرار واعتقد أن مخاوفهم محقة ولابد أن تُأخذ بعين الإعتبار وتعالج بجدية  طبعاً هذه مسؤولية أصحاب القرار..

اعتقد أن هكذا قرارات ارتجالية ( طبعاً إذا كانت صادرة بحسن نية ولم تكن للدعاة الحزبية) صادرة في أمر مهم وخطير كمجال التربية والتعليم ودون دراسة مستفيضة ودراية بالنتائج التي يمكن أن تؤل إليها، مبنية على الزعبرة الشعاراتية والعزف على وتر العواطف لدى الشعب المسكين والمحروم منذ عقود من لغته الأم، لهو أمر جلل واستهتار بمصير أجيال قادمة من المفترض أنهم هم من سيصنع المستقبل.

هناك من يرى أنه من المعيب الحديث عن مستقبل جيل أمام عظمة هذا الإنجاز. أقول لهؤلاء هل يجب علينا نضحي إما بلغتنا أو نضحي بمستقبل أولادنا العلمي والمهني والفكري..؟! الا يمكننا أن ندرك الأمرين معاً؟! علماً أن الأمرالثاني لا يقل أهمية عن الأول.. فالعقول القاصرة والمشوهة لا يمكنها أن تبني وطناً حراً بل أقصى ما يمكنها هو أن تبني سجناً... سجانه كردي يأمر وينهي باللغة الأم.