Print this page

طارق كاريزي: البحث عن مسار ثالث

دأبت الادبيات الشرقية على التحدث عن ثنائية (الشرق والغرب). هذه المقولة يتم تداولها على مختلف المستويات (الشعبية والثقافية والاكاديمية)، ما يعني انها تقترب من الحقيقية شبه المطلقة في الذهنية الثقافية والذاكرة الجمعية للشرقيين على اختلاف انتماءاتهم القومية والاثنية وتباين مرجعياتهم الثقافية والمعتقداتية، وتباين شرائحهم وطبقاتهم. ومما زاد من رسوخ هذه الثنائية في الذهنية الشرقية، هو ان الغرب يعزف اللحن ذاته ويتعامل مع هذه الثنائية من دون حرج. ولعل سرّ رسوخ هذه الثنائية لدى الطرفين هو احتدام الصراع وتبادل حلبات التنافس عسكريا وثقافيا واقتصاديا ومعتقداتيا بين أوربا (المعروفة اصطلاحا بالغرب) والسواحل الشرقية والجنوبية من الشرق المتوسط (المعروفة اصطلاحا بالشرق)، وذلك منذ الألفية الاولى قبل الميلاد وحتى الآن.

من المفيد توضيح ان العالم لا يقبل القسمة النهائية بين شرق (اسلامي) وغرب (أوربي- مسيحي)، بل هناك أجزاء أخرى من العالم ربما هي بسعة كليهما ولا تقل عن أي منهما من حيث الأهمية على مختلف الأصعدة. عالم الشرق الأقصى، أو الذي يمكن أن نطلق عليه دائرة الحضارة الصفراء (الصين، اليابان، كوريا وبلدان جنوب شرقي آسيا والأرخبيل الاندونوسي.. الخ)، علاوة على شبه القارة الهندية التي تتوزع حاليا على أربع دول (الهند، بنكلادش، باكستان ونيبال) وكانت في السابق أوسع دائرة من الآن. وهي تضم حاليا أكثر من (1,5) مليار من البشر، بطيف من التنوع الثقافي والعقائدي ضمن دائرة حضارية واضحة الملامح. وحضارات أخرى لا مجال للخوض فيها هنا.

بغض النظر عن ملاحظاتنا السابقة حول الثنائي الاصطلاحي (الشرق/ الغرب)، نود هنا التحدث عن بعض ملامح هذه الثنائية. ليس ضروريا العروج على الخلفية التاريخية لهذه الثنائية. بل نرى من الأفضل الدخول في مظاهر وتداعيات هذه الثنائية التي تشكل أحد أهم الفواعل المؤثرة في مجريات الحياة المعاصرة بالنسبة لشعوب الطرفين (الشرق والغرب). الشرق ببعديه الاثني والعقائدي يمتد على طول شمال القارة الافريقية وغرب آسيا وصولا الى قلبه. هذا الامتداد الجغرافي الواسع يضم طيفا كبيرا من القوميات والامم يجمعها (الى حد بعيد) المعتقد الديني (الاسلام). الثقافة السائدة ضمن هذا الامتداد الجغرافي فيها الكثير من الحذر والحيطة وأيضا التوجس حيال الغرب الذي يتركز ضمن القارة الاوربية وامتداد ظله نحو العالم الجديد. وتكونت لدى هذا الغرب ثقافة اتسمت بردة الفعل حيال تهديدات عالم الشرق، خصوصا وأن الذاكرة الغربية (الاوربية) مثقلة بارث احتلالات شرقية منذ القرون الوسطى وقبل ذلك (خصوصا العرب من ايبيريا وجنوب غرب القارة، ثم العثمانيون من البلقان باتجاه قلب القارة الاوربية)، والحالة تأتي مطابقة للتوجس الشرقي حيال احتلالات الغرب للشرق (الرومان والاسكندر والاستعمار الحديث). وبين الحالتين حدثت حرب مفتوحة بين الجانبين، استمرت لمدة قرنين متواصلين في شرق المتوسط حسمها صلاح الدين الايوبي.

وبعد تفوق الغرب (اوربا) حضاريا، شهدنا عصر الاستعمار الذي منح الشعوب الاوربية قدرة التوغل عميقا في أنحاء الشرق والسيطرة عليه وكذلك بلورته سياسيا واقتصاديا والى حد ما ثقافيا، بالشكل الذي يتوافق مع طموحات الغربيين ومصالحهم ايضا. فقد مهد عصر التصنيع الطريق أمام الغرب كي يمسك بزمام المبادرة، وهكذا تحول الشرق الى تابع ومقلد فاقد القدرة على المبادرة والبناء والابداع. هذه التبعية ولدت نوعا من ردة الفعل لدى العديد من النخب التي حاولت تقديم تفسيرات للمشهد التقابلي بين الجانبين. ليس هذا فقط، بل سعت هذه النخب الى وضع اسس تسترد بموجبها (من باب التنظير) زمام المبادرة للشرق وأممه.

من خلال تقصي المشاريع التي تم تبنيها على المستويين الثقافي والسياسي في بلدان الشرق، يمكن تمييز تيارين رئيسين نظّرا (من التنظير) لنهضة الشرق وتم تطبيق ما تم التنظير له في أكثر من بلد وضمن نطاق التيارين. تيار يرى بأن مجاراة الغرب في حضارته وتحقيق التحديث وحيازة مستلزمات العصرنة علها غير ممكنة من دون تبني عناصر الحضارة الحديثة (الغربية: الاوربية). مثل هذه التجارب الشرقية حاولت احداث قطيعة مع التكوين الحضاري لشعوبها الشرقية، ومع ان تطبيقات هذا التيار شهدت تحقيق بعض المنجزات، الا ان نجاحها ظل محدودا وعجزت في النهاية عن بلوغ أهدافها المرسومة والمتخيلة. أما أتباع التيار الثاني فيرون بأن العودة الى الجذور الشرقية (الأصلية) هي الطريق الذي يضمن تحقيق النجاح (النهضة)، خصوصا وأن منظري هذا التيار لديهم اعتقاد راسخ بأن أسباب النهضة الاولى التي تحققت في العصور الاولى للاسلام قابلة للاحياء وإعادة التفعيل. وهي (باعتقاد أتباع هذا التيار) الوسيلة الوحيدة والضامنة للنهوض والنهضة المقبلة للشرقيين. وبغض النظر عن كم التناقضات والتعقيدات التي يلاقيها قادة هذا التيار، فإن المشاريع السياسية التي تبنت هذا التيار خلقت أزمات حادة ضمن النطاقين الاقليمي والدولي.

                                          

وسطية بحكمة

في قراءة أولية للتيارين المذكورين آنفا، يمكننا القول بانهما ينطويان على مدى واسع من (الانفعالية) أو (ردة الفعل) التي لابد وأن تنقصها الحكمة والتروي والموضوعية والعلمية والحيادية. وأي مبادرة انسانية (فردية كانت ام جمعية) من دون هذه المكونات، أو العوامل الاساسية الفاعلة، لن يكتب لها النجاح. وليس من المنطق توقع نجاح عمل (أو مشروع) مهما كان حجمه وسعته وثقله، اذا ارتهن لحالة الانفعالية وجاء شروعه كردة فعل. من هنا حري بالشرقيين (مع تحفظنا على المصطلح وأبعاده) أن يركنوا الى شيء من الهدوء واعادة القراءة لماضيهم وحاضرهم ومن ثم النظر الى المستقبل بسعة صدر، بعيدا عن الانفعالية وردة الفعل.

الذي نطرحه هنا، ليس شيئا جديدا، بل أن العديد من منظري ومفكري النهضة في بلدان الشرق قالوا بذلك منذ القرن التاسع عشر. هؤلاء دعوا الى حالة من المزج (أو التزاوج) البناء بين المعطيات الحضرية للغرب والمنظومة القيمة (الاخلاقية والمعتقداتية) للشرق. هذا المشروع الوسطي (التوليفي) الذي اقترحه كبار مفكري النهضة الشرقية لدى الأمم الشرقية يرسم ملامح مشروع فيه الكثير من المعقولية نظريا والمقبولية شعبيا. ولعل العقبة الأكبر أمام نجاح هكذا مشروع هي كيفية التوصل الى بلورة آليات العمل والتفعيل على المستوى السياسي والاجتماعي ومن ثم الثقاقي والاقتصادي.

وبعد فشل المشروعين السابقين (استنساخ واعادة تطبيق المشروع الاوربي: الغربي) و(رفض المشروع الغربي: الاوربي والعودة الى الجذور واحياؤها)، يبقى من المنطق الركون الى المشروع الثالث. هذا المشروع ضمن اطاره السابق (اي وفق الذي نظر له مفكرو ومنظرو النهضة الشرقية) أو السعي لبلورة وصياغة ملامح هذا المشروع المنتظر ولادته بشكل حقيقي، أي الانتقال به من حيز التنظير الى حيز التطبيق.

نحن مقتنعون بأن هذا المشروع مازال دون مرحلة التنظير. لم تحدد ملامحه وأطر العمل بموجبه. عليه من المفيد أن تتصدى النخب (الفكرية والثقافية والاكاديمية) لأمم الشرق للمساهمة في صياغة مفردات هذا المشروع. وحضور التقنيين والتكنوقراط ورجال السياسية والاقتصاد، ضروري بل هو في منتهى الأهمية، لتحديد ملامح أي مشروع نظري لنهضة الشرق.

نهضة الشرق ضرورة انسانية ملحة من أجل نزع فتيل التطرف الذي بات يشكل عامل تهديد كبير للسلم والأمن الاقليمي والعالمي. هذا التهديد الذي مهما كانت نتائجه ضارة ومؤذية للآخرين (والغرب الاوربي هنا في المقدمة)، فان أضراره كارثية بالنسبة للشرق وشعوبه. لذا بات لزاما حث الطاقات وتفعيل الامكانيات من أجل تخطي أمم الشرق لمحنتها مع الحداثة التي ولدت مشوهة ودخلت غرف الانعاش من دون أن تتعافى. ومن المفيد ونحن نتطلع نحو تحديد مسار يضمن للشرق نهضته، أن يكون العالم المتقدم (الغرب وكل من حقق التحديث) اسهامات في بلورة هذا المشروع الحضاري الانساني الكبير.