4:17:21 PM
بعد الانتخابات البرلمانية التركية التي أجريت في السابع من حزيران الماضي والتي حصل فيها حزب الشعوب الديمقراطية على أكثر من 13% متجاوزاً عتبة ال 10% بفارق مريح، حينها عول الكثيرون من المراقبين السياسيين على أن يقوم هذا الحزب - ومن موقع القوة - بالتحالف والشراكة مع حزب العدالة والتنمية في تشكيل الحكومة، خاصة وأن ال AKP كان قد خرج مهزوماً بفقدانه الأغلبية البرلمانية، وكانت كل المؤشرات تقول أن النتائج هي في صالح القضية الكوردية في شمال كوردستان، إلا أن الرفض المسبق من جانب ال HDP بعدم الشراكة مع العدالة والتنمية حتى قبل إعلان النتائج واستغلال دعاة الحرب ومناصرو الدولة العميقة في تركيا لهذا الرفض ساهم في افشال تشكيل حكومة شراكة براغماتية لصالح الشعب الكوردي والقضية الديمقراطية في تركيا، وبعدها عمد أردوغان على تغيير قواعد اللعبة من خلال اللجوء إلى انتخابات برلمانية مبكرة بحسب القانون التركي للانتخابات، واستطاع حزب العدالة والتنمية في معركة الاعادة أن يتجاوز حاجز الأغلبية البرلمانية التي تخوله تشكيل الحكومة بمفرده دون أي طرف سياسي آخر.
ومن خلال قراءة نتائج انتخابات حزيران ومقارنتها بالنتائج الحالية التي أجريت في الأول من تشرين الثاني الماضي ، نجد أن حزب الشعوب الديمقراطية بقيادة صلاح الدين دمرتاش قد خسر أكثر من مليون ونصف المليون صوت خلال أربعة أشهر فقط، وهذه النتائج لوحدها كانت كفيلة وكافية لأن يكون هذا الحزب في موقف حرج جداًأمام ناخبيه، إذ بات من الضرورة بمكان أن يراجع مجموعة سياساته في الداخل والخارج، وأن لا يحاول البحث عن عوامل فشله في ذرائع وحجج من خارج اللعبة السياسية، أو يحاول تحويل هزيمته إلى انتصار كما يحلو للبعض أن يفعل ذلك من خلال كرنفالات احتفالية أشبه باحتفالات هزائم الحروب العربية، لأن هذا الحزب يبقى أمام مسؤولية سياسية وأخلاقية تجاه عموم الشعب الكوردي الذي من المفترض أنه كان ممثلا له،لذا عليه البحث عن جملة العوامل التي جاءت بهذه النتائج، وبهذا الخصوص يمكن الاشارة والتأكيد على أنه من أولى أولويات العمل في الحقل السياسي والخوض في السباقات الديمقراطية هو فك الارتباط مع العسكر بخصوص القرارات السياسية السيادية والوطنية المصيرية وتوجيهها في سياقاتها الصحيحة، على أن يكون الجيش أو القوة العسكرية تخضع لقرارات الساسة، أي أن تستثمر القوة العسكرية وتوجه بشكل صحيح من لدن الساسة وليس العكس كما هي العلاقة بين حزب الشعوب الديمقراطية وحزب العمال الكوردستاني – تركيا حيث الاستثمار من جانب القادة العسكريين على حساب الأهداف السياسية، إذخضع ويخضع حزب الشعوب الديمقراطية لإملاءات حزب العمال بعكس ما تسير الأمور في كل دول العالم، ويدفع ضريبة أخطاء حزب العمال وإملاءات قنديل كل يوم من عسكرة المجتمع الكوردي، لكن يبقى الأسوأ في الأمر هو أن يستمر حزب الشعوب الديمقراطية في ذات الخطأ ويفقد بوصلته السياسية في كل الاتجاهات على هدى اتجاهات علاقات قنديل مع إيران والدولة العميقة في تركيا، وعلى هذا الحزب أن يقوم بتوضيح وتصحيح شكل وطبيعة علاقته بقيادات العمال الكردستاني، فإما أن يقوم بفك الارتباط معه بشكل نهائي ويخرج من تحت عباءة سيطرته، أو إذا كان هو فعلاً يمثل الجناح السياسي للعمال الكردستاني،فسيكون المطلوب منه في هذه المرحلة هو إعادة الحياة لمشروع السلام الذي أطلقه زعيم حزب العمال عبدالله أوجلان، وأن يستجمع كل التنظيمات والقوى العسكرية بمسمياتها المختلفة والموزعة في الغرب والجنوب والشمال ويقوم بتوجيهها واستثمارها سياسياً بالشكل الصحيح في خدمة القضية الكردية في الشمال، بدلاً من تصدير ثورته إلى الخارج وافتعال الأزمات مع مختلف القوى الوطنية الكردستانية في الأجزاء الأخرى بموجب إيعازات وإملاءات واضحة من إيران صاحبة أخطر مشروع عقائدي ممانع للمشروع الوطني الكوردستاني ،حيث آمدومستلزمات المشروع القومي في الشمال أحوج إلى هذه الطاقات من شنكال وقامشلو، وعليه أن تصب كل الجهود في توضيح الخطاب القومي والوطني الكوردستاني في المرحلة الحالية، والبحث في صيغ نضالية مشتركة مع باقي الأطراف السياسية الكردستانية في تركيا، للخوض معاً في المهمة المشتركة مع حزب العدالة والتنمية من أجل تغيير الدستور التركي الذي يحاول العدالة والتنمية تغييره منذ صعوده إلى الحكم عام 2002، لذا فليكن الخلاف التالي مع أردوغان والعدالة والتنمية على بنود الدستور الجديد والصيغ القانونية والحقوقية لمواده بخصوص المسألة الكردية، والتي بالضرورة يجب أن تتضمن صراحة على حق الشعب الكوردي في تقرير مصيره بنفسه والقبول به كمكون قومي بخصوصية جيوسياسية وحل ديمقراطي لقضية الشعب الكوردي في كوردستان - تركيا، لذا من الخطأ اللجوء إلى الرفض المطلق للحكومة الجديدة والحكم على أدائها قبل أن تولد أو في مراحلها الجنينية، وهنا يمكن التأكيد أنه وبقدر حاجة الكورد إلى التغيير والتخلص من الارث الأتاتوركي القوموي المتشدد والحاجة إلى حلفاء لهذا التغيير، فالعدالة والتنمية بزعامة أردوغان صاحب مشروع التغيير وفق منظوره العثماني هو أيضاً مازال بأمس الحاجة إلى كتلة برلمانية كبيرة لإنجاح مشروعه الدستوري فهو يحتاج إلى أكثر من 330 صوتاً برلمانياً ليحظى بالقوة الكفيلة بإحداث أي تغيير دستوري، وهذا التغيير هو وحده الذي يمكن أن يصحح مسار العملية السياسية في تركيا، لذا على حزب الشعوب الديمقراطية أن يدرك أنه أمام مهام التغيير الاستراتيجي في مرحلة ما بعد الانتخابات البرلمانية الحالية للإنتقال بتركيا إلى دولة فيدرالية ديمقراطية، وطي صفحة تركيا التقليدية التي تحكمها أصنام أتاتورك منذ نحو قرن من الزمن وحتى الآن.