أصرّت موسكو على إعتبار وفد الثورة السوريّة للمفاوضات المرتقبة مع نظام الأسد لا يمثّل كل أطياف المعارضة، و لذلك تبذل حاليّا كل ما تستطيع من جهود لضم بضعة أسماء لهذا الوفد، و تقول التسريبات الإعلاميّة أن القائمة الروسية المقترحة تضم خمسة عشر إسماً. عند إستعراض هذه الأسماء نجد التالي : أقل من نصف هذه الشخصيّات من المغتربين المستقلّين و الّذين لم يدّعوا يوما أنّهم يمثّلون أحدا و لكنّهم يعتبرون أنفسهم مثقّفين و أصحاب رؤية يجب أن يستفيد منها و يستثمرها هذا الشعب الجاهل , و عند متابعة مواقفهم خلال السنوات الخمس السابقة تراهم يعتبرون أنفسهم معارضين للنظام و الثورة بنفس الوقت لكنّ مواقفهم دائما أقرب للنظام.
أحد هذه الأسماء هو الأستاذ فاتح جاموس وهو معارض سابق يتميّز عن باقي المعارضين بالمدّة الطويلة جدّا الّتي قضاها في سجون الأسد الأب و حتّى الأسد الإبن, و قد أعاد تأسيس حزب العمل الشيوعي بعد خروجه من السجن بعدد أعضاء لا يصلون لأصابع اليد الواحدة , و فور إنطلاق الثورة أعلن هذا المعارض وقوفه الواضح تماما مع نظام الأسد و سامحه على سنوات إعتقاله -لا نعلم أنّ كان هذا الموقف لأسباب إيديولوجيّة أم لأسباب طائفيّة - و أصبح ضيفا دائما على قنوات التلفزيون السوري! يتميّز فاتح جاموس بأنه شخصية مستقيمة واضحة فلم يقم بألاعيب باقي المعارضين المزيّفين الّذين يعملون على خدمة النظام من خلال الإندساس في صفوف المعارضة و العمل على إفشال كل مشاريعها! حتّى أنّه كان واضحا قبل سنوات طويلة من إنطلاق الثورة عندما أعلن بوضوح أنّه في حال وجود مخاطر لتدخّل خارجي أو نموّ تيّارات دينيّة أو توتّرات طائفيّة فإنّه سيكون في صف النظام و لا نعلم ما هو السيناريو المقبول و الواقعي عند فاتح جاموس لتغيير النظام .
حتّى أنّه عندما قتل سليمان إبن هلال الأسد العقيد حسان الشيخ و هو أحد أقرباء فاتح جاموس قام فاتح شخصيّا بالإجتماع بأهل القتيل و تهدئتهم و دعاهم لإحترام مقام الرئاسة "بشار الأسد" و مؤسّسة الجيش الأسدي لأنّ أي تشكيك بهذه المقامات يضع الطائفة العلويّة كلّها في خطر حسب رأيه !!.
طرف آخر ضمن القائمة هو حزب الإرادة الشعبيّة "قدري جميل". نتيجةً للخلافات حول نتائج الإنتخابات في الحزب الشيوعي السوري جناح ورثة خالد بكداش قبل الثورة بعدّة سنوات، إنشقّ قدري جميل عن هذا الحزب مع مجموعة من القيادات و الكوادر ليشكّل مجموعة منفصلة تدعو لوحدة الشيوعيين السوريين , و إبتداء من الإنشقاق و حتّى قيام الثورة السوريّة كانت كل مجهودات هذه المجموعة تنصبّ على محاولة إقناع قادة الأمن السوري بأنّهم مجموعتهم المنشقة هي "الأكبر" و بالتالي فإنّهم الأكثر تأهيلا لعضوية الجبهة التقدميّة لنظام الأسد و لحصّة وزير و أربعة نوّاب في مجلس الشعب بدل مجموعة وصال فرحة و عمار بكداش , أو إضافتهم كحزب جديد لهذه الجبهة، و قد فشلت كل هذه المحاولات. و لكن عند إنطلاق الثورة و ظهرت حاجة نظام الأسد لتفصيل معارضة تناسبه لجأ لهذه المجموعة و وضع قدري جميل في منصب نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الإقتصاديّة و أدخل من مجموعته نوّابا لمجلس الشعب الجديد بإعتبارهم معارضين !!. هذه قصّة هذا "التنظيم" المعارض و الّذي يتميّز أيضا بعدم وجود أي قاعدة شعبيّة له و بعدد أعضاء يبلغ بضع عشرات .
الطرف الثالث هو تيّار قمح لصاحبه المعارض السابق هيثم منّاع, خلال سنوات الثورة الخمس يتميّز هيثم منّاع بأنّه الشخص الوحيد المحسوب على المعارضة و الّذي يستطيع منافسة شخصيّات النظام بإنعدام الشعبيّة لدى جمهور الثورة السوريّة , و من جهته فقد كان مناع حريصا على الوقوف ضدّ هذه الثورة , كان ينظر للشعب السوري من الأعلى، و لم يسبق له يوما أن أعجب بأي مبادرة أو نشاط أو فعّالية قام بها شباب هذه الثورة، لا في أيام المظاهرات السلميّة و لا في أيام العمل العسكري . و كانت فضيحته الكبرى هي محاولته تبرئة نظام الأسد من جريمة الكيماوي من ناحية، و تقليل عدد ضحاياها من ناحية أخرى , من خلال تصريحاته المتكررة، إعتبر مناع نفسه بين طرفين مخطئين، الشعب الثائر و عصابة الأسد، و في أغلب المواقف كان أقرب لنظام الأسد! حاجة حلفاء النظام السوري لمعارضة تناسبهم أدّت لتركيز الأضواء عليه لتسويقه كمعارضة مقبولة من قبل الأطراف الدوليّة الّتي تتخوّف من الإسلاميين , و قال هيثم منّاع في آخر مقابلاته أنّه هو و صالح مسلم يسيطرون على 16% من الأراضي السوريّة! و إذا علمنا أنّ صالح مسلم وحده يسيطر على 16% من هذه الأراضي فبوسعنا بسهولة حساب حصّة هيثم منّاع و تيّاره من هذه السيطرة!.
المجموعة الأخيرة هي حزب الإتّحاد الديموقراطي الكردي (PYD) , لسنا بمجال التوسّع بظروف نشأة هذا الحزب و سنقتصر بالحديث عن مواقف هذا الحزب منذ إنطلاق الثورة السوريّة .
إنضمّت المناطق الكرديّة للثورة السوريّة مبكّرا و كانت عمليّة نقل المظاهرات من البلدات الكرديّة مماثلة لباقي المناطق السوريّة و كانت لافتات عامودا مميّزة في تلك الأيّام كما كان موقف الأحزاب الكرديّة الّتي شكّلت فيما بعد المجلس الوطني الكردي واضحا بتأييد الثورة، ثمّ بدأت الأخبار تتواتر عن عمليّات إعتقال و مضايقات للشباب الأكراد المشاركين في فعاليات الثورة السوريّة، كما حدثت بعض عمليّات الإغتيال لبعض الناشطين و المعارضين للنظام كان أشهرها إغتيال رئيس تيّار المستقبل الكردي مشعل تمّو بعد فترة بسيطة من إطلاق سراحه من سجون الأسد , و كان من المؤكّد أنّ من يقوم بهذه الأفعال في مجموعة كرديّة و ليس الأمن السوري و كانت الشكوك تحوم تحديدا حول ال PYD .
يتوزّع الشعب الكردي على أربع دول هي تركيّا و إيران و العراق و سوريا و تنقسم الحركة السياسيّة الكرديّة حاليّا بين محورين الأوّل روسي إيراني أسدي يجد هذا المحور له مؤيّدين عند أكراد تركيّا الّذين يعتبرون خصمهم الرئيسي السلطة الحاكمة في تركيا، و يمكن إعتبار حزب الإتّحاد الديموقراطي قريباً من هذا المحور , و المحور الغربي التركي الّذي يضم سلطة أقليم كردستان العراق و أغلب القوى الكرديّة في إيران، و يعتبر أغلب أحزاب المجلس الوطني الكردي السوري أقرب لهذا المحور . و بالنسبة للشعب السوري المحاط بالأعداء من كل الجهات فقد كانت العلاقة مع تركيّا حيويّة و أساسيّة لصمود و إستمرار الثورة السوريّة، ممّا خلق سببا دائما لسوء الفهم بين هذه الثورة و القوى الكرديّة القريبة من المحور الروسي الإيراني.
اليوم يعتبر هذا الحزب في بياناته أنّ هناك ثلاث قوى تخوض الصراع في سوريا هي داعش و نظام الأسد و حزب الإتّحاد الديموقراطي في تجاهلٍ تام لكامل الثورة السورية و جمهورها الّذي يشمل أغلبيّة الشعب السوري، و بتطابق تام مع الرؤية الروسية و الإيرانيّة . كما أنّ هناك نقطة أخرى و هي أننا لم نشهد أي مؤشّر على صدام بين هذا الحزب و الجيش الأسدي رغم تجاور حواجزهما في مدن الحسكة و القامشلي، و الحديث عن إشكالات فرديّة محدودة جدّا لا يغيّر من هذه الحقيقة، لذلك فبالنسبة لأولويات الثورة السورية اليوم يجب على حزب الإتّحاد الديموقراطي أن يثبت أنه معارض للأسد، و هذا ما لم نراه حتّى الآن حتّى على المستوى الإعلامي، فكل بياناته تهاجم المعارضة السوريّة و أردوغان , و ثانيا عليه أن يثبت أنّه حزب سوري و ليس إمتدادا لحزب تركي، و أن يكون له قراءة سوريّة للصراع و الأولويّات، و أن يكون أكثر إحتراما لثورة أسطوريّة قدّمت مئات آلاف الشهداء و ما زالت وسط تواطؤ و تآمر دولي .
هذه هي الأطراف الّتي تريد روسيا إشراكها في المفاوضات و الّتي هي في واقع الأمر حزب الإتّحاد الديموقراطي الكردي، و حوله مجموعات و أفراد بلا وزن على نموذج حزب البعث و جبهته التقدميّة . و القاسم المشترك بين هذه الأطراف هو عداؤها للثورة و لكلّ الجهات الإقليميّة و الدوليّة الّتي تقول أنّها تدعمها , و لهذه الأطراف رؤية واحدة للحل تتركّز حول أولويّة مكافحة الإرهاب ثمّ يعقبها البدء بعمليّة إصلاح و تغيير سياسي بطيء و تدريجي في تطابق تام مع الرؤية الروسيّة و حتّى الأسديّة! و تجري حاليّا مشاورات بين نظام الأسد و هذه الأطراف لإقامة مباحثات في دمشق لتشكيل تحالف أسدي مع قوّات: سوريا الديموقراطيّة" لمحاربة الإرهاب، بتشجيع روسي، و يتأمّلون بموافقة الإدارة الأمريكيّة ضمن أولويّتها لمكافحة الإرهاب و هذه المساعي أمامها صعوبات كبيرة منها الموقف الأقليمي و الأوروبّي و الشعب السوري الرافض لحكم عائلة الأسد، بالإضافة إلى جرائم هذه العائلة الموثّقة، و طبيعة النظام السوري الغير قابل لأي حل. و بالعودة للقائمة الروسية، فإنه تحوي جانباً إيجابياً وحيداً و هو أنّها تكشف حقيقة المعارضة المزيّفة، و بكل الأحوال يكفي أن يأتي هذا الإقتراح من روسيا بوتين لنعرف حقيقته و أهدافه .