Print this page

محمد حاجي كريم: الكورد هم المتضررون

في شهر شباط من العام المنصرم، كنا في مدينة آمد لحضور ملتقى ثقافي، وفي أجمالي اللقاءات كان يتكرر اسم دولة كوردستان، والبيشمركة، والكريلا، والبارزاني، والطالباني، وأوجلان، وكان يتم توجيه النقد لأردوغان والدولة التركية بحرية تامة. هذه الأجواء التي رأيتها هناك جعلني أسأل عددا من أصدقائي، هل صحيحا هنا تركيا؟!

بالطبع هذه ليست دعاية لدولة ذات تاريخ حالك الظلام من حيث ممارستها الظلم والإضطهاد ضد الكورد، فجميعنا نعلم، ان كان قليلاً أو كثيراً، بأن السياسات العنصرية التي جرت تطبيقها بحق الكورد وانكار وجودهم كشعب في هذه الدولة، لكن علينا أيضا أن نعلم بأن الكورد في شمال كوردستان، قد حققوا خلال السنوان الأخيرة عدة مكتسبات لابأس بها.

الكورد قد حققوا نجاحاً كبيراً تحت عنوان حزب الأقاليم الديمقراطي  (BDP) ، وذلك في الانتخابات البلدية التي جرت في 30 آذار 2014، وفازوا بأكثر من 100 مقعد بلدي في المدن والبلدات، وبذلك فقد استلموا العديد من إدارات مراكز البلديات والمؤسسات الإدارية للحكومة (ماعدا الجيش والشرطة)، وفي ظل مشروع الحل السلام، دخل شمال كوردستان مرحلة الأمنوالإعمار، وحالياً وفي أتون هذه الحرب المندلعة، تجري الأمور باتجاه أن يخسر الكورد مكتسبات السلام والانتخابات.

بكل أسف، فإن مؤشر الحرب والأزمات في هذا الجزء من كوردستان في تصاعد مستمر، وبسبب ذلك فإن حياة المواطنين الكورد معرّضة لتهديدات ومخاوف كبيرة.

وبسبب الوضع غير المستقر والطارئ جراء الحرب والقتال الدائر بين الجيش التركي ومقاتلي حزب العمال الكوردستاني، يزداد الوضع سوءاً يوماً بعد آخر، وحتى الآن استشهد أكثر من 150 مدنيا، وهناك المئات من الجرحى، ونزح أكثر من أربعمئة ألف مدنيمن المناطق الكوردستانية الساخنة، وتوقفت العملية التعليمية وشلت الخدمات الإنسانية، ويُقال بأنه يوجد ألف وخمسمئة ناشط سياسي ومواطن كوردي في سجون الدولة التركية.

تجاوزت الدولة التركية في هذه الحرب الشرسة، كافة لحدود الوحشية، حتى أنها قامت بقتل النساء والأطفال وكبار السن والصغار وحتى ذوي الاحتياجات الخاصة لم يسلموا من نيران القوات التركية، ولا ننكر بأن أردوغان اتبع سياسة انفتاح ذكية خلال الأعوام الماضية حيال الكورد، لكن ميوله للحرب واستخدام العنففي الفترة الأخيرة ستعود بمنجزاته الى المربع الأول.

وقدر تعلق الأمر بالكورد، يجب أن لا تمر الامور من دون مسائلة، ويجب علينا الإقرار بهذا الغرور السياسي، وأن حزب الشعوب الديمقراطي  (HDP)، او لنقلها بشكل أدق (PKK) وبعد انتهاء العملية الإنتخابية لبرلمان تركيا في 7 حزيران 2015، قد أصابه التصدع، وقام أصدقائه بدفعه نحو الهاوية من دون مبالاة.

السؤال هنا، ما المكسب الذي حققه الـ HDP من هذه السياسة؟ أم أنهم يدفعون بإتجاه الرد على هذه المرحلة بلهجة المهاجمة والتهجم؟ ما الذي جنوه ومن أية زاوية يقومون بقراءة الوضع؟ اسوة بما يقوم به البعض من قيادات حزب الإتحاد الوطني الكوردستاني وحركة التغيير، في هذه المرحلة الحساسة، من خلال التحدث بخطاب أكثر عنفاً من خطاب PKK؟

والآن فان خيط الامور قد فلت من اليد، حيث نرى عكس المنتظر منهم، لا نسمع منهم الا القليل ولا يبدون الا النزر اليسير من المواقف حيال كل الذي يجري من سفك الدماء والدمار الحاصل.

نحن نعتقد، بأن الذين كانوا يحرضون (PKK) للتعامل باستعلاء، كان من موقع حرصهم على هذا الحزب، وكذلك فإن الذين يرددون اليوم شعارات وخطابات نارية، لن يخدموا PKK أو المواطنين المدنيين في هذا الجزء من كوردستان،فهناك مقولة تؤكد (كل من ليس في ساحة المعركة، سيكون سيفه بتارا)، وبالتأكيد من هم داخل المعركة يعانون الكثير وحياتهم قاسية، ولا أحد يدرك حجم الكارثة الا أهالي الضحايا أو النازحين الذين يقيمون في العراء.

إن آلاف الشعارات والكمات البراقة، لا فائدة لها، وممارسة السياسة خارج معطيات العقل والمنطق، لا يُنتظر منه سوى الدمار، وغايتي هنا ليس أن أحمّل تبعات هذه الحرب علىكاهلPKK، لكن ما تعلمه جميع هذه الأطراف، أن الدولة التركية ليست هي المتضررة من هذا الوضع، بل ان الشعب الكوردي المسلوب الحقوق، والذي يضحي بمئة أضعاف الطرف المقابل، لجهة إراقة الدماء في شمال كوردستان، فهو المتضرر الأكبر. فالدولة التركية لن تتنازل بهذا الشكل ولن ترضخ للمطالب الشرعية للشعب الكوردي، مع الأسف، فان الآن في تركيا لا شيء أرخص من الدم الكوردي، والخاسر الوحيد في هذه الحرب هم الكورد، فنيران هذه الحرب تستهدف الفقراء والمواطنين الآمنين والقرى والبلدات الآمنة.

ومن جانب آخر، فإنه يتم يوميا إعتقال السياسيين الكورد ويتم زجهم في السجون ويحالون للقضاء، ومصير الحركة التحررية الكوردية ليس بمنئى عن الخطر، ويبدو أن الدولة التركية مرتاحة بهذا الواقع، خاصة وأنها لا تسمع صوت العالم الخارجي ازاء هذه الجرائم.

ومادام النظام التركي لا يؤمن بالحل السلمي للمشكلة الكوردية في هكذا اوضاع، وإذا كانت PKK  جادة في هذه الحرب، فمن الأفضل محاولة نقل هذه الحرب من المناطق الكوردية في شمال كوردستان، إلى قلب تركيا والمحافظات المهمة ومراكز القرار، لأنه لا يجوز أن يكون الكورد فقط الخاسر الوحيد في هذه الحرب، فيما يبقى الترك وكبار مسؤولو الدولة في بحبوحة من السلم والأمن.