Print this page

م. هوزان ديرشوي : الجزري… عبقري الهندسة الميكانيكية

1:45:38 PM

كثيراً ما نسمع عن شخصيات كوردية مشهورة في التاريخ , هذه الشخصيات معروفة في المجال الديني أو في المجال الأدبي أو في المجال الحربي, ولكن هل فعلاً ليس لدينا أي إسهامات علمية لها أثرها في تاريخ العالم العلمي , بالطبع نملك مثلنا مثل جميع الشعوب الأخرى التي تفتخر بتاريخها , ولكن طبيعة تاريخ المنطقة التي يعيش فيها الكورد والتقلبات التي حصلت في المنطقة أدت إلى نسبهم إلى أي قومية أخرى غير الكوردية حيث كانوا يكتبون باللغات التي تأثروا بها , ولكن الآن وصلنا إلى حقيقة أن لغة الكتابة لم تعد أي مشكلة فمثلا لغة العالم اليوم هي الانكليزية فمن الطبيعي أن يكتب معظم العلماء العالميين أبحاثهم باللغة الانكليزية حتى يفهم عليهم الآخرين , و بنفس الطريق فقد دون الكورد أعمالهم الأدبية والدينية والعلمية بلغات العربية أو التركية أو الفارسية...,وقد دهشت بعد البحث والدراسة عن تاريخ هذه الشخصية التي ننحني أمامها احتراما لعبقريتها , فقد توصلنا إلى معرفة بعض الحقائق حول هذا العالم الكبير الذي لقب ببديع الزمان الجزري .

حياته: هو العالم الكوردي الملقب ب بديع الزمان ( أبو العز إسماعيل سيد الرزاز) (1136-1206)، الملقب بالجزري (نسبة إلى جزيرة بوطان الواقعة في الجنوب الشرقي من تركيا على الحدود السورية على نهر دجلة و المتاخمة لمدينة المالكية(ديريك) السورية) ، عالم ومهندس ومخترع,(حالياً يوجد شارع باسمه في هذه المدينة).

أمضى الجزري ردحاً طويلاً من حياته بعيداً عن موطنه يعمل في قصور حكام دياربكر في تركيا، وبذلك فقد سار على خطى والده الذي عمل لدى حكام دياربكر طوال 27 عاماً تقريباً بين 1174 و1200 ظل يحظى برعاية أمراء ديار بكر وهناك تخصص في ابتكارات الهندسة الميكانيكية وأصبح كبير المهندسين الميكانيكيين في البلاط , كانت عقلية الجزري الإبتكارية منسجمة مع الاتجاه الاجتماعي الثقافي السائد في العالم الإسلامي في ذلك القرن والقرنين السابقين له وهي الفترة التي شهدت عدداً من الاختراعات العلمية المهمة.

إبداعاته واختراعاته:هو مخترع العمود ألمرفقي (Crankshaft) والساعات الميكانيكية التي تعمل بالماء والأثقال(من أشهر ساعاته ساعة الفيل) ، سجل أكثر من 60 اختراعاً في كتابه (الجمع بين العلم والعمل في صناعة الحيل) .

ووصف الجرزي نحو 50 آلة ميكانيكية في ست تصنيفات مختلفة مثل الساعات المائية (إحدى ساعاته الشهيرة قام متحف العلوم في لندن عام 1976 بإعادة بنائها) ، جهاز غسيل اليدين سماها آلة الوضوء ، أجهزة رفع المياه ، المضخات الثنائية بمواسير شفط ، استخدام العمود ألمرفقي في الآلة ، معايرة فوهة تغليف الخشب لمنع التوائه ، الموازنة الستاتيكية للعجلات ، استخدام النماذج الورقية لتمثيل التصميمات الهندسية ، صب المعادن في صناديق القوالب المغلقة باستخدام الرمل الأخضر، والكثير من الآلات الأخرى , وله الفضل في أول اختراع مسجل لروبوت إنساني مبرمج .

أضاف "الجرزي" الكثير من الآلات والوسائل الميكانيكية والهيدروليكية التي ظهر أثرها في التصميم الميكانيكي للمحرك البخاري ومحرك الاحتراق الداخلي والتحكم الآلي والتي لا تزال أثارها ظاهرة إلى الآن .

وقدم الجرزي للحضارة العالمية مخطوطات كان لها اثر كبير على تطور التكنولوجيا التي يتمتع بها عالمنا المعاصر كتصميمه مضخة كابسة استعمل فيها لأول مرة صمامات عدم الرجوع التي لا غنى عنها اليوم وتصميماته لآلات تستعمل القوة الكامنة في سقوط الماء.

لحسن الحظ، فإن بعضاً من أفضل التصاميم الميكانيكية المعقدة للآلات ذاتية الحركة العاملة بالماء لا تزال محفوظة بتفاصيلها حتى اليوم في المخطوطات القديمة. ومن بينها آلات مثل الساعة المائية والآلات الهيدروليكية الأخرى التي ابتكرها الجزري وصنعها بنفسه.

استحق الجزري شهرته عن جدارة ليس لكونه مخترعاً ومهندساً ميكانيكياً فحسب , ذلك أن مجموعة المخطوطات المنهجية الموثقة التي وضعها عن أعماله ساهمت في ذيوع صيته وتعلق الناس بعبقريته طوال قرون من الزمان , وربما كان أشهر كتبه هو (الجامع بين العلم والعمل في صناعة الحيل) الذي أكمله في عام 1206 , ولا غرابة أن بعض المصادر تشير إلى الكتاب باسم (الآلات ذاتية الحركة)

بدأ الجزري العمل على كتابه هذا بطلب من السلطان نور الدين محمد , وبالتأكيد فإن الجزري كان من دواعي سروره أن يلبي هذا الطلب , وتحول كتابه إلى مصدر جامع لعلوم الميكانيك النظرية والعملية , وكانت الأوساط العلمية تنظر إلى الكتاب بإعجاب كبير وتعتبره الأكثر تطوراً في زمانه كما يعتبر نموذجاً لتطور الحركة العلمية الإسلامية وذروة إنجازاتها , كما قدم الجزري في عمله هذا أساساً لعدد كبير من التصاميم والوسائل الميكانيكية التي مهدت الطريق أمام الهندسة الميكانيكية كما نعرفها اليوم.

البروفسور لين وايت يشير إلى أن تصاميم التروس القطعية قد ظهرت لأول مرة في مخطوطات الجزري بينما لم تعرفها أوروبا إلا في ساعة جيوفاني ديدوندي الفلكية التي صممها بعده بزمن طويل وتحديداً عام 1364 كما أن كتاب الجزري كان أول عمل يتحدث عن ذراع الكرنك، أي قبل 300 عام من استخدام المهندسين الأوروبيين له لأول مرة .

يقول دونالد هيل وهو مهندس بريطاني تخصص في التقنيات العربية التقليدية: "تحتل أعمال الجزري أهمية بالغة في تاريخ الهندسة ، حيث تقدم ثروة من مبادئ تصميم وتصنيع وتركيب الآلات , وفي عام 1976 كرّم مهرجان العالم الإسلامي الذي نظمته المملكة المتحدة الجزري وعرض متحف لندن للعلوم نسخة كاملة من ساعته المائية الشهيرة وهي تعمل أمام الزوار .

مؤلفاته:من أهم مؤلفات الجزري كتاب "معرفة الحيل الهندسية" الذي شرح فيه كيف صنع آلات قياس الزمن بأنواعها خاصةً الساعة المائية الليلية، وكتاب " الهيئة والأشكال" ، وكتاب "الجمع بين العلم والعمل في صناعة الحيل" ، وقد ترجمت كتبه إلى اللاتينية في القرن الثالث عشر الميلادي.