RojavaNews : هي رحلة اللاجئ هي رحلة المعاناة التي تبدأ عندما يغادر المرء تراب وطنه. هي رحلة الآلاف بل الملايين الذين أرغموا على الابتعاد عن البيت، الأهل، الأصدقاء، الذكريات، عن كل ترنيمة وجع أو فرح شكلت ذاته التي تراكمت عبر سنين عمره.
الحلم الذي تبخّر
أنا اسمي محمد باقي من مواليد كوباني عام 1981 تخرجت من جامعة تشرين، كلية الآداب قسم اللغة الانكليزية وعملت كمدرس في محافظة الرقة التي بقيت فيها إلى أن خرجت منها في 24/11/2012 وأتيت إلى إقليم كوردستان ولكن ظروف الحياة الصعبة هنا جعلتني أفكر بالهجرة الى أوروبا.
كأي زوج أراد لزوجته حياةً أفضل، كأي أب أراد لطفله أن يعيش بأمان أكثر، كأي إنسان من وطني أرغم على الابتعاد عن قلمه ليكسب لقمة العيش وتحول إلى آلة عمل في دول الجوار، قررت أن أرحل إلى جهة الشمال، أوروبا التي طالما كانت وجهة قاصدي الأمان، وجهة الخلاص من سعير حرب الشرق التي ابتلعت كل شيء جميل، ووجهة الحلم الوردي الذي يراود كل من فكر بالذهاب إليها. لم يكن اتخاذ القرار بالأمر اليسير خاصةً وأنت تترك وراءك أغلى ما لديك وتقصد جهة مجهولة لا تعرف ماهية عواقبها وظروفها.
وتبدأ الحكاية عندما تطأ قدماك تركيا، البوابة الوحيدة التي ستغير حياتك وتبدأ رحلة البحث عن المنقذ ألا وهو المهرب طبعاً ستلتقي بأناس كثر منهم معارف وأصدقاء وأقارب لم تلتق بهم منذ زمن، وتبدأ الحوارات عن ميزات هذا المهرب أو ذاك"لك
أحاديث المتعبين
أبو زندو كتير قوي مظبط حالو مع خفر السواحل، هاداك اليوم طلع نفراتو بعز الضهر وعلى عينك يا تاجر وماحدا حكى معو.بس أبو رودي قامشلو كتير قوي بالبحر وخاصة بين تركيا واليونان وبنص ساعة بكون وصلك عشي جزيرة يونانية.
والله أنا برأي أبو دلو كوباني أقوى منهون كلون عالقليلة بطلعك بالطيارة، صحيح بيطلب 10 الاف يورو لأوروبة و14 الف لبريطانيا بس ياخي جوازاتو كلها اورجينال والفيز اللي عليها نظامية،بس بدو الواحد يكون قد حالو وما يتلبك في المطار.أنا بقناعتي أبو ديار عفرين أحسن من الكل قالولي الشباب (مصدر غير موثوق) أنو بيجيب جوازات أوربية أصلية شبيهة وبيطلعك من مطار استنبول"
هذا هو جزء من الحديث اليومي المتعب الذي يدور بيننا (النفرات) لأنك بلغة المهربين تجار البشر نفر أي تساوي من 6 إلى 14 ألف يورو حسب الطريقة التي ستختارها طبعاً هنا الاستغلال ليس من المهرّبين فقط بل من أشخاص آخرين انتهازيين يستغلون حاجة الناس فيقومون بالاتفاق مع بعض المهربين لجمع النفرات وأخذ عمولة على كل راس أو الذهاب مجاناً إذا أحضر عدد جيد من الأشخاص يعني بيسموه سمسار صغير .
محاولة أولى فاشلة
أول محاولة لي كانت عن طريق البحر حيث اتفقت أنا وأصدقائي مع مهرب يهرب بالباخرة لكنها باءت بالفشل من أن تبدأ لانهم لم يستطيعوا أخذنا للباخرة نتيجة تواجد خفر السواحل بكثرة. طبعاً هناك شي مهم لابد ان أذكره وهو الصراع بين العقلانية والمغامرة لديك ففي بداية الأمر تكون العقلانية هي الغالبة لديك وتضع شروطك مع المهربين بما يخص الطعام والشراب وحجم الباخرة وكيفية الصعود والنزول في موانئ ايطاليا ولكن كلما طالت فترة بقاءك في تركيا وانت تنفق من مالك الذي جمعته بالكد والعرق وزادت عليك الضغوط النفسية تصبح روح المغامرة هي السائدة.
بعدها كانت هناك محاولة بر فاشلة لأصدقائي إلى اليونان لم أشارك فيها، حيث أخذهم المهرب الى منطقة جبلية عالحدود مع اليونان وتركهم هناك بين الأحراش الى حين ترتيب الرحلة لكنه غدر بهم وتركهم هناك بدون طعامٍ أو شراب فاضطروا الى مشي مسافات كبيرة في تلك المناطق الجبلية الوعرة، انقذتهم حبات التمر والقليل من الماء وجهاز آي فون فيه خدمة تحديد المواقع حتى وصلوا إلى مدينة مأهولة ومنها استأجروا سيارة لتقلهم ثانيةً إلى استنبول.
الطائرة.. الملاذ .. الكابوس!!
بعدها قررت أن حاول مع مهرب الطيارة وفعلاً تم الاتفاق معه ولكني لم أكن أملك المال الكافي ألا وهو 9500 يورو. فعقد معي صفقة وهي أن أخذ معي نفرين كوني أتحدث اللغة الانكليزية بطلاقة وأستطيع أن أتدبر أمرهم معي مقابل أن يحسم لي مبلغ وقدره 2200 يورو فوافقت ثم قمنا بتأمين المبالغ عند مكتب للتأمين وهذه المكاتب بحد ذاتها مغامرة كبيرة حيث أنك تضع مالك عندهم وتأخذ مقابل ذلك ورقة صغيرة مكتوب عليها شيفرة يأخذها منك المهرب عند الوصول.
وجاء موعد الرحلة بعد أن ترتبت جوازاتنا وبطاقات سفرنا .انطلقنا من مطار استنبول إلى مطار أوغندة ،افريقيا وبقينا هناك ثلاثة أيام في فندق خمس نجوم كوننا أدعينا أننا تجار شاي وقهوة ومن هناك قمت بحجز التذاكر اثنتان إلى النروج لي ولشخص آخر يدعى ابراهيم والثالثة كانت لشخص يدعى حج احمد الى الدنمارك.
وفعلاً بدأت رحلتنا بشكل جميل وانطلقنا من مطار أوغندة باتجاه مطار الشيخ حمد في الدوحة حيث سيتم تغيير الطائرة ومن ثم إكمال الرحلة وهناك أوصلت الحجي الذي يبلغ من العمر حوالي 65 سنة إلى بوابة الدنمارك وأكملت وإبراهيم بحثنا عن بوابتنا ووصلنا هناك وبدأ الناس بالذهاب نحو البوابة ،ولكن فجأةً جاءت دورية أمن مؤلفة من ثلاثة أشخاص يرتدون بزات رسمية سوداء وبدأوا بفحص الجوازات.
أخذ جوازي وتمعنه، وقمت بالحديث معه ثم ابتسم في وجهي وقال لي رحلة سعيدة فلم أصدق انني اجتزته وأني ذاهب للطائرة ولكن سرعان ما تغير كل شي وحدثت الكارثة حيث انكشف أمر رفيقي وألقي القبض علينا قبل الرحلة بنصف ساعة ولا أعرف كيف أصف شعوري وأنا أنظر الى الناس وهم يصعدون الى الباص الذي سيقلهم الى الطائرة أو سماعي للنداء الأخير للمسافرين على متن الخطوط القطرية الى النروج. انتهى كل شي وتحول الحلم الى كابوس، بعدها تم التحقيق معنا وأخذ بصماتنا وإرسالنا مرة اخرى إلى تركيا وذلك بوساطة موظف تونسي في الشركة القطرية تعاطف معنا كوننا من كوباني وحيث أن قناة الجزيرة كانت تبث المعارك الدائرة وقصف قوات التحالف للمدينة والذي كان يدمر كل شيء.آخر محاولة لي كانت عن طريق البحر حيث كان المهرب المنسق من كورد جمجمال من كوردستان والمهرب الرئيسي من كورد تركيا وباختصار كانت المحاولة أشبه بليلة اختطاف من قبل المافيا .
تم نقلنا بواسطة باصات من استنبول إلى منطقة ساحلية تبعد حوالي 70 كم من استنبول واستقبلنا مجموعة من الرجال ذوي الاجسام الضخمة مع الضرب على الضهر بقوة والشتم بغية الاستعجال في دخول ذاك المبنى المهجور والذي تيبن انه كان ثكنة عسكرية فيما مضى. عندما دخلت المبنى شاهدت وجوهاً غريبة ولغات أغرب، أفغان، ايرانيين افريقيين، كورد بجميع لهجاتهم وعرب وبدأت المشي فوق زجاج مكسر يصدر صوتاً مزعجاً والهواء البارد يلفح وجهنا مع أصوات بكاء الأطفال الذين لم يتناولوا شيئاً منذ البارحة .هنا قررت العودة فأعلنت عن رغبتي، فانقسمت المجموعة بين مؤيد ومعارض ووصلت المسألة إلى حد الشجار.
بدأ الوقت يمضي ببطء مع دخول أحد الرجال لطمأنتنا بقرب موعد الرحلة وأنهم قد جهزوا لنا ماء وبطانيات وتمر من أجل الرحلة ومع البعض من العبارات الوطنية أنه كوردی وأنه أخ لشهيد وكلنا أخوانه.
وجاء منتصف الليل ولم يحدث شيء، الساعة الواحدة، الثانية، الثالثة، الرابعة فنزل أحد الرفاق إلى الأسفل ثم عاد مسرعاً وأخبرني أن المجموعة التي كانت تحرس المبنى لم يبق منهم أحد ولقد عينوا بعض النفرات من أجل حراسة الباب ومنع الناس من الخروج فقررت أن أتأكد بنفسي، وتوجهنا الى الشوارع. لكن سرعان ماتحوّلت شوارع تلك المدينة العسكرية الى سيل من البشر حيث تبعنا معظم الناس الذين كانت تقدر أعدادهم بحوالي 600 شخص خائفين من المبادرة والخروج ثم استأجرت تكسي مع بعض الرفاق وتوجهنا إلى استنبول مجدداً لينتهي كل شيء. بعد كل تلك المحاولات الفاشلة تعبت، وقررت أن أعود إلى عائلتي ثانية.
لا أدري ماذا أقول لنفسي وللذين ماتزال لديهم الرغبة بالرحيل وأنا منهم والقيام برحلة المعاناة والأمل، رحلة البحث عن بديل الوطن ولكن هيهات فلن تجد أحن من أهلك عليك ولا أجمل من تراب أرضك وياسمينات دارك.
ريزان عثمان



