الفن من أجل الاستقلال

الفن من أجل الاستقلال

Rojava News: يبقى الفنان جزءا حيويا من ضمير شعبه. فهو فرد في مجتمع له خصوصياته، ويسعى الفنان ليكون أحد العناوين البارزة لشعب ووطنه بكل ما فيهما من خصوصيات. الفنان الكردي مرهون بواقع شعبه المحروم من الحريّة ووطنه المجزأ بين الاوطان. صحيح ان المحارب الكردي (على اختلاف تسمياته) لابد وان يكون على درجة عالية من الوعي الذاتي والجمعي بحيث يسترخص الروح دفاعا عن شعبه ووطنه. وللشعب الكردي سجل حافل من التضحيات والمضحين في سبيل حرية الكرد واستقلال كردستان، خصوصا شهداء الثورات والانتفاضات الكردية المتتالية طوال القرنين الماضيين، مع هذا يمكننا القول بأن الفنان انسان مضحي من أجل الوطن والشعب بصيغة أخرى. فالفنان ينذر كامل حياته من أجل رفعة شعبه واستقلال وطنه. ولنا الكثير من الامثلة في هذا المجال، ويبقى التفاوت في مديات استعداد الفنانين للتضحية والعمل من اجل الوطن والشعب، مسألة واردة تماما بحكم اختلاف الاشخاص من حيث الاستعداد للتضحية والسير نحو آفاق ومشاوير مختلفة لجهة ادامة العمل والاصرار في الموقف. لكن الشيء الذي لا يمكن نكرانه، هو ان جميع الفنانين الكرد مخلصون لشعبهم وصادقون في انتمائهم الوطني، وكل واحد منهم يقدم ما باستطاعته وبما تسنح له الظروف لخدمة شعبه وقضيته الانسانية العادلة.

 

الفنان الكردي (دارا محمد علي) من جنوبي كردستان، ومنذ انهاءه الدراسة في معهد الفنون الجميلة في بغداد في سبعينيات القرن الماضي، التزم في فنه كرسام كردي نهجا قوميا، خصوصا وانه دراسته الاكاديمية كانت في العاصمة العراقية التي كانت من ابرز المدن على مستوى العالم العربي من حيث الريادة الفنية وتطور الفن التشكيلي الذي اتسم بطابع ثقافي عربي(محلي)، هذا الامر حفّز الرسام دارا وغيره من التشكيليين الكردستانيين للبحث عن خصوصية ثقافية في نتاجاتهم الفنية، بالاستناد الى تراث شعبهم وخلفيته الثقافية. وهكذا نشهد ظهور أجيال من الفنان التشكيليين الكردستانيين ممن أرسوا الاسس لطابع كردي/ كردستاني في الفن التشكيلي. ولعل الخطوات الاولى لهذا الطابع المحلي في الحركة التشكيلية الكردستانية في جنوبي كردستان قد ارست اسسها على التراث الكردي والثقافة الكردستانية والتأريخ والموروث الحضاري، الى جانب البيئة والطبيعة الكردستانية.

 

وكل هذه المراجع شكلت معينا لا ينضب لرفد الفنانين بمواد ومفردات ومواضيع قابلة لاعادة انتاجها بصريا. وفي هذا المضمار استعان دارا بموروث الادب الشفاهي الكردي وانتج عددا من الروائع الفنية حول قصص الحب والغرام واساطير البطولة وسير ابطال شجعان من تأريخ كردستان اتصفوا بالمروءة والفروسية العالية. وقد واجه هذا الرسام كأقرانه من الفنانين التشكيليين الكردستانيين الكثير من المضايقات من جانب سلطات الاحتلال البعثية (1968-2003) خصوصا ازاء مسعاه لتجسيد الطابع الكردي لفنه وابراز الرموز والآيقونات الكردية الدالة بصريا على وجود ثقافي لشعبين في بلد يعرف بالعراق. وهذه الحقيقة كانت تتعارض مع الطروحات الايديولوجية ذات الافق الضيّق لحزب البعث، وهذا شكل تقاطعا خلق جوّا من الشكوك المتبادلة بين رموز سلطات الاحتلال والنخب الفنية الكردستانية، اضطرّ ازاءها العديد من الفنانين التشكليين الكرد الى الهجرة الى الخارج او الانخراط في صفوف الثورات الكردية التي تواصلت حتى عام 1991.

                                  

الفنان دارا محمد علي والكثيرين من أمثاله استطاعوا الصمود ومواصلة العمل في المدن الكردستانية حتى تحرير جنوب كردستان اثر انتفاضة آذار/1991. وهذا الصمود من جانب النخب الفنية عموما والتشكيليين خصوصا، شكل معينا معنويا للجماهير الكردستانية التي كانت متعطشة للحرية والعيش الكريم. وقدر تعلق الامر بالمنجز الفني للرسام دارا وتجربته الفنية، يمكن الاشارة الى مسألة خاصة باسلوبه الانشائي وتقنياته الفنية. والده كان نجارا يصنع نوعا من الاثاث الخشبي الشعبي الكردي يعرب بـ(سندوق)، حيث كانت تسخدمه الاسر الكردستانية لخزن الملابس بداخلها، ورصالفرش والبسط واللحف وباقي مستلزمات المنام فوقها. وكان يتم تزيين واجهة الـ(سندوق) بالصور المرسومة على الزجاج، ولعل من ابرز هذه الرسوم هي صورة البراق (الفرس الذي أقل الرسول الكريم يوم المعراج الى السموات)، في اشارة من الحرفيين الكردستانيين الى اهمية حضور العامل الروحي في حياة الانساني الكردي.

 

حرفة الوالد تركت بصماتها على فن الابن، حيث باتت هذه الحالة جزءا لا يتجزء من ثيمة اللوحة لدى الرسام دارا. بصمات الذاكرة الطفولية التي تم تغذيتها عبر التحديق في رسوم وزجاج ومرايا الاثاث الذي كان يصنعه الوالد، ظلت عالقة في ذهن الفنان الى يومنا هذا، وبذلك فقد اتصف فنه بخصوصية تجسدت من خلال وجود اللوحة بداخل اللوحة. أو انك تجد أكثر من لوحة أو مشهد في العمل الفني الواحد.

 

من المفيد القول بأن الفنان دارا يواصل مشواره الفني جاعلا من الهم القومي لشعبه جزءا حيويا بل اساسيا من مجمل فنه. يوم 20/تشرين الثاني الماضي أفتتح الفنان معرضه الثامن عشر تحت عنوان (الاستقلال.. حامل جميع قيم الجمال) في قاعة ميديا وسط العاصمة هولير. واذا كان دارا يصرح اليوم علنا عن فحوى أعماله وعموم منجزه التشكيلي كفنان ملتزم بقضية شعبه، فانه بالأمس كان على نفس المسار وذات المنحى مع حقيقة مساعيه وباقي التشكيليين الكردستانيين لمؤائمة خطابهم مع ظروف الزمان وصروف الدهر، من دون الافراط بهدفهم الانساني الذي يجعل من الخطاب البصري وسيلة لغاية في منتهى السمو، الا وهي حرية شعب واستقلال وطن.

 

اليوم نرى ان الواقع السياسي في جنوبي كردستان، رغم كثرة التحديات الداخلية والاقليمية، يؤشر الى بزوغ شمس دولة كردستان الجنوبية، هذه الدولة التي أرست الاسس الاولى لها منذ اندلاع انتفاضة عام 1991، حيث واصلت التطور والنمو لتصبح حاليا بحكم دولة واقع حال غير معلنة، خصوصا وان الحكومة العراقية الحالية قد قطعت كل أسباب الديمومة والتواصل بين اقليم كردستان واقليم العراق العربي. والأهم هو ان الاستقلال مطلب صريح للشارع الكردستاني الذي لم يتراجع عنه رغم كثرة المعوقات التي تحيط به، بل ان الاستقلال تطلع دائمي حي في ضمير كل كردي. والنخب التشكيلية الكردستانية جعلت من خطابها البصري خطابا يعبر عن ضمير امة محرومة من حق الحرية والاستقلال، ومن هذا المنطلق يعد فن دارا نموذجا طيبا وخطابا جماليا صريحا حول التطلعات المشروعة لأحد أعرق أمم الشرق حاضرا وفي التأريخ.

 

ضم المعرض مختارات من أعمال الفنان المنجزة خلال الاعوام الثلاثة الأخيرة (2014- 2016)، وأحد المواضيع الأكثر بروزا ضمن لوحات المعرض كانت كارثة شنكال التي عبر عنها الفنان باشكال وصيغ عديدة، حيث يسعى من خلال استعراض آلام تراجيدية تقديم المبررات الواقعية والمنطقية لمطلب الاستقلال الكردستاني.ولم يفته الاشارة الى ان شعبه على استعداد دائم للتضحية دفاعا عن حرّيته. وقد أنجز الفنان أعماله هذه بألوان ومواد مختلفة (ألوان مائية، ألوان زيتية، حبر صيني، أقلام الفحم والرصاص، الورق والكانفاس.. الخ). وفي هذا المعرض يواصل الفنان دارا ادامة اسلوبه وتقنياته الفنيّة، يرسم (كما أشرنا) اللوحة داخل اللوحة. واستعان في الكثير من الاحيان بتقنية الكولاج بمواد مختلفة أو احيانا لجأ الى تقطيع وتجزءة اللوحة الواحدة ونثر الخطاب البصري فوق مساحات متفاوتة متجاورة ومتوازية، ليفسح لنفسه المجال لايصال أكبر قدر من الرموز والتعابير الجمالية، خاصة وانه فنان يمتلك تجربة حوالي نصف قرن من العمل والعطاء المتواصل.

 

يبدو ان مفهوم الاستقلال شديد الحضور في ذاكرة الفنان دارا، لذا لم يكتفي بالتعبير عن ذلك من خلال الخطاب البصري المتجسد عبر الالوان والخطوط، بل ان الحروف والكلمات والجمل المكتوبة باللغة الكردية تحولت الى مفردات تكررت في العدد الأكبر من لوحات المعرض، وكأنه يحاول التعبير عن الاستقلال بكل السبل والطرق ولكي يتحول هذا المطلب الى مرآة عاكسة لحلم شعبه الكبير.

 

ومن أجل الدخول في تفاصيل فحوى المعرض الشخصي الثامن عشر للفنان الكردستاني دارا محمد علي، كان لنا معه الحوار التالي:

 

*لماذا الاستقلال عنوانا لمعرضك الأخير؟

-في الحقيقة ان القضية لا تتعلق بعنوان مشروع معرضي هذا فقط، بقدر ما أنا بحاجة للتمتع بالاستقلال، كي يتيسر لي وبمنتهى الحرية في أن اتنفس هواء الصدق والحقيقة، لأن جميع قيم الجمال تشرق في جوهر الاستقلال، تنفس الحرية هو تنفس الخلاص والانعتاق، سواء أكان على مستوى الفرد أم المجتمع. عليه فان جميع الخطوط والالوان في هذا المعرض تتحدث بصريح العبارة عن الاستقلال.

 

*الى أي حد تتحدث أعمال معرضك هذا عن مفهوم الحرية وتعبر عنه؟

-لوحاتي واعمالي الفنية ليست فقط في هذا المعرض تتحدث عن الاستقلال، كلا، لو قمت بمراجعة لأعمالي السابقة طوال مسيرتي الفنية، تحس من خلال خطابي البصري بالآمي ومخاضاتي كفنان تشكيلي كردي، خصوصا على مستوى التزامي باللغة والتمسك بالأرض والتأريخ وبجميع القضايا السيادية لشعبي. الاستقلال بات مصيرا ولن أتخلى عنه حتى أناله في يوم ما. أعمالي كانت دوما تشكل بانوراما تعبر عن مآسي وتراجيديات شعبي المتواصلة.

 

*هل يمكن أن توضح لنا مفهوم الاستقلال في لوحاتك؟

-انعكاس مفهوم الاستقلال بالنسبة لي ليس بعيدا أن يلد مع بقعة لون، أو ربما يشرق من عمل تخطيط نابع من الروح أو من أعماق الباطن، أو ربما يجتمع الاثنان ويعزفان معا وبالألوان والخطوط الحان الاستقلال لي ولك وللجميع، وهو بالنتيجة اللوحة العظمي للاستقلال المنجز، حيث تتوفر بيئة ينعم فيها الكرد بالرخاء.

 

*ما هو تقويمك لواقع الفن التشكيلي في جنوبي كردستان؟

-هذا السؤال يحيلني الى مبادرة طرحتها على وزير سابق للثقافة في اقليم كردستان تتضمن تحديد يوم للتشكيليين الكرد. لقد استحسن الوزير الفكرة، وهذا يعني بأن هناك تفهم للفن التشكيلي ودوره بالشكل الذي يقتضي لفتة جادة. والعروض التي تشهدها القاعات والغاليريات تعد دليلا آخر على حضور التشكيل وحضوته. وكذلك متحف أربيل الفني في محطة القطار القديمة في أربيل والتي هي حاليا تحت الانشاء، يعد اضافة واشارة قيّمة اخرى لواقع الفن التشكيلي الكردي، علاوة على عروض تشكيلية تقام في كردستان وفي الخارج. كل هذه الامور ومع كل المنغصات التي تعصف بواقعنا، فان الفن التشكيلي لم يرضخ بل انه ينمو ويتطور يوما بعد آخر، ومن هنا اوجه النداء الى السلطات بأن تولي الاهتمام بالفنون التشكيلية، لأن الفنون هي المقياس الأهم لرقي وتقدم الأمم والشعوب.

 

*لماذا لم يتحول الفن التشكيلي الى جزء من حياة المواطنين في كردستان؟

-الذنب هنا ليس ذنب الفنان، لأن الفنان يتطلع الى أن تتحول اعماله الى جزء من حياة مواطنيه، فالمنجز الفني بالنسبة لمبدعه يعتبر علاجا للفنان على المستوى النفسي والجمالي والراحة الروحية. باعتقادي العلة في السوق المحلية التي تروج للوحات المستوردة التجارية عديمة القيمة، وطالما كانت هذه السوق رائجة فان واقع الفن التشكيلي في بلدنا لن يكون بأفضل من وضعه الحالي، بل ربما يتراجع أكثر فأكثر. انه لمن العار أن نقوم بتعليق لوحات أجنبية على جدران مبانينا االعامة والخاصة.

 

إعداد وحوار: طارق كاريزي

 

Rojava News 

Mobile  Application