ملحمة حمو وكرو موسكي

ملحمة حمو وكرو موسكي

Rojava News - هولير: حقيقة كانت امسية روجآفائية طيبة جمعتنا مع الاستاذ القدير علي شيخو برازي في العاصمة هولير. هذه الامسية أثبتت بأن للأدب والنخب الثقافية دور مشرّف يمكن أن تنهض به وتضطلع بمهامه مهما كانت قساوة الظروف. فالاستاذ الباحث علي شيخو برازي يعيش في هولير بعد أن اضطر للنزوح من مسقط رأسة مدينة كوباني، ونحن نعرف قساوة الحياة في ظل ظروف النزوح ومغادرة الارض والخلان، خصوصا وان اقليم كردستان يعيش حاليا ظروف استثنائية وهو يخوض معركة شرسة ضد قوات داعش الظلامية منذ حوالي ثلاثة أعوام، علاوة على حرب (اقتصادية/ مالية) أكثر شراسة أعلنها المالكي ضد الاقليم قبل حرب داعش وعجزت حكومة العبادي عن معالجتها حتى الآن.

بدعوة مباشرة من الكاتب والباحث علي شيخو برازي حضر جمع غفير من النخبتين الثقافية والسياسية ومتابعي ومحبي الادب والثقافة من ابناء كردستان سوريا المقمين في هولير امسية اقيمت يوم 18/كانون الثاني في مقر لجنة آشتي المحلية للحزب الديمقراطي الكردستاني وسط العاصمة بمناسبة حفل توقيع الاصدار الجديد (ملحمة حمي وكرو موسكي) باللغة الكردية للباحث علي شيخو برازي. لقد كانت امسية عبقت بالادب وروح التراث والثقافة الكردية. ويأتي اصدار هذا الكتاب على النفقة الشخصيّة للباحث كدليل عملي على اسهامه وباصرار على رفد المكتبة الكردية بالجديد من المطبوعات، علاوة على شجاعته في انفاق جزء من موارده المحدودة الخاصة خدمة للثقافة. ومن المهم الاشارة الى علي شيخو برازي رسام ومصمم ايضا الى جانب كونه باحثا وكاتبا، فقد نضّد فحوى الكتاب وصممه ورسم صورة غلافه أيضا.

لقد تحولت القاعة الفسيحة التي اقيمت فيها الاحتفالية الى طقس كردستاني سوري بامتياز، حيث تحدث مقدم حفل الامسية عن الباحث بكلمة موجزة ومعبرة، ثم طلب من الشاعر برهان زيباري ليقدم كلمة ومختارات من اشعاره القومية والوطنية. ولم يبخل الزيباري في تقديم سرد موجز ومركز عن تأريخ ونضالات الكرد من اجل نيل الحرية والاستقلال، بعدها قدم اضمامة من أشعاره الوطنية التي الهبت حماس الحضور وأنستهم برد الشتاء. بعدها قدم الباحث علي شيخو برازي نبذة عن ملحمة (حمي وكرعو موسكي)، حيث أبلى هذان الفارسان الكرديان خير بلاء في مقارعتهم للسلطات العثمانية والظلم الذي كانت تمارسه ضد الكرد آنذاك.

هكذا يهدى الباحث ثمرة جهده الطيب هذا الى "كل من يحترم تأريخ شعبه، كل من وظّف القلم والقرطاس لخدمة امته، لرجالات اسرة موسكي." وكتب الكاتب الكردي صالح بوزان مقدمة الكتاب والتي جاء فيها "نحن كتاب كردستان سوريا تأخرنا من حيث الالتفات للتراث والادب الشفاهي لشعبنا، حيث منذ أن ظهر التلفاز والهاتف النقال وشبكة النت، بات الصبية والشبان لا يطلبون من امهاتهم سرد القصص والملاحم لهم. والمغنون تراجعوا كثيرا (عن ممارسة دورهم المعهود والمشرّف في انشاد الملاحم وسرديات الغرام والبطولات على مستمعيهم كما كان معهودا في المجتمع الكردي)، ومع رحيل الشيّاب والمعمرين فأن شمس الادب الشفاهي لشعبنا يسير نحو الافول. لذا فانني ارى بأن الاستاذ علي شيخو قد امتلك الشجاعة والاقدام أكثر منّا جميع الكتاب الكرد والاحزاب والقوى السياسية من حيث الالتفات لخزائن تراث شعبنا."

ويتابع الاستاذ القول في مقدمة الكتاب "تأريخ الشعب الكردي غني جدا بالادب الشفاهي. وغني ايضا من الناحية الوطنية، والكرد شعب غني من حيث تراثه الاجتماعي وقصص الحب والغرام، وهو اجمالا غني في مجال الادب. باختصار يمكننا القول بأن الفلكلور هو بيت الثقافة الكردية." ويبدي شكواه وأسفه حيال عدم اهتمام النخب الكردية بالادب والتراث الشفاهي لشعبهم حيث يقول "يا له من خجل كبير حيث ان الكاتب الفرنسي (ليسكو) قد دون ملحمة ممي آلان من افواه سكان عفرين وقام بطبعه."

ويشير كاتب المقدمة أيضا الى ان البروفيسور الكردي الارميني الجنسيّة جليلي جليل كان ياتي من أرمينيا الى كردستان سوريا ويتنقل بين القرى والبلدات الكردستانية ليجمع الادب والتراث الشفاهي الكردي، والذي باتت الاجيال الجديدة لا تعرف شيئا عنه بعد ان اكتسحت التقنيات جميع مجالات حياة الانسان. وأكد بأن الذي قام به الاستاذ علي شيخو برازي بجمع وتدوين ومن ثم طبع ملحمة (حمي وكرعو موسكي) عمل عظيم وسعي كريم للمحافظة على التراث الكردي وصيانته من الضياع.

وقد تحدث الباحث علي شيخو برازي في الامسية، مثلما تحدث في الكتاب أيضا عن فحوى الملحمة وبطليها حمي وكرعو من حيث مقارعتهم للسلطات العثمانية وذودهم عن حرية واستقلال مناطق البرازية. فهو على قناعة تامة بأن الادب الشفاهي يعد من أهم أقسام الفلكلور، خصوصا النصوص الشعبية التي تحتل منزلة مرموقة في حياة الافراد والمجتمع عموما. هذه النصوص التي، مثلما يؤكد الباحث، هي التي تقوم بصياغة الاحداث والذكريات والآلام والمعاناة الشعبية، وتحولت الى مرآة عاكسة لواقع الاحداث التي عصفت بكردستان وشعبها وتداعياتها التالية وما شابها من مآس وويلات.

ويشير الباحث الى ملحمة الشابين الموسكيين (حمي وكرعو) كونها من الملاحم القومية المهمة لدى الكرد، وقد كان تأثيرها كبيرا على الشعب الكردي. مع ان احداث هذه الملحمة قد وقعت في منطقة سروج (برسوس) المتاخمة لمدينة كوباني في شمال كردستان والمناطق المجاورة لها، الا انها سرعان ما انتشرت سردياتها كالهيب في الهشيم في اغلب مناطق كردستان، ورددها منشدو الملاحم في قرى ومدن كردستان. هذه الملحمة انتشرت من خلال انشادها من قبل العشرات من المغنين وقراء الابيات الحماسية وباتت جزءا من تراث الادب الشفاهي الكردي ونصوص الحماسة والبطولة التي يزخر بها الادب الشفاهي الكردي.

هذه الملحمة كغيرها من الملاحم الحماسية الكردية نص سردي لحادثة حقيقية وقعت احداثها على مدى عقود في كردستان، حيث امتنع البرازيون (برازي: البرازية) كاحد التجمعات العشائرية الكردية المؤثرة وصاحبة النفوذ والبأس الشديد عن تنفيذ فرمانات العثمانيين وعدم استعدادهم لتجنيد أبناءهم في الجيش العثماني وامتناعهم عن دفع الضرائب للجباة العثمانيين. وقد قاد الشابان الكرديان حمي وكرعو التمرّد ضد العثمانيين والذي سرعان ما تحول الى انتفاضة شاملة ضد السلطات العثمانية.

انتفاضة الكرد البرازية بقيادة حمي وكرعو استمرت لسنين عدة في عهد السلطانين العثمانيين محمد الثاني ونجله عبدالمجيد الاول، وقد اشارت العديد من الوثائق العثمانية الى احداث هذه الانتفاضة. ويعتقد الباحث علي برازي بأنه كان لهذه الانتفاضة العديد من الاهداف القومية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وقد كان قائدا هذه الانتفاضة حمي وكرعو يتمتعان بنفوذ واسع وكانت السلطات العثمانية تهادنهم أحيانا وتعلن الحرب ضدهم في الكثير من الاحيان، حيث استمر نفوذهما لمدة نصف قرن، أي منذ مطلع القرن التاسع عشر حتى عام 1845م حتى استطاعت السلطات العثمانية بخطة كيدية اغتيال قادتي الانتفاضة (حمي وكرعو)، حيث واصل العثمانيون توسيع جهودهم لقمع واخضاع البرازية خلال الفترة (1799- 1845ز).

ومن المهم الاشارة الى بحث قيّم كتبه الباحث صالح بوزان عن هذه الملحمة ونشر في الصفحات (15- 26) من الكتاب، حيث قدم الباحث متابعة تأريخية ومعلوماتية عن الملحمة وخلفياتها ودوافعها وتداعياتها التالية.

وبعد ذلك يكون القارئ أمام نص الملحمة المنشورة في الصفحات (27- 56) من الكتاب والتي تضمنت 36 مقطعا ملحميا، حيث من المعلوم بان المغنون والمنشدون وقراء الملاحم الكردية يقدمون هذه النصوص على شكل مقاطع مغناة لتجد لها أوسع قدر من الترويج بين الجمهور المستمع من مختلف القطاعات والشرائح. ويختتم الباحث كتابه بـ(كلمة أخير) عن مبدع نص الملحمة وكيفية انتشارها كجزء من الادب الشعبي الكردي.

                                        

طارق كاريزي

Rojava News 

Mobile  Application