روناك عزيز.. الفن وجود إنسي

روناك عزيز.. الفن وجود إنسي

Rojava News: الفنانة الكوردية (روناك عزيز) إنطلقت كهاوية لفن الرسم، وعنوان هذا المقال الذي يسعى لتقديم مناقشة أولية لمنجزها التشكيلي، (... الفن وجود انسي)، وهنا كلمة (انسي) مشتقة من كلمة (الانسان)، والقصد من ذلك هو ان فنها شديد الارتباط بالانسان، بل ان مجمل اعمالها تتخذ من الانسان محورا لها. ويبدو بشكل واضح تماما، ان حلمها يمتد عبر الافق الانساني، ليحلق بجناح الألوان والمفردات في عنان سماء الخيال. انها الانسانة (الفنانة) القادمة من الهموم الانثوية التي تعصف بعالم الانثى، خصوصا في بلادها والشرق عموما، وربما الغرب بشكل أو بآخر.

تجربة الرسامة روناك عزيز تجربة بنت عشقت الرسم منذ الطفولة "كنت منذ الطفولة مولعة بفن الرسم"، لم تقرر الانخراط  في هذه الحرفة عن سابق اصرار، بل نمت الموهبة شيئا فشيئا وبشكل عفوي. استطاعت عام 2000 ان تنال البكالوريوس في الرسم من كلية الفنون الجميلة (جامعة بغداد). انها فنانة بجذور كوردية من كركوك، أمضت الشطر الأعظم من حياتها في بغداد. وقد انعكست الالوان البغدادية ونمط الثقافة البغدادية (العربية) في لوحاتها. فهي استمدت التكوين الانشائي لمفردتها المفضلة (الانثى) من الارث الحضاري العراقي. شكل البنت يتجسد في لوحاتها على هيئة تماثيل لسيدات من العراق القديم (أو ربما آلهة سومرية أو بابلية) انتشرت تماثيلهن في المتاحف العراقية والغربية. ملكة مملكة اور، او عازفة قيثارة هذه المدينة التاريخية المندرسة، ها هو الشكل الانثوي في صورته المثلى يتجسد عبر الحضارة الرافدينية.

أعمال الفنانة روناك تظهر صلة عميقة بالبيئة التي تربت فيها، بعدها عن بيئة كوردستان حرمها النهل من الخزين اللوني والمفرداتي الذي توفره بيئة بلاد الكورد. وتتنقل الرسامة (روناك) أثناء ممارسة حرفة الرسم بين عالم الحلم والواقع، بين التصور والمتخيل، الواقع وتفسيراته المتباينة، لتقدم لنا لوحات تعبر عن ضميرها الذي يبدو ان القلق قد غزاه، ورسم أحرفا شكلانية معبرة عن تصورات حياتية (خصوصا في شطرها الانثوي) من قبل الرسامة.

الرسام العراقي الكبير (نوري الراوي) كتب عام 1999 عن أحد معارضها يقول: "العزيزة روناك، في معرضك الأول اطلالة على المستقبل سعيا للوصول الى مدينة الاحلام.. ألف جناح يخفق، و ظل غيمة بيضاء يصل الى القلب، يرف قليلا ثم يسكن، لأن عين القلب هي التي تنظر.. وفي هذه اللحظات السعيدة، أجد ان عاشقة البنفسج هي التي تعشق الحياة، وتذوب وجدا في أحلامها.. من الاعماق أبتسم لكل نبرة لون.. ولكل نبضة قلب.. فلك المستقبل، شلالا من ضوء).

يبدو ان تقنيات رسم اللوحة لدى الرسامة روناك، تتبع نمطا معروفا يندرج ضمن المدرسة العراقية (البغدادية) الحديثة في الرسم. انها كرسامة تفضل الألوان الزيتية على غيرها، وهي في الحقيقة تتنقل عبر مدى تجريبي واسع من حيث استخدام الالوان والاستفادة من الكولاج وتطعيم اللوحة بمواد مختلفة. تستخدم الألوان بكثافة واحيانا بسطحية (القصد من السطحية هو استخدام كم قليل وطبقة خفيفة من الألوان) لتجسيد المفردات وجزئياتها وبلورة اللوحات. انها تعيش تجربة رسم تحت ظلال خزين أفكارها. واللوحات التي أنجزتها حتى الآن تعد رصيدا لا بأس به، يمكن من خلال الاعتماد عليها الانطلاق في تجربة فنية أكثر عمقا. سبق وأن أقامت ستة معارض شخصية في بغداد، اصبحت تدريسية في مديرية النشاط المدرسي في كركوك خلال الفترة (2005- 2010). وتولت ادارة جمعية دجلة للفنون في كركوك.

ولعل تمركز أعمالها حول المرأة وتبنيها كقضية انسانية، يمنح أعمالها الكثير من الدفق، وتجربة اقامتها في السويد (منذ 2011 تعيش في مدينة يوتوبوري) ستكون فرصة مواتية من حيث الاطلاع على خزائن المنجز التشكيلي السويدي (والاوربي عموما) وكذلك الاستفادة من مواد وتقنيات الرسم المتاحة هناك.

يمكن القول من خلال استقراء تجربتها الفنية، بإن أعمال هذه الفنانة وتجربتها من حيث تعاطيها مع عملية انتاج اللوحة ولملمة أجزائها واتمام ثيمتها، بأنها تعيش تحت طائل نوع من التوجس، ربما هو انتقال للقلق (أو شيء من الخوف والتردد) من ذهنية المنتجة (الفنانة روناك عزيز) الى ذات المنتج (اللوحة). وهذا يؤشر لحالة واردة في الفنون، فالوصول الى الطمأنينة الكاملة وتحقيق صفاء الروح المنشود، غاية سامية من غايات الفنون. مع ان المنجز الفني هو نتاج القلق أو الخوف أو التوجسات، لكن الغاية من الفن هي بلوغ مقام الطمأنينة وتحقيق السعادة نفسيا وروحيا. لعل أهم شيء يمكن التصريح به هنا، هو أن المستقبل كفيل بأن نشهد ارتقاء تجربة هذه الفنانة أكثر فأكثر، خصوصا اذا استطاعت ادامة مشوارها الفني و مواصلة تجربتها الحرفية التي تقود في النهاية الى التوصل الى مستوى راق من الانجاز الفني، اضافة الى امتلاك أبجدية الابداع. فنحن حقيقة أمام تجربة بنكهة خاصة، ولو استطاعت روناك أن تنهل من رافد ثقافة شعبها الكوردي وتراثه، فانها تمهد بذلك الطريق للوصول الى فن أكثر غنى وحسية.

 

طارق كاريزي

Rojava News 

Mobile  Application