طارق كاريزي: ألف عام من الأدب في كركوك

طارق كاريزي: ألف عام من الأدب في كركوك

مع ان ثلاثة من كبار الأدباء والاكاديميين الكورد (علاء الدين سجادي، البروفيسور معروف خزندار و د. صديق بوركيي) قد رفدوا المكتبة الكوردية بمؤلفات قيمة عن تاريخ الأدب الكوردي. وهي حقيقة مؤلفات غنية وثقت رحلة الكلمة الكوردية لأكثر من (21) قرنا الى جانب اشارات، خصوصا لدى علاءالدين سجادي في سفره (تاريخ الأدب الكوردي) الى ماضي الأدب الكوردي في عصوره القديمة، الا ان مصادر تاريخ الأدب الكوردي الثلاثة بمجلداتها الاحد عشر، لم تستطع تغطية كافة نواحي وعطاءات هذا الأدب ذي التاريخ الطويل والمتشعب، خصوصا وأن هذه الكتب قد ألفت في القرن العشرين، أي في وقت قد ضاعت فيه الكثير من النصوص الكوردية في ظل التقلبات الدراماتيكية والحروب والصراعات المتواصلة التي عصفت بكوردستان والشعب الكوردي.

ومن خلال تتبع ماضي وحاضر الحواضر والأقاليم التي رفدت الثقافة الكوردية، يعثر الباحث على حقائق جديدة تتعلق بتاريخ الأدب الكوردي وخفاياه التي مازالت مجهولة حتى الآن. ومن خلال استقراء سيرة العطاء الثقافي لمدينة كركوك كمثال، يمكننا التوصل الى ان هذه المدينة تعد من المدن العريقة وربما الأقدم في عطائها الثقافي ورفدها تأريخ الأدب الكوردي المدون بنصوص خالدة. وطبقا للآثار والنصوص الباقية حتى الآن، فان تاريخ الأدب الكوردي في كركوك يمتد لأكثر من ألف عام. ولعل الأدب الكوردي في هذه المدينة، خصوصا الشعر، وبحسب النصوص المنشورة حتى الآن، يأتي بالتزامن مع ظهور الشاعر الصوفي الشهير بابا طاهر الهمداني، الذي يتعبره أول مؤرخ للأدب الكوردي (علاء الدين سجادي) بمثابة حجر الزاوية في مسيرة الأدب الكوردي بعد الاسلام، وأول شاعر كتب بالكوردية الحديثة (باللهجة الكرمانجية الجنوبية: اللرية) قبل أكثر من ألف عام. وبحسب د. صديق بوركيي في كتابه باللغة الكوردية (كركوك أول مدينة كوردستانية)، فان شعراء كوردا ظهروا بالتزامن مع بابا طاهر الهمداني في كركوك، والمدهش ان شاعرا مثل (بير أحمد كركوكي) الذي عاش في القرن الحادي عشر الميلادي (476- 563هـ) قد كتب أشعاره بالكوردية الحديثة (اللهجة الكرمانجية الوسطى: السورانية).

بير أحمد كركوكي بن نصرالله الشهرزوري ولد في كركوك. دخل مضمار الدراسة منذ صباه. درس قواعد اللغة العربية والأدب الفارسي لدى والده. تابع تحصيله في العديد من مدن وبلدات منطقتي هورامان وشهرزور (حدود كركوك والسليمانية وسنندج الحالية). تنقل بين كتاتيب هاتين المنطقتين طالبا تحصيل العلوم الدينية، ونال شهادة التحصيل الديني من قبل الملا عبدل الشهرزوري ثم عاد الى كركوك، وتابع حياته فيها ملتزما بالوعظ والارشاد والتدريس حتى وفاته عام 563هـ ودفن في مقبرة المصلى في الشطر الجنوبي من المدينة.

اقترن بير أحمد منذ ريعان شبابه بـ(زري خانم) بنت قلندر بك، له أربعة أبناء (قانون بك، ميره بك، شالي ميرزا  ودرويش). ابناه شالي و درويش هاجرا الى قصر شيرين واستقرا هناك. وقانون غادر الى تلعفر واستقر فيها وعرفت ذريته باسم اسرة سيد يونس. كان شاعرا بليغا، تتسم اشعاره بالسلاسة والرقة والكثير من أشعاره تم تدوينها في كتاب سرنجام المقدس لدى اليارسان (الكاكيي). وهذا يعني ان الشاعر بير أحمد ربما كان من اتباع ديانة اليارسان. الملاحظة الجديرة هنا بالاشارة، هي ان المتعارف عليه بأن الكتابة باللهجة الكرمانجية الوسطى (السورانية) ضمن مضمار تاريخ الأدب الكوردي قد شاعت منذ ان أسس البابانيون مدينة السليمانية واتخذوها عاصمة لهم وذلك نهاية القرن الثامن عشر، وهناك من يقول بإن التدوين بهذه اللهجة قد ظهر قبل ذلك التاريخ في كركوك. ومع تعرفنا على نتاجات بير أحمد كركوكي، يمكننا الركون الى حقيقة جديدة تقول بإن التدوين بالكرمانجية الوسطى يعود الى بدايات ظهور الأدب الكوردي باللغة الكوردية الحديثة، أي منذ القرن الثاني والثالث للهجرة. خصوصا وأننا نجد ترجمات من اللغة الكوردية الى اللغة العربية قد حصلت في القرون الأولى للهجرة.

كركوك بجغرافيتها الحالية التي تقلصت كثيرا، تضم متحدثين بثلاث لهجات (من أصل أربع لهجات) كوردية رئيسة، الاغلبية هم من الناطقين بالكرمانجية الوسطى الى جانب نسبة لا بأس بها من المتحدثين باللهجة الكورانية وكذلك نسبة قليلة من المتحدثين باللهجة الكرمانجية الجنوبية. وهذا يعني أن هناك مساحة واسعة من القاموس اللغوي الكوردي والذي كان أكثر سعة عندما كانت كركوك عاصمة لاقليم شهروز قبل مجيء العثمانيين ومن ثم عاصمة لولاية شهروز ابان العهد العثماني. وشهدت كركوك ظهور عشرات الشعراء الكورد طوال القرون العشرة للألفية الثانية للميلاد. هؤلاء الشعراء كتبوا أدبا رفيعا باللهجتين الكورانية والكرمانجية الوسطى.

لعل المشكلة التي تواجه الباحث في تاريخ الأدب الكوردي في كركوك وعموم كوردستان، هي ضياع القسم الأكبر من نصوصه المدونة، أو ربما تسربها الى مكتبات ومتاحف الكتب والمخطوطات في الدول التي تقتسم الجغرافية الكوردية أو في الدول الاوربية وروسيا. ولعل التلميح الوارد في احد أبيات الشاعر شيخ رضا طالباني،( ولد في بداية القرن التاسع عشر وتوفي في مطلع القرن العشرين) تشير الى شيوع حركة الأدب وكثرة الشعراء في ذلك الزمان. ومن حسن الحظ فان محاولات نبيلة بذلها الباحثون الكورد في القرن الماضي، وفي مقدمتها تحقيقات العلامة عبدالكريم المدرس ونجليه (محمد وفاتح) والأخوين موكرياني (حسين حزني وكيو)، وكذلك الباحث محمد علي قرداغي واسهامات أخرى من قبل آخرين، قد أثمرت عن انقاذ مخطوطات شعراء من كركوك ظهروا في القرون الثلاثة الماضية، أمثال رنجوري وسيد أحمد جباري (من القرن الثامن عشر)، وشيخ رضا طالباني وملا فتاح جباري وخليل منور وفقي قادر هموند وجوبان كاكيي وآخرين كثيرين (من القرن التاسع عشر)، الى جانب عدد كبير من الشعراء الذي ظهروا في نهايات القرن التاسع عشر وقضوا الشطر الأعظم من حياتهم في القرن العشرين، وفي مقدمتهم اثيري (الذي ورث مدرسة الشعر القومي التي ارسى أحمدي خاني أسسها وطورها حاج قادر كويي)، وصابري ولطفي وملا عباس حلمي وهجري دده وغيرهم الكثير.

وعند التحدث عن تاريخ الأدب الكوردي في كركوك، من المهم التحدث عن التعددية اللغوية في المدينة كجزء من تراثها الثقافي الثري، فكركوك رفدت الثقافة بأكثر من لغة حية متداولة في المدينة، كالكوردية والسريانية والتركمانية، الى جانب شيوع الكتابة بلغات أخرى كالعربية والفارسية باعتبارها لغات ثقافية ودينية. وأغلب الكتاب والشعراء والعلماء ورجال الدين والعلم من الكورد في هذه المدينة، كما في عموم كوردستان، قد كتبوا وألفوا بلغات غير الكوردية، كالعربية والفارسية والى حد ما التركية العثمانية. بل ان شاعرا مثل شيخ رضا طالباني الذي يعد رائد شعر الهجاء في الأدب الكوردي يمكن أن يدخل تأريخ الأدب لدى ثلاثة شعوب متجاورة (الكورد والترك والفرس) عن جدارة، فديوان هذا الشاعر يتوزع على ثلاثة أقسام متساوية تقريبا، مع انه من أرومة كوردية ورفد الأدب الكوردي بتحف شعرية نادرة، لكن أشعاره بالفارسية والتركية العثمانية لا تقل أهمية عن أشعاره الكوردية.

وبغض النظر عن التعددية اللغوية لدى عدد غير قليل من الشعراء الكلاسيكيين الكورد في كركوك، فان القسم الأعظم من النتاج الثقافي الكوردي (أقول الكوردي كون المؤلفين والمصنفين هم من الكورد) في هذه المدينة قد دون باللغة العربية كونها لغة النص المقدس و لسعة انتشار هذه اللغة بين الكورد المسلمين أيضا، وكذلك باللغة الفارسية باعتبارها لغة الأدب وتمتلك رصيدا غنيا. بل ربما اجتهدت النخب الثقافية آنذاك لاظهار قدراتها وتفوقها من خلال امتلاك ناصية أكثر من لغة غير اللغة الأم الشائعة بين العامة.

Rojava News 

Mobile  Application