كتب هوشنك أوسي للحياة اللندنية :"واهمٌ من يعتبر أن التوتّر الحاصل بين إيران وتركيا، سواء في سورية وقبلها في العراق، وعموم منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، هو الأصل والجوهر المعبّر عن حقيقة العلاقة بين هاتين الجارتين التاريخيتين اللدودتين، وأن تركيا الأردوغانيّة، باتت تمثّل الإسلامي السياسي السنّي في مواجهة تمدد واستشراء النفوذ السياسي والعسكري الإيراني - «الصفوي» - الشيعي. ذلك أن إلقاء نظرة فاحصة على طبيعة ونتائج العلاقة بين أنقرة وطهران، خلال العقد والنيّف الأخير، يخلص إلى نتيجة مفادها: تركيا الأردوغانيّة ليست سوى الوجه الآخر لتركيا الأتاتوركيّة، لجهة البراغماتيّة وترجيح كفّة المصالح الاقتصاديّة والأمنيّة على كل الثرثرات و»الهوبرات والعنتريات» التي لطالما دأب بعض الإسلاميين «المتبعثنين» على إثارتها حول مركزيّة تركيا في تمثيل السنّة في مواجهة الشيعيّة السياسيّة؛ الإيرانيّة - الخمينيّة.
«إيران الشاه» و»إيران الخميني» كانتا تنظران إلى تركيا بوصفها المنفذ الوحيد الى أوروبا والغرب، كذلك «تركيا الأردوغانيّة» وقبلها «تركيا الأتاتوركيّة»، كانتا حريصتين على «إلا يفسد الخلاف الســـياسي الودّ الاقتصادي المتنامي بينهما». أبعد من ذلك، إيران التي كانت تستهدف تركيا أمنيّاً واقتصـــاديّاً وســـــياسيّاً، في منـــتصف الثمـــانينات وحتّى نهاية التسعينات، عبر دعم «العمال الكردستاني»، ودعم «حزب الله» التركي، لم تردّ تركيا عليها بالمثل، عبر دعم الحركات الإسلاميّة أو العلمانيّة؛ العربيّة، الأذريّة والكرديّة المعارضة لطهران، لا في الحقبة الأتاتوركيّة - العلمانيّة، ولا في الحقبة الإسلاميّة - الاردوغانيّة!، بل سعت أنقرة إلى تطوير العلاقات الاقتصاديّة مع طهران.
وتجدر الإشارة إلى أن الأخيرة، حاولت استهداف «الكردستاني» بعد مجيء حزب «العدالة والتنمية» للحكم، لكن لم يكن ذلك الاستهداف الاستراتيجي والجذري، القاطع لدابر العلاقة مع الحزب نهائيّاً. بدليل استمرار العلاقة بين الطرفين، وتطوّرها، بخاصّة بعد اندلاع الثورة السورية على نظام الأسد.
ومع معرفة مدى الضلوع الإيراني في المذبحة المفتوحة التي تشهدها سورية، ودعم طهران اللامحدود لنظام الأسد ضد الشعب السوري، كان بإمكان تركيا ممارسة الضغط الاقتصادي وحتى العسكري على إيران، لو كانت جادّة في مسألة دعمها للثورة السوريّة. ولكن، قد يقول قائل تركي: ولماذا تتخذ تركيا ما لم تتخذه الدول الأوروبيّة وأميركا، والدول العربيّة مجتمعة، في استهداف إيران والضغط عليها للحدود القصوى؟!.
بالعودة إلى حبل الودّ التركي - الإيراني، وزيارة رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو الأخيرة لطهران، وحجم الاتفاقات الاقتصاديّة المبرمة بين الجانبين، وتسريب مسؤول إيراني كلاماً جديداً، سمعته طهران من أنقرة، بخصوص الأزمة السوريّة، وطلب الأتراك من الإيرانيين التوسّط لدى الروس لتطبيع العلاقات بين أنقرة وموسكو، في مقابل ســعي تركيا إلى الوساطة بين إيران والسعوديّة،... غالب الظنّ أن التسريب صحيح. ولكن، الأسئلة التي تطرح نفسها هنا: إلى أي مدى يمكن تركيا إقناع إيران بالكفّ عن استهداف أمن واستقرار منطقة الخليج ؟! ثم أي من الوساطات التركيّة، الإقليميّة أو الدوليّة، وجدت طريقها للنجاح، حتّى يمكن الاعتداد بها والاعتماد عليها في ما يخص الوساطة التركيّة المقترحة بين طهران والرياض؟!.
القلق والهاجس التركي من الكرد السوريين، كان الأكثر حضوراً في لقاء داود أوغلو مع المسؤوليين الإيرانيين. وطلب أنقرة من طهران عدم دعم أي مشروع يمكن فيه للكرد السوريين أن يحظوا بدور أو بشكل من أشكال الإدارة (الحكم الذاتي أو الفيديرالي)، في سورية المستقبل، بخاصّة بعد أن طرح الروس صيغة الفدرلة لمستقبل سورية. ونتيجة «توتّر» العلاقات بين أنقرة وموسكو، طلب داود أوغلو من الإيرانيين التوسّط لدى الروس بهدف إقناعهم بالعدول عن هذه الصيغة، وأن أنقرة مستعدّة لتقديم تنازلات مهمّة للروس بخصوص سورية، ومنها ما يتعلّق بمصير النظام في حال استجابت موسكو طلب أنقرة.
أنقرة ستكون مع بقاء نظام الأسد، شريطة عدم ذهاب سورية نحو فدرلة، يتمتّع فيها الكرد بإقليم خاص، يشابه إقليم كردستان العراق. واعتقد بأن هذا هو «الجديد» الذي سمعه الإيرانيون من داود أوغلو. ذلك أن انقرة، التقطت طرح الروس صيغة الفيديراليّة لمستقبل سورية، على أنه تهديد لتركيا، بجعلها أمام خيارين: إمّا الأسد وإما الفيديراليّة السوريّة التي يحظى فيها الكرد بإقليمهم الخاص. وبالتالي، مثلما رضيت تركيا على مضض بإقليم كردستان العراق، ستكون مجبرة على القبول بإقليم كردستان سورية .
وغالب الظنّ أن طرح موسكو للفيديراليّة كمشروح حل مستقبلي لنظام الحكم في سورية، كان الهدف منه ترويع تركيا والضغط عليها، لا أكثر. وأن موسكو غير جادّة في هذا الطرح، وربما تكرر تجربة ستالين في دعم جمهوريّة «كردستان» في إقليم مهاباد سنة 1946، للضغط على نظام الشاه. ثم نفض اليد من دعم تلك الدويلة الكرديّة، بعد الحصول على تنازلات من نظام الشاه. ما أسفر عن إعدام رئيس جمهوريّة كردستان في مهاباد، وقتذاك، من قبل النظام الإيراني."



