كتب حسن أبو هنية لصحيفة الرأي :
"شكلت ظاهرة الإسلام السياسي أحدى القراءات التأويلية للإسلام في إطار الدولة الوطنية الحديثة في العالمين العرب والإسلامي، وهو مصطلح إشكالي يشير إلى تحول جماعات إسلامية من حركات هوياتية إحيائية خلال المرحلة الكولينيالية الاستعمارية، والدخول في مسارات التسييس خلال تشكل الدولة الوطنية، وقد أغرت دينامية التحولات إلى الديمقراطية إبان الموجة الثالثة مع نهاية عقد الثمانينيات من القرن الماضي جماعات الإسلام السياسي في العالم العربي بمزيد من التسييس، وبلغت مساراتها التسييسية ذروتها عقب حقبة الربيع العربي، الأمر الذي خلق تحديات على مكونات الإسلام السياسية الإيديولوجية والتنظيمية، فقد تعمقت داخلها أزمة تستند إلى تدبير العلاقة بين الإسلام والحداثة، وتمظهرت عبر جدل العلاقة بين الديني والسياسي.
لقد فرضت تحولات الإسلام السياسي وممثله الأبرز جماعة الإخوان المسلمين، تحديا على الأنظمة السياسية التي دخلت مسارات التحول الديمقراطي يقوم على مقاربة الاعتدال ـــ الإدماج، وهي مسألة أساسية للحفاظ على كيان وشكل الدولة، خشية من الانقلاب على بنية وهوية الدولة، وبهذا نشأت حالة فريدة تتنازع فيها حركات وحكومات المنطقة الرمادية، وهي حالة تكونت من نشوء أحزاب إسلامية شبه سياسية تتموضع داخل المنطقة الرمادية، فمن رحم الأنظمة شبه السلطوية تتشكل حركات وأحزاب شبه سياسية، الأمر الذي ينطبق على جماعة الإخوان المسلمين، فهي حركة تعرف نفسها كجماعة إصلاحية أممية عالمية تهدف إلى استئناف الخلافة وتطبيق الشريعة، ويتجاوز نطاق عملها ونشاطها الدولة الوطنية، وإذا كانت قد استهلت نشاطها كحركة هوياتية إحيائية، إلأ أنها دخلت العمل السياسي مبكرا كاستراتيجية لأسلمة الدولة والمجتمع، وبهذا فهي تتجاوز المعنى التقليدي للأحزاب السياسية في الأنظمة الديمقراطية، التي يتمثّل جوهر عملها في تقديم البرامج الانتخابية، والتعبئة والحشد من أجل الانتخابات، ومحاولة الحصول على الأغلبية النيابية، وصولا إلى تشكيل الحكومة وتولي الحكم.
تحول جماعة الإخوان المسلمين إلى حركة شبه سياسية تعزز مع تحولات الأنظمة شبه السلطوية، الأمر الذي خلق لدى الجماعة نزعة تسييسية للتكيّف مع تغيرات البيئة السياسية، لكن ما رافق التحولات السياسية من منافع ومكاسب ظاهرة، أغرى الجماعة بمزيد من «التسييس»، لكنه في المقابل دشن خلافات وانقسامات داخل الجماعة تتعلق بهويتها الإيديولوجية والسياسية، ودورها وأهدافها، سوف تتدحرج وتولّد حركة هجينة ملتبسة الهوية والمشروع والهدف، وتعصف بمكوناتها وأجنحتها، والمراوحة بين الإيديولوجية والبراغماتية، ذلك أن «التسييس»، يفرض على الجماعة الدخول في تكيّفات ضرورية للانخراط في العملية السياسية، وكلما تغلغلت في العمل السياسي وجدت نفسها تبتعد عن النظر الإيديولوجي، وتنساق إلى تعديل مواقفها وخطاباتها، بما يتناسب مع التزاماتها الجديدة في القبول بالديمقراطية والتعددية وتداول السلطة السياسي والانخراط في تحالفات مع أحزاب وقوى أخرى، وابتعدت عن التفكير في خيارات العنف والعمل المسلّح، ودفعت باتجاه تطوير المسار الديمقراطي، لما يحققه من مكاسب ومكافآت تعود عليها بالفائدة، لكن نزعة التسييس تتطلب التضحية بمنافع عديدة، وبهذا فإن ديناميكية التحول تخلق مزيدا من الأزمات، حيث تختلف الأنظار في حسابات الكلفة/ المنفعة.
يشير مفهوم «التسييس» بحسب طه عبد الرحمن إلى: «إفراد الجانب السياسي بالقدرة على الإصلاح والتّغيير، على اعتبار أن قيمة الفرد تنحصر في الفوائد والآثار السياسية التي يتركها أو يتلقاها في نطاق اجتماعي تتشابك فيه الاختيارات المذهبية، والمصالح السلطويّة، والتنازعات على مراكز القوة»، الأمر الذي «يجعل من التّسييس آفة تضرّ بالحركة، إصلاحيّة كانت أم ثوريّة، وذلك أنه يجرها من حيث لا تشعر إلى ألوان من التّصارع والتّغالب والتّحاقد والتّكايد، الأمر الذي ينحرف بها عن المجرى الإنسانيّ الذي ربما كانت تخطِّط في البداية للسير فيه.
أحد المداخل المنهاجية في تفهم أزمات جماعة الإخوان المسلمين خصوصا والإسلام السياسي عموما، لا يقتصر على نزعة التسييس في سياق نظام شبه سلطوي، وإنما بطبيعة الدولة العربية الحديثة، التي يطبق عليها طه عبد الرحمن تسمية «الدولة المشتبهة»، وهي «الدولة التي تمارس نوعا من «تسييس الدين» يتميّز بالجمع بين المقتضيات العلمانيّة للحداثة والمتطلبات الإيمانيّة»، حيث تسعى الدولة المشتبهة جاهدة إلى أن تحيط بالممارسة الدينية في جملتها معتبرة أنها شأن عام يدخل في نطاق مسؤوليتها واختصاصها، وليس كما هو الحال بالنسبة للدولة العلمانية، شأنا خاصا يرتبط بالفرد وحده.. ولا تكتفي الدولة المشتبهة بأن تتسلط على العمل الديني تسلطها على العمل السياسي، بل أكثر من ذلك ، تحرمه مما تأذن به للعمل السياسي، وتستند الدولة المشتبهة في سلوكها (التسيّدي/ التسلطي) بحسب عبد الرحمن، إلى حجتين اثنتين: أحدهما، أن التنافس التعبدي يؤدي إلى التطرف في المواقف وإنكار المخالف، في حين أن الإدارة الحواريّة تحتاج إلى التوسط في الآراء والاعتدال في الرؤى. والأخرى، إذا كان وجود «الديمقراطية» في المجتمع يمكّن من إيجاد آليات لإدارة النزاع السياسي، فإن وجود «الأصوليّة» فيه يمنع من إيجاد آليات لإدارة الخلاف الديني. ويطلق على الحجة الأولى «حجة التطرف الديني»، وعلى الثانيّة «حجة التعارض بين الأصوليّة والديمقراطيّة».
إشكالية العلاقة بين الإسلام السياسي والدولة الوطنية لا تقتصر على منازعة الدولة لشرعيتها السياسية، بل تتجاوزها إلى التشكيك بهويتها الدينية، ذلك أن مقاربة الدولة للإسلام في هذا النوع من الدول بحسب سيد فالي نصر: «كانت نفعية بحتة، بل مفضوحة بشكل كبير، فقد كان هناك فترة زمنية محدودة تمكنت فيها الدولة من السيطرة على السياسة الإسلامية. وبما أن الدولة لا تخضع لعملية تحول ثقافي؛ فإنها لا تستطيع أن تتحدث نيابة عن الإسلام، وعليها أن تعتمد على القوى الإسلامية وإيديولوجيتهم، لكي تمدها بالدعم. إن العلمنة المتأصلة للدولة، ووصايتها المحدودة على سياسة الإسلام الخاصة بها؛ تعني: أن أي تحالف بين القوى الحكومية والإسلاميين سوف ينتهي في نهاية المطاف، إلا أن القوى الإسلامية خلال هذه العملية، حازت موطئ قدم لها في الساحة السياسية، كما عملت الدولة على تطوير درجة معينة من الوعي والشرعية الإسلامية.. فقد كانت سياسة الدولة الخاصة بالإسلام سياسة رقابة وسيطرة على الميدان العام»."



