نوري بريمو: مسودة مشروع دراسة "سياسية ـ قانونية" حول النظام اللامركزي (الإتحادي ـ الفدرالي) في سوريا

نوري بريمو: مسودة مشروع دراسة "سياسية ـ قانونية" حول النظام اللامركزي (الإتحادي ـ الفدرالي) في سوريا

مقدمة: بعد مئة عام على اتفاقية سايكس بيكو، وبمرور يوم 15 آذار 2016م، تكون الثورة السورية قد أكملت سنتها الخامسة ودخلت السادسة من عمرها المُعَمَّد بدماء السوريون بعربهم وكوردهم ومسيحييهم ودروزهم وغيرهم من المواطنين المدنيين الأبرياء المكتوين بنيران هذه الدوامة العنفية المندلعة بلا رحمة، ولايزال الزمن يمضي والحبل على الجرار رغم أنّ التضحيات بلغت ذروتها لا بل حطمت مختلف "أرقام غينيتس القياسية" وإجتازت توقعات أهل سوريا وتكهنات كل المعنيين بهذا الشأن الذي بات متأججاً ويُطبَخ على صفيح ساخن قد يؤدي إلى إحتراق الطبخة السورية بكل ظواهرها وبواطنها وتجلياتها الحاضرة والمستقبلية.

وفي هذا الخضم والسياق نفسه، وقبل أيام أحيا الشعب الكوردي الذكرى الثانية عشرة لإنتفاضة آذار 2004م الكوردية التي راح ضحيتها العشرات من الشهداء برصاص النظام السوري، ورغم أنّ هذه الذكرى أليمة ووطأتها ثقيلة على الشعب الكوردي، إلا الكورد الذين لم ولن ينسوا جراحهم قد آثروا أن يعتبروا انتفاضتهم جزءا من الثورة السورية لا بل فاتحتها لأنها سبقتها بعشر سنوات، وفي كل الأحوال فإنّ الكورد متضامنون مع كافة السوريين اللذين لن يحيوا ذكرى الثورة السورية فهي ماتزال مندلعة وقائمة ولم تتحول إلى ذكرى وهي واقع مرير وأمرُّ من المرّ بعينه، ولأنّ السوريين لايزالون يعيشون في قلب الحدث ويعانون من الويلات بأشكالها وألوانها، ويتصدّون للبلاء الأعظم المتجسد بنظام الأسد الديكتاتوري الذي يلعب لعبة الوقت لصالحه ويحرق البلد ويستهدف البشر والحجر.

ورغم أنّ شهداء الثورة السورية قد فاقوا نصف مليون والمعتقلين والجرحى والمعوقين والمهجّرين صاروا بالملايين، وأما عن تفاصيل المأساة "الخراب والدمار والجوع والتشرد والقتل على الهوية والمجازر الجماعية والقصف بالكيمياء والصواريخ والبراميل المتفحرة وحملات التطهير الطائفي" فحدّث ولا حرج، إلا أنّ السوريين المُعتدى عليهم بالجملة قد إستطاعوا أن يعكسوا الآية لصالحهم وأن يقلبوا السحر على الساحر، إذ أبدوا منتهى الجرأة حيال هذا الإرهاب الممنهج الذي يمارسه هذا النظام الأرعن بمعية أعوانه الإقليميين ومجاميعه الإرهابيين الذين إستجلبهم من كل أصقاع الدنيا.

ومها اختلفت الآراء والمواقف حول التطورات الحاصلة في الثورة السورية التي طال أمدها وطفح كيلها وبلغ سيلها الذبى!، وحتى ولو قيل بأنّ هذه الثورة قد خرجت عن مسارها السلمي وتحوّلت إلى دائرة لا بل دوائر من العنفْ والعنفْ المضاد، فإنّ هذه الآراء لن تؤخر أو تقدم أي شيئ في المسارات والخيارات، وكما يُقال "إنّ الإختلاف في الرأي لا يُفسد في الود قضية"!، لأنّ الحقيقة ساطعة وتؤكد بأنّ الثورة كانت سلمية وطالبت بالحرية والكرامة وباسقاط نظام البعث وإنبثقت من رحم المجتمع السوري الذي تأثر بالربيع الشرق أوسطي كغيره من شعوب بلدان منطقتنا التي شهِدَتْ وقد تشهد تغييرات جذرية على شتى الأصعدة والمستويات.

ورغم أنّ ثمة ظروف وتوازنات ومصالح دولية وإقليمية وداخلية بالإضافة إلى حسابات وتحسُّبات كثيرة، قد أطالت أمد الثورة وأفسحت المجال واسعاً أمام نظام الأسد وحالتْ دون اسقاطه حتى الآن، إلا أنّ السوريين عقدوا العزم على المضي في ثورتهم ولم ولن يتراجعوا عن أهدافهم التي ثاروا من أجلها، عبر مواصلة الحراك بشتى السبل والوسائل لتحقيق ما يصبون إليه ولإسدال الستار على المشهد الأخير من الحقبة البعثية وللسير بسوريا نحو بناء دولة تعددية إتحادية ذات حكم لامركزي سياسي ودستور جديد يعترف ويُقرّ بحقوق كافة المكونات وينصف الجميع ويحقق الفدرالية لكوردستان سوريا.

وبناء عليه فإن هذه الثورة المُخَضّبة بدماء شهدائها الأبرار، قد حققت نجاحات لا يُستهان بها، سواءً في الساحة الداخلية على صعيد المعارك المتبادلة التي باتت تشهد صراعاً دمويا بين كتائب الجيش الحر من جهة والآلة العسكرية للنظام وكل مَنْ هبّ ودبّ من أجنداته لمناصرته من جهة أخرى، أو في الساحة الخارجية على صعيد السباق الدبلوماسي الذي تمارسه المعارضة بـ (الهيئة العليا للمفاوضات التي تضم أيضا المجلس الوطني الكوردي) في مختلف المحافل الإقليمية والدولية، ولعلّ النجاح الذي حققه ويحققه وفد المعارضة في جنيف2 وجنيف3، خير مؤشر ودليل على أنّ العد التنازلي لإسقاط نظام الأسد قد بدأ...وإنّ المستقبل لناظره قريب.

دراسة حول النظام الإتحادي "الفدرالي" المبني على مبدأ التعددية واللامركزية السياسية

منذ ما قبل 100 عام، أي منذ أن جرى تقسيم منطقة الشرق الأوسط بموجب اتفاقية (سايكس ـ بيكو) التي تم إبرامها وتنفيذها في عام 1916م، ومنذ أن طال هذا التقسيم بلاد الكورد (كوردستان) للمرة الثانية عبر التاريخ، خاض ويخوض بنات وأبناء شعبنا الكوردي كفاحاً ونضالاً سياسياً ونقاشات مستفيضة بحثـاً عن أية حلول للقضية القومية الكوردية العالقة منذ ذلك الحين الغابر، وقد أسهبوا في شروحات فكرية وسياسية حول واقع الحال الكوردي في ظل الراهن السوري الغائص في دوامة عنفية وسط محيط إقليمي مكتظ بالصراعات العنفية، ولكي لا تذهب هذه الجهود سدى وبلا أية نتيجة من المفيد أن نقترح وجهة نظر لا بل إقتراح محدد بهذا الصدد.

وسنتطرّق لتعريف اللامركزية السياسية والتعددية، ولنظام الدولة الديمقراطية والإتحادية المركبة (الفدرالية)، وقبلها سنقدم نبذة تاريخية أو تفسير أولي لمعنى النظم الحكمية اللامركزية ولمبدأ التعددية السياسية ولخيار الفدرالية كنظام سياسي وإداري ودستوري، ومن ثم الإنتقال من العام إلى الخاص للتباحث حول المبررات والضرورات التي يستدعيها المنطق العلمي للدخول في صلب الموضوع الذي نحن بصدد شرحه نظراً لأهميته وحيويته وحساسيته البالغة، وتلبية لحاجة كوردية ملحة ومقتضيات سورية أكثر إلحاحاً، خاصة وأننا مقبلين على عهد جديد.

وبما أنّ غالبية بلدان الشرق الأوسط أضحت تمرّ حالياً بحالةُ مخاضٍ سياسيةً حقيقية أعقبت "الربيع العربي" الذي شهدته وتهدد معظم الدول كتونس وليبيا ومصر واليمن وسوريا والحبل على الجرار، إذ تجتازها رياح تغييرية تصحبها صراعات مصالحية وتحدّيات عنفية قد تنجم عنها نجاحات لا بأس بها لأطرافٍ كانت ولازالت مغتصَبة ومقهورة، وبالمقابل إنتكاسات لا يستهان بها لأطراف أخرى كانت ولاتزال مغتصِبة قاهرة...!؟، في حين تتلاحق الأحداث فتتداخل في خِضمِّها مختلف الملفات والمسائل.

ولما كانت سوريا تـُعتبَر أنموذجاً من تلك البلدان المتعددة القوميات والتي أضحت في واجهة أحداث الساعة في هذه الساحة الساخنة لابل الملتهبة للغاية، ورغم أنّ نظام حكمها بات أشبه ما يكون بِعيِّنة أو شريحة تحت مجهرية معُرّضة لمختلَف التحرّيات والتمحيصات والتحقيقات الدولية التي قد تطال رئيسه وكافة أركانه على خلفية إتهامات وجاهية لتلطخ أيديهم بدماء السوريين، ورغم كونه "أي النظام" متورّط بشكل صلف في قلب الأحداث كطرفٍ رئيسي في هذا التنافس الحدّي الجاري في المنطقة، إلاّ أنه لا يزال يرفض مراجعة ذاته وليس لديه أي إستعداد لحقن دماء السويين وتقبل أية حلول سياسية للأزمة المستعصية.

وبهذا الصدد فإنّ الجانب الكوردي في كوردستان سوريا، الذي كان المتضرر الأكبر طوال الحقبات السورية المنصرمة، سيبقى مؤمناً بحوار القوميات وتجاذبها لا صراعها وتنافرها، ويؤكد على الدوام بأنّ الخيار الأكثر إلحاحاً وإيجابية في هذه الحالة السورية هو التغيير الديموقراطي الجذري والإحتكام إلى منطق التوافق وعقلانية الانفراج السياسي وليس التعنيف وعسكرة الحلول .

وللعلم فإنّ أبناء الشعب الكوردي في سوريا المؤمنين بالتنوع العرقي والتعددية السياسية، يرون بأن دمقرطة البلد عبر بناء سورية إتحادية تتمَتُّع فيها كوردستان سوريا بالفدرالية التي هي من صلب حقوقنا القومية في ظل دولة لامركزية، لا يتعارض البتة مع مصالح وحقوق المكونات الأخرى في هذا البلد الذي هو بلدنا جميعاً دون استثناء، ونؤكد بأنّ تلك الحقوق في جوهرها هي جزء من مشروع ديموقراطي سوري، لن يتحقق إلا بالتوافق مع باقي تكوينات الطيف السوري، ونؤكد أيضاً بأنّ الحل الأنسب لسوريا المستقبل يكمن في إجراء عملية تغيير يساهم فيها الجميع دون أي إقصاء لأي شريك وخاصة الكورد الذين كان يتم تهميشهم مراراً، ذلك التغيير الذي من شأنه أن يعيد لكلِّ ذي حقٍّ حقه الطبيعيي كيفما يرغب وحيثما يريد دون أي صغط أو إكراه على أي طرف كان، علماً بأنّ أي تغيير أو إعادة بناء لا يمكن أن ينجح بمعزلٍ عن دور الكورد الذين تتوفر لديهم أرضية قبول للحلول وليس لأنصاف الحلول.

تعريف النظام الإتحادي (الفدرالي) ومقوّماته

هو صيغة حكم إتحادي توافقي سياسي متطور، بمثابة منظومة حكمية تتبع لنظام حكم ديموقراطي (تعدّدي ـ لامركزي) سياسي، تقوم بموجبها الدولة الإتحادية في إطار وحدتها وترابطها الجيوسياسي، بالإقرار الدستوري لشعب أو قومية أو جماعة دينية أو لغوية أو ثقافية أو...إلخ، ببعض الإستقلالية في ممارسة سلطاتها (التشريعية ـ والتنفيذية) والمشاركة وفق نسبة تواجدها السكاني في سلطة المركز الإتحادي الذي يبقى يحتفظ بحق الرقابة والإشراف على مختلف مفاصل إدارة البلد ولكن بشكل ديموقراطي لامركزي بعيداً عن إستفراد أية أكثرية بسلطة الدولة بمفردها.

وإنّ الحكمة والسبب في الأخذ بخيار الإتحادية (الفدرالية) هو تحقيق أهداف بعض الشعوب والأقوام والجماعات المحكومة المعنية بالأمر داخل البلد، وبما أنّ تطبيق مثل هذا الإسلوب الديموقراطي في إدارة الدولة الإتحادية يرتبط بوجود نطاق مناطقي جيوسياسي معيّن، فلابد من توفير شرط واحد على الأقل أوعنصر أساسي قبل التطبيق، ألا وهو إرتباط أو ملكية هذا المكوّن (القومي أو الديني أو المذهبي...) بالسكن في إقليم أو منطقة جغرافية محدّدة، ويتضح مما سبق بأنّ البقعة الجيوغرافية التي تمتلكها أية قومية يُعتبَر أساساً لابد منه للإعتراف لتلك الجماعة بالفدرالية، في حين ينبغي التأكيد على أنّ وجود مركّبة (القومية ـ الأرض) كثنائية غير قابلة للإنفصام هو أمرٌ ذو أهمية قصوى في مثل هكذا حالات حقوقية سياسية أو بمعنى أدق إستحقاقات قومية .

مبدأ اللامركزية السياسية في الحكم 

يُعتبَر التوافق ( السياسي ـ الديموقراطي) بين مكونات البلد، مبدءاً أساسياً في بناء الأنظمة التعددية الإتحادية أي "اللامركزية السياسية" التي تصون إستقلالية كل طرف وتحافظ في نفس الوقت على وحدة الدولة الإتحادية ومصالحها العليا، إذ أنّ مثل هذه الأنظمة تستطيع أن تجمع بطبيعتها الديموقراطية ما بين رغبة الأطراف بالإتحاد مع المركز وفق عقد توافقي سياسي جامع من جهة، وبين جنوح تلك الأطراف إلى نوع من الإستقلالية الذاتية والسعي تحت مناخات تلك الإستقلالية إلى أن يكون لكل جانب تشريعات ونظم محلية تتلاءم مع خصوصيته دون أن يؤثر ذلك سلباً على وحدة المركز .

وبناءً عليه يمكن تشبيه نظام وتركيبة الدولة اللامركزية، بنظام وتركيبة الذرّة المادية التي تتألّف من مكوّنات حركية تسبح في هيولى وفق حركة دائروية منتظمة حول نواة مركزية، وتبقى الذرة معتدلة أي محافظة على توازنها مادامت لاتتعرّض لأي تحريض أوشحن قد يؤدي إلى إحداث خلل (تجاذبي ـ تنافري) بين نواتها المركزية وباقي أجزائها التي تدور في فلكها...، مما يعني أنه كلما إنتظم تجاذب العاصمة مع الأطراف كلما توفّرت وإزدادت حظوظ نجاح الدولة...، خاصة وأنّه يبرز في مثل هذه النظم شعوران (متجاذبان ـ متنافران) في آنٍ واحد!؟، أولهما هو شعور التمسك بالإستقلالية الذاتية لدى كل طرف، وثانيهما هو شعور الدفاع المشترك عن وحدة وترابط الدولة من جهة أخرى!؟، وهنا تأتي إلى الواجهة مهمة جماعية غاية في الأهمية والحساسية، ألا وهي مهمة التوافق السياسي ما بين المصالح الخاصة للمكونات المختلفة والمصلحة العامة للبلد الإتحادي الذي يربط هذه الأطراف ببعضها ، الشيئ الذي لايمكن تحقيقه إلاّ عبر الحفاظ على التوازن مابين مزدوجة (الإستحقاقات ـ الواجبات) أي بين طرفي معادلة الحياة وسط مكوّنات الدولة الفدرالية .

نماذج تاريخية لبعض النظم التعدّدية الإتحادية "الفدرالية"

إنّ مفهوم اللامركزية السياسية التي من شأنها توفير نوع من الإستقلالية لأي مكوّن قومي أوديني أو...في أي بلد، يعني بما يعنيه توزيع السلطات بين المركز وباقي المناطق أو المقاطعات أو الأقاليم أو الولايات التي تسكنها شعوب أو قوميات تجمعها قواسم مشترَكة داخل الدولة الواحدة المتعددة المكونات العرقية أو الدينية أو الطائفية...إلخ, ويرجع ظهور الأنظمة الإتحادية "الفدرالية" كأنظمة حكم ديموقراطية إلى العهود اليونانية القديمة، إذ كان يجري تطبيق مثل هذه الأشكال من الحكم في بعض المقاطعات التابعة للإمبراطورية وذلك لأن تلك المناطق كانت تختلف عن أخواتها الأخرى، بتمايزات وخصوصيات كثيرة تدفعها نحو المطالبة بمنحها قدر من الإستقلالية عن مركز الدولة.

حيث كانت تلك المناطق المتمتعة بالحكم الفدرالي ترتبط بسلطة الإمبراطورية عن طريق هيئة لامركزية مشتركة ذات صلاحيات حكمية واسعة تمتد إلى كل أرجاء الإمبراطورية المترامية الأطراف، إذ كان لها وحدها حق إستصدار القرارات المصيرية المرتبطة بالحرب والسلم والمهادانات وما شابهها من القرارت المتعلقة بوحدة وأمن الأمبراطورية ومصيرها...، وقد حذى الرومان حذوَ اليونان في أسلوب ربط المقاطعات التابعة لهم بعاصمتهم ، وقد أختاروا في ذلك منح الأقاليم المنضوية تحت لواء سلطتهم نوعاً من الإستقلالية السياسية، في حين كانت تلك (المناطق - الأقاليم) التي يتم حكمها ذاتياً من قبل أهلها أي سكانها الأصليين، مرتبطة بالسلطة اللامركزية عن طريق هيئة أو مجلس (تشريعي - تنفيذي) لامركزي في روما .

وللعلم فأن نظام الخلافة الذي تم تطبيقه في العصر الإسلامي يشبه إلى حد كبير ما كان يطبق لدى الرومان واليونان وغيرهما من الإمبراطوريات القديمة، إذ أن الولايات (البلاد) التي كانت تابعة للخلافة الأسلامية على مدى عهودها الثلاثة (الراشدي ـ الأموي ـ العباسي) كانت تتمتع بنوع من الإستقلالية عن العاصمة، في حين كانت تتبع لمركز الخلافة في الجوانب المتعلقة بالسياسات الخارجية والدفاع، وقد أضطرت الدولة الإسلامية إلى إتباع مثل هكذا أسلوب في الحكم بعد أن توسّعت رقعة نفوذها بشكل أفقي لم يعد بوسع الخليفة بسط نفوذه بشكل مركزي على تلك الرقعات المترامية (المتباعدة مسافةً ـ المختلفة لغة ـ المتجاورة مجتمعية) عن بعضها البعض من الناحية الجيوسياسية، مما كان الخليفة الراشدي أو الأموي أو العباسي يلجأ إلى القيام بتعين ولاة وقضاة وحكام ومجالس شورى و..إلخ ، في الأندلس أو بلاد المغرب أو فارس أو الحجاز أو مصر أو الشام أو كوردستان أو حتى بلاد السند والهند وغيرها .

ليس هذا فحسب بل إن الخلفاء كانوا يمنحون أولائك (الحكام ـ الولاة) صلاحيات حكمية واسعة النطاق من أجل إدارة الشؤون والمحافظة على وحدة الدولة اللامركزية وحفظ النظام العام والأمن الداخلي وحل الخلافات وفتح مدارس للأهالي بلغاتهم الأم وتسيير الأمور المالية والإقتصادية وغيرها، حيث كان رعايا تلك الولايات الإسلامية يتمتعون بحق إستثمار مواردهم والدفاع عن ولاياتهم وحق التعلم بلغتهم والمحافظة على طقوسهم وعاداتهم وتقاليدهم وحتى أديانهم ومعتقداتهم القديمة في غالب الأحيان، أما السياسات والعلاقات الخارجية فقد كانت من صلاحيات مركز الخلافة والتي كانت في أحيان كثيرة ونظراً لضرورات المصلحة العامة تقوم بتخويل حاكميات الأقاليم للمناطق البعيدة قدراً لا يستهان به من صلاحيات تتعلق بالسياسية الخارجية للدولة حينما كان يصعب الوصول المباشر إليها كما كان يحدث في الأندلس الواقعة وراء البحار مثلاً...!؟ .

في حين لم يتم تطوير مثل هذه النظم الحكمية إلى النمط الفدرالي (الإتحادي) إلاّ في القرن الثامن عشر من قبل الولايات المتحدة الإميركية عام 1787م، حيث أتفق حكام كل الولايات على إعتماد صيغة النظام الفيدرالي كأساس ديموقراطي دستوري لتكوين الولايات المتحدة الأميركية التي تقطنها أعراق وأقوام مختلقة كثيرة ، وبذلك يمكن إعتبارها أول دولة يتم تشكيلها وفق هذا النمط من الحكم الفدرالي في التاريخ البشري المعاصر.

وإذا ما أخذنا بعين الإعتبار كل التجارب الحكيمة التي إحتكمت إليها البلدان والشعوب (المتجاورة جغرافياً ـ المتقاربة قومياً أو دينياً) عبر التاريخ البشري (القديم و الحديث) لوجدنا بأنه ليست هنالك أي وصفه حكيمة مسبقة الصنع أو جاهزه للتداول ، وإنما كل تلك النظم السياسية الدكتاتورية منها والديموقراطية ، جاءت تلبية لرغبات (ذاتية شعبية ـ موضوعية سلطوية) أو بناء على حاجة تلك الشعوب لتلك النظم الحكمية بقصد إدارة شؤونها سواء بنفسها أو تحت نير غيرها من الأمم الأخرى الأقوى منها إقتصاداً ونفوذاً وهيمنة .

ولذلك نجد بأنه حتى الأنظمة الحكمية "الفيدرالية" تختلف في شكلها ومضمونها عن بعضها البعض، لكونها أنظمة حكم تنجم عن توافقات سياسية إختيارية تتحاور وتتفاعل فيما بينها وتؤدي إلى إتحاد طوعي بين عدة قوى أو شعوب متجاورة أو مناطق جغرافية قريبة من بعضها أو مناطق نفوذ دينية أو سياسية تتوحد مع بعضها لتشكل معاً منظومه حكومية في شكل دولة إتحادية "فدرالية" مبنية على أسس وإرادة حرة...، وهنا أود الإشارة إلى أمر في غاية الأهمية فقد نختلف حول مسميات تلك النظم (إتحادي ـ حكم ذاتي ـ إدارة ذاتية ـ حكم محلي أو...إلخ) لكن ما يهمنا في الموضوع هو المضمون الذي ينبغي أن يتم التركيز عليه من قبلنا نحن فئة سياسيي اليوم الذين تقع على عاتقنا مهمة تعزيز الحراك السياسي الهادف إلى التغير الديموقراطي في منطقتنا الشرق أوسطية ، والذي بمقدوره تخليصنا من الأنظمة الأستبدادية والشمولية التي قبعت فوق صدور شعوبنا المتجاورة لعهود طويلة وغابرة ، والذي من شأنه الأول والأخير الإتيان بالبديل الديموقراطي الذي قد يجلب حالات حسن الجوار والسلم الأهلي والحياة الحرة الكريمة لشعوبنا من جهه والذي قد يوصلنا إلى توافقات سياسية ترضينا جميعاً وتلبي طموحات شارعنا وتجعلنا نبني معاً بلداناً عصرية تحكمها فضاءات ديموقراطية تعمل على توفير العيش السعيد لأهلنا الذين لم يهنئوا منذ أمد بعيد بأي نعمة من نعم المساواة والحياة الحرّة التي وهبها الله لبني البشر .

ورغم هذه الملاحظة أو تلك ورغم إختلاف منابتنا ومشاربنا وثقافاتنا وتوجهاتنا...!؟، ورغم ما حصل ويحصل فيما بين شعوبنا من سوابق مجحفة وإختلافات وإعتداءات على حقوق الآخرين...!؟، فإنه لا يستطيع أحدٌ منا أن ينكر بأن الدول الفدرالية (الإتحادية) قد باتت دولاً قوية مادياً ومعنوياً وقدراتياً ، وذلك نظراً لما تتمتع به هذه النظم (التوافقية ـ الإتحادية) من محاسن تعود بالفائدة الأكيدة على الشعوب المكوّنة لتلك البلدان ، ونظراً لما يتوفر في تلك الإتحادات "الفدراليات" من مقدرة على التسامح وتوزيع الصلاحيات بين المركز والأقاليم ، وفي نفس الوقت فإنّ عاصمة الدولة الإتحادية "الفدرالية" مثلاً تحظى بصلاحيات دستورية واسعة تفوق بكثير مما تنالة الأقاليم أو المناطق ذات الحكم الذاتي التي تتبع لتلك الدولة ، إذ يتم فرض قيود معينة على الأجزاء التي ينبغي أن تخضع لقرارات المركز ولو كان ذلك على حساب مصالحها المحلية ، وبموجب ذلك فأنّ الولاية الصغيرة التابعة تفقد داخل الإتحاد حق ممارسة سياستها الخارجية، في حين يكون المركز مضطّراً للتنازل بمقتضى الدستور عن بعض سلطاته الداخلية إن دعت الضرورة أو الحاجة .

ولذلك نجد أنّ الدولة الإتحادية "الفدرالية" تتعاطى مع أقاليمها بموجب قانون داخلي أو دستور متوافق عليه سلفاً ، وتخضع لأحكام القانون الدولي عندما تتعامل مع الأسرة الدولية التي هي بدورها لا تعترف سوى بسلطة المركز، وتستند الدول المتعددة القوميات في نشأتها إلى دستور يعمل على تنظيم الحكم فيها بشكل توافقي سياسي ما بين الدولة الإتحادية وبين المناطق أو الولايات المتحدة المكونة لها .

أما الدساتير الإتحادية "الفدرالية" فهي التي تحدد إختصاص وصلاحيات كل الشركاء ، لذلك فإن الدول الإتحادية تستمد قوتها وتماسكها وشرعيتها وقانونيتها من قوة المواد القانونية التي يتم تدوينها في الدستور الدائم بشكل توافقي إختياري وليس قسري، مما يتوّضح بأن الإتحادية "الفدرالية" هي عبارة عن نمط حكم سياسي إداري دستوري ، يعتمد اللامركزية السياسية بدلاً من المركزية المطلقة ، وللتوضيح أكثر فإن هنالك ثمة أنواع عديدة من الدول الإتحادية أو بمعنى أخر أنمط كثيرة من اللامركزية في حكم البلدان ، ويتم تشكيلها وفق أساليب ديموقراطية كثيرة .

أنماط الحكم الإتحادي "الفدرالي"

1ـ الإتحاد الطوعي الحرّ ويتم يشكيله بين مجموعة من الدويلات التي كانت مستلقة فيما مضى ، عبر تقاربهما وإعتمادهما لعقد سياسي إختياري يحدّد صلاحيات السلطة المركزية والأقاليم الإتحادية وذلك كلٍّ منها على حدى ، والدول التي تشكلت وفق هذا الأسلوب هي (كندا ـ الولايات المتحدة الأميركية ـ أستراليا ـ جنوب إفريقيا . الامارات العربية المتحدة) .

2ـ الإتحاد الإضطراري ويتم تشكيله عبر فدرلة أشلاء دولة أو إمبراطورية كانت قائمة ومن ثم تفككت لظروف سياسية أو إقتصادية عسكرية أوغيرها ، حيث تقوم تلك المكونات المتفككة عن بعضها بإعادة صياغة نموذج إندماجي بين المجالس الإتحادية والمجالس المحلية ، ولا يجوز التلاعب بهذه الصلاحيات إلا بعد إجراء إنتخابات أو إستفتاءات مباشرة بهذا الصدد أو عبر عقد سياسي يوضح صلاحيات كل طرف بموجب دستور إتحادي متوافق عليه ، أما الدول التي تكونت بهذه الطريقة فهي (الإتحاد السوفيتي السابق ـ المكسيك ـ البرازيل ـ الأرجنتين) .

3 ـ الإتحاد الإختياري ويتم تشكيله بين عدد من الشعوب المتعايشة ضمن الدولة الواحدة التي كانت قائمة على أساس حكم مركزي شمولي ومن ثم تعرّضت للتغيير الديموقراطي الجذري من قبل شعوبها ، كما هو الحال في سويسرا والمانيا وما يجري في العراق الفدرالي .

أما السبب المباشر في تشكيل مثل تلك الدول الإتحادية فهو وجود حاجة أو إرادة لدى بعض المناطق أو الأقاليم المتجاورة للإتحاد فيما بينها ، نظراً لوجود صلات رحم بين شعوبها أو صفات مشتركة فيما بينها ، كالعرق أو اللغة أو الدين أو الجغرافيا أو التاريخ أو...إلخ، وفي ظروف خاصة كثيرة قد تتفدرل دول عديدة مع بعضها في إطار حلف أو دولة إتحادية لغايات مصالحية إقتصادية أوسياسية أو لإستراتجيات أخرى كثيرة.

أشكال الحكم الإتحادي "الفدرالي"

1ـ الإتحاد المباشر : بموجب هذا الشكل من الحكم تبسط الحكومة المركزية سلطتها في جميع أرجاء الدولة الإتحادية ، وتقوم هذه الإدارة بنفسها بتولي إدارة وتنفيذ القوانين والقرارات داخل كافة الولايات ، هذا الشكل يجري إعتماده في الولايات المتحدة الأميركية حالياً .

2ـ الإتحاد الغير مباشر : وفق هذا الشكل تقوم سلطات الإدارات المحلية الذاتية بتنفيذ قرارت وقوانين المركز الإتحادي في حين ليس من صلاحيات السلطة المركزية سوى التمتع بقدر من الرقابة على تلك الإدارات المحلية ، وهذا ما يجري إعتماده في ألمانيا الإتحادية وسويسرا مثلاً .

3ـ الإتحاد السياسي التعددي : وفق هذا الشكل يتم إعتماد التعددية عبر التوافق الديموقراطي مابين مختلف الأطراف الشريكة حول توزيع المهام والصلاحيات مابين المركز والأطراف المناطقية أي تلك القوميات أو الأديان التي تسكن مكوناتها في بقعات جغرافية معينة من البلد ، كالشعب الكوردي في سوريا الذي يسكن في مناطق آبائه وأجداده مثلاً ، وذلك بطريقة توافقية سياسية ديموقراطية ، ويعتبر هذا الشكل في نظر العالم من أرقى النظم الحاكمة وأكثرها ديموقراطية في العالم .

4 ـ الإتحاد الإندماجي : في هذا النموذج يتم تقاسم الأدوار مابين مختلف الفئات والطوائف الأقلية المكونة للمجتمع (المتمايزة في العرق أو الدين أو المذهب ـ المتوزعة بشكل مندمج ومتداخل في كل أنحاء البلد) في آن واحد...!؟، وخير الأمثلة على هذا الشكل من الإدارة نجده في لبنان الذي نصّت المادة العاشرة من دستوره الصادر عام 1926 على منح مختلف مكونات البلد لحقوقها الثقافية والإجتماعية والسياسية ، وبموجب الميثاق الوطني وصيغة عام 1943 في لبنان فإنّ رئيس الجمهورية هو مسيحي ماروني ، بينما يكون رئيس الوزراء مسلم سني ، في حين يتم إسناد منصب رئيس البرلمان إلى مسلم شيعي .

مزايا الحكم التعددي اللامركزي الإتحادي "الفدرالي"

تُعتبَر النظم التي تعتمد التعددية واللامركزية السياسية من أكثر النظم الحكمية ديموقراطية وتوحيداً للبلدان وتلبيةً لحاجات الشعوب وإرضاءً لمتطلباتها الآنية ولأحلامها المستقبلية ، وهي أقربها إلى الواقع المعاش وأكثرها إستجابة لمتطلبات عصر الدمقرطة الذي بات ينير أكثر بقاع معمورتنا ، فمثل هذه النظم تساهم بشكل توافقي لامركزي في المحافظة على إتحاد وسلامة الدول من جهه ، وتساعد على تكوين دولاً مركبة قوية تصبح ذات شأن بعد أن كانت بسيطة ضعيفة .

وقد أثبتت تجربة الشعوب مدى فشل الدول ذات النظم (المركزية ـ البسيطة) أي الشمولية في إدارة شؤون بلدانها الداخلية والخارجية ، والتي تتحول في أغلب الأحيان إلى مملكات إستبدادية أو إلى مجرد سجون جماعية لمكوناتها الداخلية التي تصبح مكرَهة على العيش في ظل هيمنة لون سياسي واحد على مقدرات البلد .

ومن أبرز محاسن النظم اللاّمركزية أنها تلغي طغيان فئة حاكمة على أخرى محكومة ، لأنها تحقق مبدأ التعددية السياسية وتكافؤ الفرص حيث يتم توزيع المسؤوليات بالتوافق بين مختلف القوميات عبر إنتقاء الخبرات والإنتماءات عن طريق الإنتخابات ، والنظام (التعددي ـ الديموقراطي) يلغي أيضاً مسألة إستئثار المركز بالأطراف التابعة له سواءً أكانت إقليمية أو مناطقية أو قومية أو دينية ، مما يجعل تلك المكونات تشعر بالأمان والطمأنينة والإستقرار ، ويوفر مستلزمات التطور والإزدهار في البلد عموماً.

مبررات المطالبة بااللامركزية السياسية "الفدرالية"

لا يمكن لأية قومية أو شعب يشكل بتعداده أقلية سكانية في أي بلد، أن يطالب بخيار الفدرالية في نظام حكم لامركزي ، بدون توفر المعطيات التي تدعو إلى الأخذ به، خاصةً وأنّ الحكم التعددي هو نظام (سياسي ـ قانوني) مركب وليس بسيط ، وبناءً عليه ينبغي أن تتوفر البيئة الصالحة والمسوّغات القانونية والجغرافية والسياسية اللازمة لتطبيقه على أرض الواقع .

كما أن النظام اللامركزي الإتحادي "الفدرالي" هو الإطار الذي تصب فيه كافة الإستحقاقات والمعطيات الموضوعية لمختلف مكونات البلد ، سواء أكانت تلك المعطيات قومية أو إجتماعية أو ثقافية أو إقتصاية أو نفسية ، وبالمناسبة فإن اللامركزية السياسية هي الثوب الذي يصلح كنظام (قانوني ـ سياسي) لحكم سوريا المستقبل ، أما المبرارات التي تدعو سوريا إلى لبس مثل هكذا ثوب إن صح التعبير ، فهي كثيرة: كالسياسية والإقتصادية والإجتماعية والتراثية والدينية ومسائل الدفاع المشترك و...إلخ .

وتبقى المبررات السياسية التي تعني التعددية المجتمعية (القومية والدنية والطائفية) هي التي تبرز على السطح في الحالة السورية الماثلة أمامنا وبغطاء من المجتمع الدولي، خاصةً وأننا قد وضحنا سابقاً بأنّ سوريا التي ترجع في تكوينها وحدودها الحالية إلى نهاية الحرب العالمية الأولى ، لا تعتبر مجتمعاً متجانساً من الناحيتين المجتمعية والقانونية ، بل تعتبر من الدول التي تتعدد فيها الخصوصيات القومية والدينية والمذهبية ، فهنالك العربي الكوردي والأشوري والدرزي وهنالك المسلم والمسيحي والإيزيدي وفيها أيضاً العلوي والسني و....إلخ، وبغض النظر عن الأسباب التي أدت إلى حدوث مثل هذا التمازج للنسيج البشري المتنوع التركيب ، فإن هذه القوميات والجماعات الإثنولوجية المختلفة من حقها أن تميل لابل تنزع إلى الإسلوب اللامركزي الإتحادي "الفدرالي" في تنظيم نفسها وفي إدارة وحكم نفسها بنفسها، بهدف المحافظة على خصوصيتها القومية أو الدينية أو الطائفية أو اللغوية أو الثقافية ، خاصة بعد أن لاقت الأمرّين في ظل الحكومات المركزية البسيطة (الشمولية) التي تعاقبت على حكم البلاد.

وبما أنّ الهدف الرئيسي من وراء نشر مثل طروحات، هو البحث عن حلولٍ (سياسية ـ قانونية) للقضية الكوردية في ثنايا مشروعنا (القومي ـ الديموقراطي) الذي بدأنا التأسيس له منذ ولادة أول تنظيم سياسي كوردي في سوريا عام (1957)...، ولما كانت سوريا اليوم تمر بمرحلة إنتقالية وهي مقبلة على تغيير سياسي حقيقي قد يبدأ معه عهدٌ سوري جديد ، فإنه لابد من المبادرة إلى الدخول في تباحث (قانوني ـ سياسي) جدّي من شأنه إيجاد صيغة دستورية توافقية كفيلة بمعالجة هذه (القضية العالقة) وفق الحاجة والأصول ، آخذين بعين الإعتبار كل الجوانب الذاتية والموضوعية للقضية التي نحن بصدد تناولها بشكل ديموقراطي ، على أن لاننسى الوقوف عند تعريف ومقوّمات الدولة الإتحادية "الفدرالية" والإستحقاقات والمبررات التي تستوجب ذلك، وبالقياس على ذلك نجد بأنّ من حق شعبنا الكوردي المطالبة بالفدرالية لكوردستان سوريا في إطار دولة سورية لامركزية ديموقراطية تعددية وذات حكم إتحادي "فدرالي".

متطلبات نجاح اللامركزية السياسية "الفدرالية"

إنّ نظام اللامركزية السياسية "الفدرالية" المبني على التعدّدية السياسية ليس وصفة جاهزة قابلة للتطبيق والنجاح بصورة أو توماتيكيه مطلقة في أي ظرف زمان أو مكان ، وإنما ينبغي أن تتوفر بين المتشاركين في بنيانه أرضية لابد منها للتلاقي أو بالأحرى ينبغي أن تتوفر بعض الشروط الموجبة كالتالية :

1ـ الإستعداد الحضاري والنفسي لدى مختلف مكونات البلد لتقبل حقيقة وجود الآخر كشريك ،على طريق بناء دولة لامركزية إتحادية عصرية تصون الحق والقانون والعدل .

2 ـ توفر قدر لابأس به من ثقافة الديموقراطية وحقوق الإنسان ومبادئ المجتمع المدني والسلم الأهلي ، لدى كل الشركاء .

3 ـ تخلي المكون الأكثري عن الثقافة الأكثرية التي تراكمت لديهم على خلفية أن تعدادهم السكاني الغالب يخوّلهم أن يفوزوا بكل مفاصل الحكم وبشتى مجالات الحياة كما حصل في العهود الماضية في ظل وحدانية حكم البعث على حكم سوريا والعراق .

4 ـ الإقرار الجماعي بأنّ التعددية السياسية والدينية و...إلخ ، هي عامل قوة وتقدم وإزدهار وخصوبة البلد .

5 ـ الإحتكام إلى أسلوب التوافق (الديموقراطي - السياسي) في حل مختلف القضايا والشؤون .

6 ـ الإيمان بمبدأ: إن لم تكون سوريا لنا جميعاً فمنْ منّا سيكون حينها مستعداً أن يكون لسوريا والعكس صحيح.

7- أن تؤمن جميع المكونات بأن اللامركزية السياسية "الفدرالية" تعني الإتحاد وليس التقسيم.

وللعلم فإنه قد يترتب على ذلك النمط من الحكم الإتحادي "الفدرالي" قدرٌ من التوّزع في ولاءات أفراد هذه القوميات والطوائف المختلفة مابين إنتماءاتها الخاصة وبين الولاء للدولة الإتحادية ، بل إنه ليس من المبالغ القول: بأنّ تلك المكونات قد تفضل الولاء لإنتماءاتها الخاصة بها على الولاء للبلد ، وهذه حقيقة تحدث حينما لا يجري التعامل معها وفق روح العصر وحينما تلقى الإضطهاد من القومية الغالبة ، وتزداد هذه الولاءات الخاصة كلما زاد كبت الخصوصيات ، الأمر الذي يترتب عليه بروز ظاهرة الصراع والهيمنة والتفرد بالسلطة ورد الفعل برفض هذه الهيمنة ، وقد يترتب على ذلك قدر من الإساءة إلى السلم الأهلي عبر تحويله إلى صراع قد يأخذ طابع العنف والعنف المضاد ، مما يترتب على ذلك أضرار وخسائر جسيمه بالبلد في الأرواح والأموال .

وفي حالتنا السورية المعاشة التي يبدو فيها بأن الثوب (السياسي ـ الدستوري) المصنوع بعثياً والمعمول به حالياً في إدارة شؤون الدولة ، هو ثوب ضيق للغاية ، ولا يتلأم أو يتناسب مع التعددية القائمة في البلد ، ولذلك فإن المعطيات المجتمعية تفرض على جميع الاطراف إيجاد البديل السياسي الملائم ، بل إن هذا هو حكم المنطق أيضاً ، ويمكن القول إزاء هذه المعطيات بأن الثوب (القانوني ـ السياسي) الذي يُفضّل أن ترتديه سوريا المستقبل هو الثوب اللامركزي التعددي (الدولة المركبة الديموقراطية و ليس الدولة البسيطة الشمولية) الذي نراه متوافقاً مع تلك الخصوصيات لإحتوائها وتحويلها إلى عامل دفع وأمان في كيان المجتمع السوري الذي سيزداد قوةً وثباتاً وسوف تعزز من موقعه وموقفه .

كما أنّ النظام السياسي التعددي "الفدرالي" سوف يؤدي إلى إطمئنان القوميات والطوائف المختلفة على حاضرها ومستقبلها في البلد ، عبر حكمها لنفسها بنفسها في جانب كبير من شؤونها الخاصة بها ، الأمر الذي يترتب عليه تخلّصها من الكبت والحرمان وما لذلك من تأثير إيجابي في التخفيف من الحساسيات القومية والدينيه وتقارب وتلائم الجماعات المختلفة على الثوابت القوميه والقواسم المشتركه ، مما يؤدي إلى رفع مستوى الولاء للوطن لدى الجميع ، الامر الذي سينعكس خيراً على سوريا التي من المفترض بها أن تكون فضاؤنا الديموقراطي التوافقي الذي ينبغي أن يستوعبنا جميعاً بدون إستثناء ، فهل لدى أحد من مانع...!؟، وإذا كانت هنالك ثمة موانع فكيف بهم يطالبوننا بالولاء للوطن في حين لايستوعبنا هذا الوطن...!؟، على كل حال التوافق السياسي يبقى الضامن الأول والأخير لكل من يطمح ويتوق إلى بناء دولة عصرية تحتضن كل السوريين دون تمييز .

البعد الحضاري للحكم اللامركزي الإتحادي "الفدرالي"

لكي يعطي السوريون لتعدديتهم السياسية، بُعْدَها الحضاري البنّاء ، لا سبيل أمامهم سوى التشارك معاً في تفاعل ديموقراطي حرّ من شأنه لملمة شمل جسدهم الممزّق وفكرهم المشتّت ، على طريق التهيئة المكاشفاتية للخوض في مسيرة التغيير الحقيقي لإستكمال مهام بناء دولتهم التشاركية العصرية ، كمساهمة جادة منهم جميعاً في بلورة حقوق القوميات والأديان ومختلق الأقليات وفي ترسيخ أساليب الترجمة الصحيحة لثنائية الشراكة في (الحقوق ـ الواجبات) على هدى مقاسات القانون الدولي ووفق مفاهيم المجتمع المدني وثقافة حقوق الإنسان، طبعاً ليس في سوريا فقط وإنما في المنطقة والعالم أيضاً.

خاتمة

إنّ شعار "الديمقراطية لسوريا والفدرالية لكوردستان سوريا" الذي يرفعه الجانب الكوردي في كوردستان سوريا، لم يأت من العبث أو بمحض الصدفة وإنما تم طرحه ومناقشته والمصادقة عليه عن سابق تصميم، وهو يستمد قوته ومشروعيته من دواعي ومقومات ذاتية ملحة وأخرى موضوعية أكثر أهمية وإحاحاً.

وبما أنّ هذا الشعار الذي يتبناه الكورد اليوم كخيار استراتيجي وسط هذه المرحلة السورية المصيرية، لا يخص الشأن الكوردي فحسب وإنما يتعلق بالشأن السوري العام، فإننا نعطي الحق لأنفسنا ونؤكد بأننا لم نطرح هذا الشعار من قبيل تأزيم الأوضاع السورية نحو المزيد من الإستعصاء، وإنما نطرحه من أجل حل هذه الأزمة العالقة منذ أكثر من خمسة سنوات، وللعلم فإن الجانب الكوردي قد أكد مراراً وتكراراً بأنه جزء من الثورة وضد النظام ولاعب أساسي في المعادلة السورية وقد كان وسيبقى جزء من الحل وليس المشكلة.

ولعلّ من المفيد العودة إلى التاريخ والإستفادة من تجارب المجتمع البشري، وخاصة أنماط الحكم التي حكمَتْ شعوبنا وبلدان شرق أوسطنا، لنجد بأنّ كل الأنظمة التي حكمت هذه المعمورة هي من صنيعة الإنسان ذاته، ولا توجد أية وصفة مسبقة الصنع أو جاهزة للتداول في مجال أساليب حكم البلدان (السلطة والإدارة) من حيث كيفية ونوعية الأداء وأساليب التعامل ما بين الراعي والرعية، خاصة وأن تجاربنا الذاتية قد أثبتت بأنّ معظم الأنظمة الدكتاتورية التي هيمنت على ديارنا جاءت بغالبيتها عبر الانقلابات على الأهالي لتحقيق أغراضها الخاصة، علما بأن بلداننا بحاجة إلى أنظمة ديمقراطية تدير شؤونها بشكل توافقي وليس تخالفي.

وبالنظر إلى المشهد السوري الحالي، نرى بأن أفضل صيغة لنظام الحكم في سوريا المستقبل، هي فدرلة البلد بشكل دستور وعملي، وبناء عليه وكما أنَّ لكل سلطة خصوصيتها وطبائعها التي تحدد شكلها وجوهرها، فإنَّ معظم النظم الديمقراطية وبالتحديد الفيدرالية هي ذات جوهر واحد من حيث المبدأ لكنها تختلف عن بعضها من حيث الشكل والمكان، وهي على إختلاف أشكالها وألوانها عبارة عن أنظمة متطورة تنبثق عن توافقات إختيارية تؤدي بغالبيتها في نهاية المطاف إلى تأسيس منظومة اتحادية طوعية بين قوى سياسية متوافقة أو بين قوميات متتاخمة أو بين مناطق جغرافية قريبة من بعضها أو مناطق نفوذ دينية تتآلف فيما بينها لتشكل معاً دولة اتحادية مبنية على أسس وقواسم وإرادات مشتركة.

في حين يمكننا التأكيد بأنه لا خوف على الإطلاق من حاضر ومستقبل كافة المكونات السورية في الدولة الفدرالية التي ستكون تشاركية بين كل السوريين الذين سيكونون رابحين بالجملة، أما الطرف الخاسر فهو من لا يقبل بالفدرلة وباللامركزية السياسية والتعددية وبالتوافق السياسي الديمقراطي بين كافة القوميات والأديان والطوائف، كالكورد والعرب وغيرهم، وللعلم فإن الجانب الكوردي قد يشكل بوصلة التغيير نحو سوريا ديمقراطية وتعددية واتحادية، لتصبح وطناً لامركزيا للجميع وضامنا لحقوقهم.

وبهذا الصدد لابد من الإشارة إلى أمر في غاية الأهمية فقد نختلف حول تسميات هذه النظم الحاكمة (حكم ذاتي ـ فدرالية ـ كونفدرالية ـ تقرير مصير ـ الدولة القومية المستقلة و...الخ) لكنَّ ما يهمَّنا في هذا الموضوع الذي بات محيّراً للبعض، هو المضمون الذي ينبغي أن يتم التركيز عليه من قبل الذين تقع على عاتقهم مهمة مراكمة الحراك لدفع شعوبنا نحو تقرير مصيرها وتخليصها من مظالم الأنظمة المركزية (البسيطة) التي قبعت فوق صدورنا لعهود طويلة، لأنَّ هكذا حراك سياسي من شأنه الإتيان بالبديل اللامركزي (المركب) الذي بمقدوره أن يجلب الاستقرار العام ويشكل عاملاً حاسماً لإنصاف مكونات البلد واستتباب العدالة وسريان خصال حسن الجوار بين مختلف المكونات، والذي ربما يوصلنا أيضا إلى شراكات اندماجية حقيقية ترضي الجميع وتلبي طموحات أجيالنا وتشجعنا لنبني معاً بلدناً على شكل فضاء ديمقراطي يضمن توفير العيش السعيد والآمن لكافة المواطنين سواء أكانوا عرباً أم كورداً أم غيرهم.

ورغم اختلاف مواقفنا من بعض القضايا العالقة بسبب اختلاف قومياتنا ومنابتنا ومشاربنا وثقافاتنا وتوجهاتنا ومقتضيات مصالحنا، وبالنظر إلى ما حصل بين شعوبنا من أزمات خلافية في مجال إعتداء الأكثرية على حقوق الأقلية، فإنَّ أحداً لا يستطيع أن ينكر بأن تجربة الدولة الفدرالية (الاتحادية) هي أنموذج ناجح على شتى الأصعدة والميادين كما هو الحال في كل من أمريكا وسويسرا وألمانيا وغيرها من الدول، خاصة وأنّ غالبية الدول الفدرالية في دنيانا قد تطورت بشكل ملحوظ وتفوَّقتْ على غيرها وباتت قوية من الناحية المادية والمعنوية والقدراتية، وذلك نظراً لما تتمتع به هذه النظم الديمقراطية من محاسن تستجلب الفائدة لأمم تلك البلدان، ونظراً لما يتوفر في هذه الاتحادات من إرادة جماعية تسامحية بين المركز والأقاليم في مجال تحقيق الحقوق وأداء الواجبات.

وبناء عليه فإنَّ الدول التعددية السائرة في منحى فدرلة نفسها، ينبغي أنْ تستند في نشأتها إلى دستور دائم يقرُّ بالتعددية السياسية كخيار ديمقراطي ويدعم بنيانها ويصون حاضرها ويخطط لمستقبلها ويمدها بالقوة الجماعية ويعمل على تنظيم التواصل المؤسساتي فيها كافة الأفرقاء بشكل توافقي يضمن تحسين العلاقات وتخصيبها ما بين الحكومة الاتحادية وبين الأقاليم أو الولايات المكونة لها.

وبهذا الصدد يمكننا القول بأن البحث عن أي بديل سوري آخر غير الفدرالية، قد يعقد الأمور أكثر فأكثر، وقد يُبقي البلد في دوامة العنف والعنف المضاد، مما قد يؤدي بالضرورة إلى مزيد من إنسداد الحلول والتفرقة والتشتت وإنهيار البلد وتقسيمه بدلاً من إنقاذه وإجراء تغيير ديمقراطي حقيقي فيه عبر توافق كافة الأفرقاء على فدرلته بعد اسقاط نظام الأسد الدكتاتوري.      

 

إعداد: نوري بريمو

عضو اللجنة المركزية للحزب الديموقراطي الكوردستاني ـ سوريا (pdk-s)

Rojava News 

Mobile  Application