يقول المستشرق الارمني (آبوفيان) "إن الكورد فرسان الشرق". بهذه الجملة القصيرة، إختزل آبوفيان خصال الشعب الكوردي وقدم عنهم تعريفا مركزا. وحقيقة، هناك صورة نمطية راسخة لدى الآخر، حول المحارب الكوردي الذي أثبت طوال الحقب، قدرته الفائقة في القتال وبأسه الشديد أثناء الشدائد والنوائب. إنه المحارب الذي لا يعرف النكوص والتراجع، وقد استطاع هذا المحارب طوال العصور والدهور أن يبلي أحسن البلاء في المعارك وأثناء التقاء الجيوش وفي مواجهة الغزاة.
المؤرخ العثماني الشهير أوليا جلبي يروي في سفره الشهير (سياحة نامة) أن المدافعين عن بدليس عاصمة امارة بدليس الكوردية من المحاربين الكورد، أبدوا شجاعة نادرة أذهلت المؤرخ ليقول بحقهم، إنه رأى الكثير من الشجعان في الأوطان والبلدان، لكنه لم ير طوال حياته من هو أشجع من هؤلاء المحاربين الكورد المدافعين عن امارة بدليس.
وتقدم ملحمة دمدم الشهيرة صورة مثلى عن الصمود الاسطوري لمقاتلي القلعة أمام جحافل الشاه عباس الصفوي الذي كان على رأس حملة بجيش امبراطوري قوامه عشرون ضعف عدد مقاتلي الأمير خاني لب زيرين (الخان ذو الكف الذهبي) الذي تمرد على الشاه الصفوي وسعى لانتزاع الاستقلال الكوردي من النفوذ الصفوي. لقد أبدى سكان قلعة دمدم المحاصرون من الجهات الأربع من قبل جيش امبراطوري مدجج بأفضل أسلحة العصر مقاومة نادرة، تعذر بسببها اخضاع القلعة حتى الرمق الأخير. فالمقاومة الكوردية في دمدم استمرت لأشهر حتى بدأ اليأس يدب في صفوف الجيش الشاهنشاهي، الذي استرد معنوياته بعد قطع مصدر الماء الذي كان يزود سكان القلعة بمياه الشرب من نبع كان يقع في سفح جبل خارج القلعة. مع هذا فالمقاتلون الكورد اداموا مقاومتهم الشرسة بوجه جحافل الشاه عباس الصفوي، وبعد أن ظفر العطش وندرة المؤن والعتاد بالمقاتلين الكورد الاشداء، بدأت كفة الميزان تميل لصالح الجيش الشاهنشاهي، لكن المقاومة الكوردية تواصلت حتى بلغت المعركة أروقة قصر نارين حيث الأمير خان لب زيرين وحاشيته، هؤلاء ايضا أبوا الاستسلام، بل قاوموا بسيوفهم جيش عباس الصفوي حتى سقط الجميع شهداء.
هذه هي صورة الكوردي محاربا عنيدا ومقاتلا شجاعا لا يهاب الموت ولا يتردد في خوض غمار المعارك مهما حمي وطيسها. الدول والامبراطوريات جميعها التي ظهرت منذ فجر العصور التاريخية في الشرقين الأدنى والأوسط، ضمت في صفوفها مقاتلين اشداء من الكورد أو من أجدادهم من أقوام زاكروس، أو انها خاضت المعارك والحروب ضد الكورد وأسلافهم. ونحن هنا اذ نكتفي ببعض الأمثلة والشواهد فقط، لأن المقام لا تسع لأكثر من ذلك. ومن الأمثلة القريبة، تقول المصادر التأريخية عن حقبة السلطنة العثمانية، بإن الكورد قد أمدوا جحافل الجيوش العثمانية في حملات فتوحاتها في اوربا وآسيا وافريقيا بأفواج كبيرة من المقاتلين طوال تاريخ الامبراطورية العثمانية، وساند المحاربون الكورد السلاجقة في حربهم ضد الروم البيزنطيين وكانوا السبب في رجحان كفة السلاجقة عسكريا في معركة ملازكرد الشهيرة ضد الروم قبل ألف عام، هذه المساندة التي جاءت على خلفية دينية انقذت السلاجقة من التلاشي وصدت التمدد البيزنطي نحو شرق الاناضول.
الكوردي في صورة المحارب ما هو سوى مقطع جزئي من الصورة المتكاملة للكوردي. لكن هذه الصورة بجميع أبعادها ظلت مجهولة ومطوية تحت مظلة دول وامبراطوريات تزعمها الغير واتسمت بطابع الشمولية جغرافيا والعصبية الاثنية من حيث التوثيق والتاريخ. وضمن هذا السياق ضاعت هوية الكوردي بصورة عامة. وصورته كمحارب بقيت مجهولة أو مهمشة، لأن المنجزات العسكرية والانتصارات الحربية كانت تؤتي الثمار لصالح الدول التي لم تكن ذات هويات كوردية، بل احتوت الكوردي تحت غطاء العقيدة. وبذلك فان شجاعة الكوردي في هذه المعارك والفتوحات كانت تصب في صالح الآخرين.
أما على المستوى الحضاري والمعطيات الثقافية، فقد ظلت حقيقة صورة الكوردي من هذه الناحية مخفية تماما، وإن وجدت ضرورة للتحدث عن الكوردي، فان صورته مقاتلا تطفو على السطح من دون أن تتاح فرصة التحدث عن الكوردي من الداخل وبعيدا عن وقع المعارك وساحات الوغى. ولعل صورة الكوردي في المقاومة التي أبداها صلاح الدين وجيشه الذي دحر الحملات الاوربية على الشرق في القرن الحادي عشر للميلاد، هي أيضا نموذج طيب للكوردي المقاتل والفارس الصنديد. وصورة صلاح الدين كقائد محارب تطغى على صورته كقائد حضاري.
وبالانتقال الى عصرنا الحالي، الى ايامنا المعاصرة بالتحديد، فإن الكوردي يعيد انتاج صورة المحارب. هذه الصورة النمطية لم تمنح الكوردي أي امتياز على مستوى الذات والهوية القومية. ولعل الأمور هذه المرّة تختلف بعض الشيء. فنحن الآن نقف أمام صورة الكوردي المحارب الذي دحر أخطر منظمة ارهابية في العالم. وبفضل تقنيات الاعلام باتت شعوب العالم تسمع، بأن المقاتل الكوردي في جنوب وغرب كوردستان (في العراق وسوريا) استطاع ان يوقف زحف مقاتلي تنظيم داعش الذي دحر جيشي دولتين عربيتين، ومن ثم استطاع المقاتل الكوردي أن ينتصر على داعش ويسطر ملحمة صمود نادرة في كوباني، ابطالها ليسوا المحاربين من الرجال الكورد فقط (البيشمركة ووحدات حماية الشعب) بل هناك مقاتلات من النساء والبنات الكورد (وحدات حماية المرأة)، تمترسوا جميعا بشجاعة أذهلت العالم في خنادق مقاومة شراسة ووحشية مسلحي داعش.
هذه المرّة قاتل الكوردي بعنوان كوردي، ولم يعد محاربا من دون هوية، بل انه محارب يحمل هوية كوردية ويطمح الى رسم حدود وطن تم تذويب حدوده لصالح امم الجوار الكوردي. هذا الحلم الشرعي بات أكثر وضوحا في ظل سعي الكوردي لاعادة رسمه صورته محاربا، ليقدم بعد أن تضع هذه الحرب الضروس أوزارها، صورة الكوردي في جزئها الحضاري.



