طارق كاريزي: الاستعمار اللغوي

طارق كاريزي: الاستعمار اللغوي

طالما الكلام موجها للقارئ العربي، عليه فان تأريخ الاستعمار اللغوي في بلدان المغرب العربي (تونس، الجزائر، المغرب) يعد النموذج الأكثر حضورا في الذاكرة العربية. فالاستعمار الفرنسي لمدة قرنين، قد خلف استعمارا لغويا قاسيا جعل سكان هذه البلدان (بعربهم وأمازيغهم) ينسون لغتهم وتتحول الفرنسية كلغة المستعمر الى اللغة الاولى من حيث التداول والتدوين في هذه البلدان. هكذا فقد عاشت شعوب هذه البلدان الاستعمار اللغوي حتى حصولها على الاستقلال.

 

بعد ذلك بدأت جهود اعادة الهوية لشعوب هذه البلدان من خلال مشاريع التعريب، اي اعادة نشر وتعليم وتداول اللغة العربية. وقد شهد العهد الذي تلا الاستقلال تهميش اللغة الامازيغية (لغة 30% من الجزائريين وأكثر من نصف سكان المغرب ونسبة غير معلومة من سكان تونس). أي ان أوضاع مابعد الاستقلال لم تمنح فرصة التخلص من الاستعمار اللغوي، بل ان عرب هذه البلدان تخلصوا من استعمار اللغة الفرنسية فيما تحول أمازيغ هذه البلدان من حالة استعمار اللغة الفرنسية الى حالة استعمار اللغة العربية. وهنا لابد من التنويه الى ان الحالة الثقافية للامازيغ قد شهدت خلال السنين الأخيرة الكثير من التحسن، خصوصا في المغرب، حيث تم الاعتراف بالامازيغية كلغة وطنية رسمية في البلد.

 

الكورد يعيشون اسوء حالات الاستعمار اللغوي. أبناء هذه الأمة مستعمرون لغويا من طرف ثلاث لغات لثلاث شعوب مجاورة. فالكورد يعانون من استعمار اللغات التركية والفارسية والعربية. لغات شعوب الجوار مفروضة كرها وقسرا على الكورد.لا خيار للكوردي من حيث لغة التعليم والتداول الرسمي في البلدان التي تقتسم جغرافية كوردستان. الحدود التي رسمت من دون ارادته وقسمت وطنه أجزاء تابعة لدول تأسست وتؤسس لثقافة أمم أخرى فرض ثقافاتها ولغاتها قسرا على ابناء الامة الكوردية. وبذلك فقد تعرضت اللغة الكوردية وحاملها الثقافي للتهميش في موطن الكورد. الجغرافية الكوردية، بحسب التعريف الدقيق لعالم الاجتماع التركي البروفيسور اسماعيل بيشكجي، هي مستعمرة دولية، يتقاسم السيادة عليها سلطات شعوب الجوار وثقافاتها. لذلك فان الكورد يعيشون حالة استلاب ثقافي أساسه نكران الوجود الكورد أرضا وشعبا. الاعتماد على الحقائق الجيوسياسية توقع المرأء والباحث غير المطلع في الوهم. لأن الحدود الفاصلة بين بلدان الشرق الأوسط، هي حدود تتخطى الواقع الثقافي والتوزيع الاثني واللغوي للمكونات الاجتماعية والقومية لشعوب المنطقة. هذا الوهم الذي يقود العديد من النخب الثقافية المشبعة بثقافة السلطات في البلدان الأربعة التي تتقاسم جغرافية كوردستان الى رفض حقيقة الوجود الكوردي في أبعاده الجغرافية والثقافية وحاملها اللغوي.هذا الوهم الكبير الذي يدفع باتجاه تأجيج الصراعات الاثنية على خلفية نشدان السلطة والسيادة، عوضا في البحث عن حلول مدنية تتوافق مع قيم العصر ولوائح حقوق الافراد والجماعات.

 

يمكن أن تتعايش عدة ثقافات في بلد واحد، شريطة تحقيق العدالة والتوازن بين المكونات الثقافية المختلفة. مثل هذا الهدف يمكن تحقيقه من خلال اقرار وشرعنة عقود اجتماعية ولوائح قانونية تحقق العدالة والتوازن من حيث النمووالتطور والاستفادة من فرص التقدم والازدهار من دون تمييز. تجربة قرن من التعايش القسري ضمن أطر الدول المتقاسمة (بل المحتلة) لأرض كوردستان قدمت الدليل القاطع حول استحالة تحقيق التوازن والعدالة بين المكونات الاثنية والثقافية في الشرق الأوسط. فالأرضية الثقافية السائدة في هذه البقعة من العالم غير مستعدة للدمقرطة حتى الآن، ولا أمل في الوصول الى ظفاف الدمقرطة على المدى المنظور. فالنخب الثقافية التي اختطت اسس العصرنة والتحدث وآمنت بذلك، لم تتجاوز المحرمات (الطابوات) الثقافية، ومشروعها المقبول، بل المتواضع قد شهد النكوص، خصوصا بعد صعود نجم تيار السلفية الثقافية المنغلقة على ذاتها والتي ترى في الذات الشرقية ذي العقلية المرتبطة بشدة بالتصورات الماورائية اللاغية للعقلنة، السند والمبرر للعمل والتحرك. وحالة اللاستقرار التي تعيشها بلدان الشرق الأوسط وشمال افريقيا، دليل لا يقبل الجدل لجهة فشل مشروع العصرنة بجميع أبعاده في هذه الجغرافية. والطامة الكبرى هي أن الكورد أمة مبتلاة بنير التبعية بحكم انعدام السيادة الجيوسياسية لديه والاستلاب الثقافي واللغوي الذي يعيشه. امة الكورد تعيش تحت ظلال أمم الشرق الأوسط التي مازالت تخوض غمار العصرنة دون جدوى. العصرنة في قالبها الشكلاني ايضا قد شهد النكوص، لأن أمم الشرق الأوسط (من خلال طروحات نخبهم الثقافية، ولا نقول الفكرية، لأن هذه الجغرافية لم تقبل الفكر الحرّ المجرد حتى الآن) تحاول طرح نموذج مواز للنموذج الغربي. ومثل هكذا مشروع لابد وأن تسنده عناصر عدة، بما لها من أبعاد ثقافية وفكرية واقتصادية واجتماعية وتقنية وسياسية وقانونية. واقع حال هذه البلدان يوحي بنمط من الخواء والفراغ القاتل، أوعلى اقل تقدير بفجوات هائلة في جميع هذه المجالات، مما يجعل العصرنة والتحديث مشروعا شرق أوسطيا ناقصا غير قابل للتحقيق.

 

يعيش الكورد تحت ظلال هكذا أجواء معتمة، عليه يتعذر على ابناء هذا الشعب تحقيق التقدم والتحول الى مجتمع عصري. فالكوردي يتعذر عليه ممارسة الذات الثقافية. من هنا فان التفكير في تحقيق التحديث والعصرنة بالنسبة للكوردي اشبه بالخيال. فمن دون تحقيق السيادة السياسية التي تمهد للسيادة الثقافية وتجاوز الاستعمار اللغوي الممارس ضد الأمة الكوردية، يبدوالحديث عن التقدم وبلوغ ظفاف العصرنة، أمر غير مجد.

Rojava News 

Mobile  Application