کمال کرکوکي: الشعب الكوردي والاستفتاء.. بين الحق والسياسة!

کمال کرکوکي: الشعب الكوردي والاستفتاء.. بين الحق والسياسة!

أن تاريخ نضال الشعب الكوردي ضد الطغيان والدكتاتورية، وضد التجاوز على حرماته وحريته واستقلالية قراره أصبح نموذجاً يُحتذى به، وقضيةً توثقه الدراسات المستفيضة التي أجريت في العلاقات الدولية، والعلوم السياسية، والدراسات التاريخية حول الشرق الأوسط.

 

فكان، ولا يزال، أهم ما يُميز هذا النضال وهذا التاريخ الذي ما انفك يُكتَبْ بدماء شهدائنا منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى والى يومنا هذا والتي ركزت مختلف الدراسات أجريت حول القضية الكوردية على توثيقه، هو عمق الشعور القومي وتجذره في ملامح التفكير والوعي الجمعي لشعبنا، وتجذر روحية الحق في السيادة على الأرض والمستقبل، ومبدأ الحرية والاستقلال التي لم تنطفئ جذوتهما على مر عقودٍ طويلة من النضال والتضحية، الى ان أصبحت كلمة "أزادي – الحرية " مرادفاً يذكر بذكر القضية الكوردية، وكلمةً جوهرية في خطاباتنا السياسية، واساساً لنضالنا في مختلف الساحات.

 

وعلى مر السنوات القليلة الماضية، أثبت شعبنا ان جذوة الحرية والاستقلال لم تنطفئ، وأثبتت قوات البيشمەركة البطلة ان ساحات المعارك الشديدة ضد أعتى تنظيم إرهابي قد زادته تصميماً على استرجاع وحفظ كل شبرٍ من ارض كوردستان العزيزة، كما وزادته ايماناً بضرورةِ حسم قضية شعبنا في نيل الحرية، فأصبحت شجاعة قواتنا ومساندة شعبنا لأبنائه في سوح الوغى مثالاً يُحتذى به عند الحديث عن الحرب ضد داعش في مختلف الوكالات والمحافل الدولية.

 

فأصبحت كلمة البيشمەركة تترادف مع معاني عديدة تعني القوة الضاربة ضد داعش والإرهاب، تعني التفاني والصمود، وتعني العقيدة العسكرية الثابتة على المبادئ، وتعني الامانة في بذل الجهد لتحقيق طموحات شعبنا في الحرية والاستقلال والسيادة.

 

لكِنّا، وللأسف، بدأنا نسمع مؤخراً اصواتاً فردية تتعالى هنا وهناك، وتحاول ان تطفو على سطح الساحة السياسية من خلال نشوزها عن مسيرة تقدم شعبنا نحو المرحلة التاريخية والمصيرية المهمة في تقرير مصيره. فتارةً تبث قلقاً مصطنعاً حول جدوى الاستفتاء، وتارةً تروج لأسباب واهية لإيقافه، وفي تارةً أخرى وفي خطوة يائسة لا ترقى الى نقطة دم شهيد واحدة من شهدائنا عبر تاريخ نضال شعبنا وخلال معاركنا الأخيرة ضد داعش، لا يتوانون عن التخلي عن قدسية فكرة الحرية والاستقلال وحق تقرير المصير لشعبنا من اجل مصالح حزبية ضيقة.

 

أن الاستفتاء الذي دعا اليه الرئيس البارزاني، يعبر عن حق شعب في استرداد ما سلب منه، الاستفتاء ليس حملةً انتخابية او قضية سياسية ليتنافس فيها المتنافسون، الاستفتاء قرار شعب، وليس تنظير نخبة.

 

لذلك، فأصل فكرة الاستفتاء وممارسة حق تقرير المصير من قبل أبناء شعبنا تجمع مختلف التيارات والأحزاب والتوجهات في إقليم كوردستان، وتُنهي جميع المشاكل التي يتشبث بها السياسيون وتروج لها الأحزاب السياسية لكي يظلوا يناورون ويسيسون حقاً ليس لهم الفصلُ فيه.

 

الحق والقول الفصل في استفتاء حق تقرير المصير ملك لشعب كوردستان. ويجب علينا جميعاً ان نتبين الفرق الجوهري بين الحق والسياسة.

 

وفي معرض حديثنا عن الحق، الاستفتاء والسيادة والاستقلال، لنلقي نظرة على الاستفتاء الذي أجرته بريطانيا حول "الخروج او البقاء" في الاتحاد الأوربي، ولنتفحص بشكل مختصر ابعاد نتائج هذا الاستفتاء.

 

لا شك ان عضوية الاتحاد الأوربي تعود بمزايا سياسية، وعوائد اقتصادية، ومكانة وثقل في القرار السياسي للدول الأعضاء فيه بشكل لا يمكن لأي من هذه الدول تحقيقه لوحدها.  إلا أننا نجد ان أصوات العديد من الدول الاوربية، ليس في بريطانيا لوحدها بل في فرنسا ايضاً، بدأت تتعالى ضد البقاء في الاتحاد الأوربي، هذا ونحن نتحدث عن اتحاد ديمقراطي ليبرالي، تم الرجوع فيه الى صوت الشعوب الاوربية عبر استفتاءات عديدة في كافة مراحل تشكّله وتبلوره، ولم يتأسس الا بموافقة الشعوب مجتمعةً.

                                   

لكن السبب الذي دفع بتلك الشعوب الى التحول عن فكرة الاتحاد الأوربي، والنقطة التي كانت العمود الأساس في الحملة التي قادتها الأحزاب والشخصيات الداعمة لقرار الخروج البريطاني من الاتحاد الأوربي، ينبع من ان الاتحاد الأوربي يقلل من سيادة الشعوب واستقلالية قرارها في إدارة مصيرها، اقتصادها، وشؤونها الداخلية.

 

وهذا ما لم يرضخ له الشعب البريطاني. في الوقت الذي تعتبر فيه بريطانيا من أكثر الدول ليبرالية وتقدمية، لكن عندما تعلق الامر بموضوع السيادة، موضوع الاستقلال في اتخاذ القرار والحرية، فقد فضّل الشعب البريطاني الخروج من الاتحاد الأوربي، وتحمل التبعات الاقتصادية الشديدة على الباون الإسترليني والاقتصاد البريطاني، متحملاً مخاطر الانكماش وانخفاض الأجور وفرص العمل واحتمالية خروج البنوك الكبرى من بريطانيا، مقابل ان يحتفظ بحريته.

 

وهكذا، وبعد استيعاب الاتحاد الأوربي لصدمة النتائج، وبداية استعادة التوازن في أسواق المال العالمية، لم تجد تلك المؤسسات الدولية، ولا البنوك العملاقة إلا الرضوخ الى قرار الشعب البريطاني واحترام سيادته والعدول عن قرارات الخروج من لندن، والتي كانت قد هددت بها تلك البنوك قبل اجراء الاستفتاء.

 

وفي مثال اوضح تداولته مختلف الصحف الدولية، نجد ان المحللين عزوا زيادة رصانة موقف الشعب البريطاني في الاستفتاء للخروج من الاتحاد الأوربي، الى رفض الشعب البريطاني لما اثاره الرئيس أوباما ضمن كلمة القاها خلال زيارته الى بريطانيا قُبيل الاستفتاء، حينما وضح إنْ قررت بريطانيا الخروج من الاتحاد الأوربي ستكون في اخر صف الدول التي تتفاوض معها أمريكا حول مناطق تجارية حرة، وان أمريكا تتفاوض مع الاتحاد الأوربي أسرع من ان تتفاوض مع كل بريطانيا لوحدها.

 

وهكذا نجد ان الشعوب - وعلى خلاف ما يروج له المغردين خارج السرب ووحدة الصف الكوردي-  تُقدس استقلاليتها وسيادتها وحريتها حتى لو كان ذلك على حساب بعض الخسائر الاقتصادية والتي ما تنفك الأسواق العالمية التراجع عنها والرضوخ لإرادة الشعوب.

 

وفي مثال مقارب أخر، نجد ان اسكتلندا تدرس الان اجراء استفتاء ثاني خلال السنة القادمة لتقرير مصيرها حول البقاء او الانفصال عن بريطانيا، هذا ونحن في مثال اسكتلندا نتكلم عن تاريخ اسكتلندا ضمن دولة بريطانيا امتد لما يقارب (300) عاماً، هذا ونحن نتكلم عن بريطانيا الديمقراطية واحد الدول العظمى، لكن نجد ان الشعب الأسكتلندي لازال وبعد كل المميزات التي يتمتع بها من بقاءه ضمن بريطانيا، وبعد تاريخ امتد لقرون مع بريطانيا، يحاول ان يمارس حقه في الحفاظ على حريته واستقلالية قراره.

 

شعب اسكتلندا لم يعاني ما عاناه الشعب الكوردي على يد الحكومات العراقية المتعاقبة والى يومنا هذا، لم يتعرض الى جينوسايد او حملات الانفال، او القصف الكيميائي، ولم يتم قطع ميزانيته وقوته من قبل حكومة المركز، ولا يواجه المخاطر التي يواجهها شعبنا الان من مغبة البقاء مع بغداد بكل ما يدور فيها من تشظي في العمل السياسي، والانجرار الى حروب إقليمية، وحروب النيابة والصراعات الداخلية، والتراجع في مختلف نواحي الحياة والخدمات المدنية.

 

كيف يمكن اذاً لبعض تلك الأصوات ان تواجه شعبنا وتداهن بأعذار وتفسيرات واهية لا تمت الى الواقع الحقيقي باي صلة وتأتي بشتى الجدليات الفارغة لتحاول ان تحرمه من ممارسة حقه في تقرير مصيره؟! كيف يمكن ان يغفلوا عن مدى قدسية مبدأ الحرية، وقدسية الاستقلال لدى شعبنا الكريم؟ أيُعقل أنهم يفضلون البقاء تحت رحمة قرارات الاخرين على ان تكون لهم حرية القرار والسيادة على المصير؟!  .

 

ولنأتي في قراءة أخرى لمواقف المجتمع الدولي من مبادئ الحرية، وحقوق السيادة، لنجد ان الأمم المتحدة قد بينت وبشكل لا يقبل الشك، ان الذرائع التي قدمتها القوى الاستعمارية في ستينيات القرن الماضي لإبقاء الشعوب تحت السيطرة والاستبداد، ومن ان تلك الشعوب غير مؤهلة لحكم نفسها بنفسها، وانها شعوب لاتزال غير ناضجة سياسياً أو اقتصاديا لذلك لا يمكن منحها الاستقلال، جاء حينها قرار الأمم المتحدة رقم (1514) في 1960، وهو القرار الذي تميز بأهمية خاصة من حيث أنه اتخذ محوراً استندت إليه كافة قرارات الأمم المتحدة اللاحقة والخاصة بحق تقرير المصير، وقد نص على: "حق الشعوب دون تمييز في تقرير مصيرها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، على أن تتخذ خطوات قريبة لمنح الشعوب غير المستقلة استقلالها التام، وأن لا يتخذ أي ذريعة لتأخير ذلك، وخلاف ذلك يشكل إنكاراً لحقوق الإنسان الأساسية ويناقض ميثاق الأمم المتحدة ويعيق السلم والتعاون الدوليين".

 

من كل هذا، وقبله، من صفحات تاريخ شعبنا المشرف، والذي لم يتوانى او يتراجع يوماً عن نضاله وطموحاته في نيل حقوقه المشروعة قانونيا ودوليا وسياسيا واقتصادياً، نستمد روح المثابرة والصمود والتصميم على المضي بقرار الرئيس البارزاني لإجراء استفتاء حق تقرير المصير لشعبنا، هذا الحق الذي أُستُلِب منه، لكنه ظل يقدم التضحيات تلو الأخرى الى ان حقق إنجازات نلمسها على ارض الواقع، إنجازات تؤهله وتمكنه الان من القيام بهذه الخطوة التاريخية.

 

لذلك، يجب علينا احترام هذا الحق لشعبنا، ويجب علينا ان نبذل كل ما في وسعنا وأكثر منه لتحقيقه.... فالاستفتاء لا هو سياسات نتنافس في تقديمها، ولا حملات انتخابية لحصد مقاعد برلمانية، ولا برامج حكومية نتدافع لتنفيذها، ولا حملات إعلامية نُحَشِد لترويجها ...  الاستفتاء حق الشعب الكوردي في القرار حول مصيرە.

Rojava News 

Mobile  Application