الثورة السورية بكل مآسيها وكوارثها المستمّرة حتى الآن، قد فتحت عرضياً صفحة جديدة من العلاقات الاجتماعية والتواصل بين شعوب الشرق الأوسط منذ القطيعة التي حدثت بعد فرض التقسيمات الجيوسياسية التي أعقبت الحرب العالمية الاولى. فالعلاقات البينية بين الدول التي ظهرت منذ الربع الأول للقرن الماضي (تركيا وايران والدول العربية واسرائيل) كانت وماتزال، علاقات حذرة وغير طبيعية.
وبسبب ذلك فإن الحدود الفاصلة بين كيانات الشرق الاوسط أصبحت في منتهى الحساسية، درجة منعت التواصل الاجتماعي والثقافي والحضاري والاقتصادي بين هذه الدول، بل حتى الطابع العربي لدول العالم العربي ورغم وجود مؤسسة جامعة كالجامعة العربية، لم تجعلها تنعم بعلاقات طبيعية قطعا. وقد انعكس ذلك سلبا على الشعب الكوردي الذي تم تقسيم وطنه بشكل رئيسي بين أربع دول شرق أوسطية. وبذلك بات الكوردي معزولا عن أخيه الكوردي، لا يعلم أي منهما شيئا عن الآخر حتى وان كانت المسافة الفاصلة بينهما لا تتجاوز بضع كيلومترات وأحيان بضع مئات الأمتار.
هذه القطعية القسرية القاهرة، جعلت التواصل بين الكورد ضربا من الخيال، لأن الحدود السياسية والشرائع والشروط الجيوسياسية، كانت أقوى من أن يخترقها الكوردي الا مغامرا بروحه، ومما زاد من صعوبة التواصل الكوردي والكوردستاني رغم التواصل الجغرافي والاثني الطبيعي للامة الكوردية في وطنه الذي يشغل قلب الشرق الاوسط، هو الحساسية المفرطة في العلاقات بين دول هذه البقعة من العالم، والتي حالت دون حدوث هذا التواصل. وهكذا بات الكوردي يعيش بعيدا عن أخيه الكوردي بحيث يتعذر عليهما التواصل واقعيا.
الثورة السورية جاءت لتحطم الجدران العازلة بين منظومة دول المنطقة، فانفتحت شعوب المنطقة على بعضها وعلى ذاتها أيضا. جموع النازحين واللاجئين الذين عبروا الحدود الفاصلة بين بلدان الشرق الأوسط مرغمين مضطرين بسبب قساوة الحرب وتداعياتها الرهيبة، قد حطّموا قدسية وحرمة وقساوة الحدود السياسية الفاصلة بين الدول، وفتحوا صفحة جديدة من علاقات التواصل (وان كانت تحت طائل ظروف حياتية قاهرة وغير طبيعية تماما) بين شعوب المنطقة. وللثورة السورية في هذا المجال الدور الأكبر بسبب طيلة مدتها والتداعيات الخطيرة التي خلفتها، حيث تحوّلت الثورة الى ساحة مفتوحة لتصارع المجاميع المسلحة ذات الأجندات والأهداف المتقاطعة، علاوة على التدخل الدولي الذي عقد المشهد أكثر فأكثر وزاد من حدة الصراعات المسلحة بين جبهات المحاربين، وأرغمت ملايين السوريين للنزوح واللجوء الى دول الجوار السوري. وهكذا فقد كان للكورد نصيبهم من النزوح والهجرة، وتيسّر للكورد السوريين التواصل مع كورد الأجزاء الاخرى من كوردستان، خصوصا مع اشقائهم في جنوب وشمالي كوردستان.
وبعد مضي خمس سنوات من عمر الثورة السورية، بات كورد غربي كوردستان يشكلون جزءا من النسيج الاجتماعي والثقافي والحياتي في جنوبي كوردستان. عشرات الآلاف منهم يعيشون في المخيمات وعدد يفوق ذلك يعيشون في مدن وبلدات جنوبي كوردستان. الحرفيون والمهنيون القادمون من كوردستان سوريا قد عمّروا متاجر ومحلات حرفية صغيرة في أغلب مدن وبلدات اقليم كوردستان. ويطلق أهلنا القادمون من كوردستان سوريا أسماء تحمل نكهة هذا الجزء الغالي من الوطن الكوردستاني على محلاتهم ومحترفاتهم وأماكن عملهم. أنت تجد في مدن وبلدات اقليم كوردستان بدءا من زاخو وصولا الى خانقين ومندلي محلات باسماء من كوردستان سوريا، نشير على السبيل المثال وليس الحصر الى البعض منها: (روجآفا، قامشلو، عامودا، كوباني...). اطلاق تسميات ذات بعد كوردواري من غربي كوردستان في مدن وبلدات جنوبي كوردستان تأخذ بعدا أوسع في حالة (كوباني) التي توشحت بحلة الاسطرة وباتت أيقونة كوردستانية ومأثرة كوردية تضاف الى سجل المآثر الكوردية. فكوباني لم تعد مجرد مدينة تقع في كوردستان سوريا، بل هي تمثل تجل اسطوري للصمود والمقاومة الكوردية بوجه الغزاة.
كوباني ذكرى طيبة وعنوان أثير ومشرّف في الروزنامة الكوردستانية، وهي عنوان هوية كوردية تقبلها العالم بكل اجلال واكبار. ويعبر الكورد جميعا عن اعتزازهم بكوباني المدينة والملحمة التي سطّرها أبناؤها ومن خلفهم ضمير كلّ كوردي أينما كان. وبذلك نجد كوباني تتخطّى جغرافيتها المحلية لتصبح عنواناً كوردوارياً على مستوى كوردستان الكبرى. ولعل من أحد أبرز ملامح تحول كوباني الى عنوان رمزي وآيقونة يتغنى بها الكورد حيثما كانوا، هو اطلاق تسمية كوباني وعلى نطاق واسع في جميع مدن وبلدات جنوبي كوردستان على العديد من المعالم العمرانية والتجارية. فهناك ورشة كوباني، معمل ألمنيوم كوباني، كراج كوباني، مطعم كوباني، حلاقة كوباني، حدادة كوباني، مخبز كوباني، نجارة كوباني، غسل كوباني ..الخ، فالقائمة تطول ونحن نكتفي بهذا القدر لنقول بأن الاحتفاء والافتخار بكوباني لا يقتصر على المستوى الشعبي فقط، بل ان الجهات الرسمية في حكومة اقليم كوردستان تتعامل مع آيقونة كوباني بمزيد من التقدير. مثلا نشير الى ان حيا جديدا بني حديثا في كركوك اطلق عليه اسم كوباني، أحد أهم الشوراع الرئيسة في السليمانية يحمل اسم شارع كوباني. إطلاق تسيمة كوباني بات تقليداً في مدن وبلدات اقليم كوردستان. وأحيانا نجد اسم كوباني يتكرر في بعض المواقع والشوارع كاسم لأكثر من محل ومتجر أو محترف.



