صراع البوركيني والمايو، صورة مختزلة من مجمل مشهد صراع الحضارة. ان قبل الغرب افتراضا البوركيني، فهل يقبل الشرق المايو؟
قد يكون هذا المدخل لمقالنا هذا يفتقر الكياسة نوعا ما، الا انه يقدم صورة مركزة ومختزلة عن واقع الصراع بين الحضارات والكتل والمجاميع البشرية التي تنتمي لثقافات متباينة. مع ان للحضارة بعدين يمكن تحديدهما بالروحي والمادي، المعنوي والظاهري، الا ان التداخل والتشابك بين هذين البعدين هو من المتانة والصميمية بحيث يتعذر معه التميّز والفصل بينهما. ولعل سبب الصراع الحضاري هو تباين المنظومات القيمية والرؤى الحياتية والخلفيات الفكرية والفلسفية المتباينة بين الانماط الحضارية، التي تفرز بالنتيجة آليات مختلفة وتطرح رؤى ومشاريع نظرية متنوعة لتحقيق الحياة المثلى للفرد والجماعة. ويبقى الصدام والتصادم والصراع الناشب بين الدوائر الحضارية، ناتجا عرضيا لعدم التوافق الحضاري بين الدوائر الحضارية التي تتفاعل فيها عوامل عدة، منها الدين والمعتقد والاعراف والتقاليد والتراث والمنظومات القيمية والمنجزات الحضارية والاحلام والتطلعات، وأخيرا المصالح والسيادة.
الشرق والغرب
ورثنا من الاجيال التي سبقتنا تقسيما حضاريا يقسم العالم الى شرق وغرب. وهذان المفهومان قد وردنا من الفكر الغربي، وهو ربما في شطر منه نتاج الاستشراق الذي لعب دورا بارزا في بلورة الرؤى الاوربية التي تشكل قلب الغرب النابض، خصوصا غرب القارة الاوربية. وانعكست ظلال تلك الرؤى تاليا على مجمل الناشط الثقافي والفكري لبلدان وممالك الشرق. هذان المفهومان اللذان ربما تمحورا بشكل خاص حول العالم الاسلامي وشعوبه المنتشرة بكثافة في آسيا وافريقيا، ولم تستطع هذه الديانة (الاسلام) اكتساح اوربا، مع ان الفاتحين المسلمين (العرب والامازيغ) قد طرقوا في القرن السابع الميلادي أبواب البرانس جنوب فرنسا، ووصلت جحافل العثمانيين في القرن الخامس عشر أبواب فيينا في قلب اوربا، الا ان القارة الاوربية ممثلة روح الغرب، استطاعت المحافظة على دائرتها الحضارية (الغربية) معتمدة في ذلك على التراث الحضاري للاغريق والرومان ومستلهمة تعاليم الديانة المسيحية وثقافتها الروحية.
ثنائية الشرق والغرب قد حددت آفاق الرؤى الفكرية والحضارية عموما، وأدخلت حقل الدراسات وكذلك الوسط الثقافي، ضمن نطاق دائرة لا يمكن ان تقدم صورة شاملة لمجمل الواقع الحضاري للعالم أجمع. وحقيقة فان هذه الثنائية هي نتاج تصادم حضاري يمتد الى قرون عديدة قبل الميلاد، حيث تبادلت أمم الشرق والغرب (امم الشرق الأوسط واوربا) السيادة والغزوات ضد بعضها البعض، ولعل غزوات الاسكندر المقدوني تقدم النموذج الأبرز لهذا الصدام الحضاري بين الطرفين. وقد نتج عن ذلك تصورات تقسم العالم الى شرق هو أدنى من حدود الصين والهند شرقا والشواطئ الجنوبية والشرقية للبحر المتوسط غربا، وغرب ينتهي عند حدود اوراسيا وسط سهوب الصقالبة والروس شرقا وشواطئ الاطلسي غربا.
الحقيقة التي لابد من التنويه بها هنا، هي ان العالم أكثر سعة من هذه الثنائية التي درجنا تناولها والتحدث عنها. فالصين بحد ذاتها دائرة حضارية بالغة الخصوصية وذات هوية مميزة غير قابلة للاختراق. انها ليست فقط قوّة بشرية هائلة، بل انها عمق حضاري كبير حافظ على خصائصه التراثية والثقافية حتى في عصر المعلوماتية والتقانة والعولمة. فهذا البلد يشكل دائرة حضارية خاصة خارج منظومة الشرق والغرب الافتراضية المعروفة لدينا. فالصين كانت وماتزال تشكل عالما خاصا بذاته، لا يفقه الآخرون منه الا ما ندر. فهو يشغل مجالا حيويا بالغ الأهمية والخطورة ديمغرافيا وحضاريا، ولا يقلل من شأن ذلك عدم معرفتنا للغة الصينية وتعذر حل ألغاز رسم الكتابة الصينية بالنسبة لنا. والدليل على مكانة الحضارة الصينية، هو انه مع ان اللغة الصينية (الماندرين) متداولة في الصين فقط، الا انها لغة اممية وعدد الناطقين بها هو الأكبر عالميا.
والهند دائرة حضارية أخرى يطلق عليها جغرافيا شبه القارة الهندية، التي تقلصت حدودها من الشرق والشمال والغرب، بعد انفصال دولتي بنكلادش وباكستان والاجزاء الجنوبية من افغانستان منها وانضمامهم الى منظومة دائرة الحضارة الاسلامية (الشرق وفق مفهوم استشراقي). ولعل من خصائص دائرة الهند الحضارية هي الوحدة في التنوع. فالمجتمع الهندي الذي يتوقع ان يتجاوز الصين في عدد نفوسه في غضون أقل من عقدين، مجتمع تعددي من حيث اللغة (أكثر من 500 لغة منها 18 لغة رسمية) والدين (الهندوسية، الاسلام، البوذية، السيخ، المسيحية، الزرادشتية وأديان اخرى)، وهي حاضنة حضارية تسبغ ملامحها على كل ثقافة ومعتقد يدخل جغرافيتها.
ظلال الثنائية
قبل وصول الرحالة والمستكشفون الاوربيون الى العالم الجديد (قارتي أمريكا الشمالية والجنوبية)، كانت هناك حضارات عامرة وشعوب بنت المدنية وأرست اسس الحضارة وعمّرت البلدان بالعمران والمدنية. حضارة شعوب الامريكيتين كانت من طراز مختلف، وتجرتها الحضارية كانت أيضا من طراز مختلف تماما. فالحضارات التي سادت الثلاثي القاري (آسيا، افريقيا، اوربا) قد رفدت بعضها البعض وتصارعت البقاء والديمومة واستفادت من تجارب بعضها البعض. وبذلك فقد سارعت خطى التقدم والنمو بسبب تعدد الروافد الحضارية طوال أكثر من أربعة آلاف عام. واستطاع الاوربيون خلال القرون الأخيرة تطوير آليات الانتاج والتصنيع، وبالاعتماد على االمكتشفات العلمية وتطوير اداء الآلة، وبذلك بات في متناول الانسان آلات وأدوات أكثر فعالية من حيث الانتاج وعند الحرب والقتال. وبحكم ذلك فقد هاجم الاوربيون شعوب الامريكيتين وكان التفوق من نصيبهم، وبذلك فقد تلاشى كم كبير من التراث الحضاري والمعطيات الروحية والثقافية لشعوب العالم الجديد، بسبب قساوة الغزاة الاوربيين وعدم توازن ميزان القوة بين الغزاة وأصحاب الأرض الاصليين. وبعد سلسلة حروب ابادة ضد شعوب العالم الجديد، استتبت الامور لصالح الغزاة، وفتحت أبواب القارتين للمهاجرين القادمين من مختلف البلدان. الغزاة نقلوا معهم ثقافاتهم ولغاتهم، وكانت الغلبة للمكون الأكثر حضورا ضمن نطاق الدول الجديدة التي تبلورت شيئا فشيئا وحققت الاستقلال من البلدان المستعمرة. وبذلك باتت اللغة الاسبانية هي لغة أغلب دول العالم الجديد، تليها الانكليزية لغة الولايات المتحدة وكندا، ثم البرتغالية لغة البرازيل والفرنسية لغة اقليم كيوبك الكندي، مع جزر لغوية صغيرة هنا وهناك في قارتي امريكا الشمالية والجنوبية والكاريبي، بل شاع مصطلح أمريكا اللاتينية في هذه البقاع أيضا، في اشارة الى استنساخ التجربة الاوربية وثقافتها اللاتينية في العالم الجديد.
هذه الدول والشعوب التي نشأة أخيرا في الامريكيتين، كونت دائرتين حضاريتين جديدتين، هما في الاصل امتداد عضوي للحضارة الغربية (الاوربية)، لكن خصوصية الجغرافية والتراث المحلي للشعوب الاصلية للعالم الجديد، وكذلك خليط المهاجرين القادمين من بلدان عديدة، قد منحت هذه البقعة من العالم خصوصية حضارية. فنحن الآن أمام دائرتين حضاريتين واضحتي المعالم، وهما الحضارة الامريكية بفلسفتها البرغماتية التي تحتضن المؤسسات الاممية وتقود العالم حتى الآن عن جدارة، والحضارة الامريكية اللاتينية التي نهلت من رحم الثقافة الاسبانية بشكل اساسي والتي هي مزيج بنّاء من الثقافة الاوربية والروح الشرقية (الاسلامية العربية الامازيغية).
القارة السوداء: الزاوية المهملة
الصحراء الكبرى التي تمتد كحزام بعرض آلاف الكيلومترات وبطول آلاف الكيلومترات أيضا، عزلت شمال القارة الافريقية عن وسطها وجنوبها وكذلك عن أحراش وأدغال السودان وأعماق القارّة، وقد شكلت الصحراء جدارا طبيعيا عازلا لم يستطع الفراعنة والرومان والاسكندر والفاتحين العرب وغيرهم من اختراقه والتوغل في أرجاء القارة السوداء. فالحضارة الفرعونية وثقافتها اقتصرت على امتداد محدود من مجرى النيل لم يتجاوز جغرافية مصر الحالية، وجنود الرومان وقوانين امبراطوريتهم المتوسطية لم يفارقا ساحل المتوسط لصعوبة تحدي عامل الحاجز الجغرافي.
هذه الحقائق لا تستطيع أن تحجب الواقع الحضاري للامم السوداء التي تنتشر على ثاني أكبر كتلة لليابسة على الكرة الارضية. الثقافة الافريقية مع انها لم تفصلها البحار والمحيطات عن العالم القديم، الا ان الحزام الصحراوي والاحراش كانت بمثابة السد المنيع الذي تراجعت الجيوش الغازية عن خوض غماره. وبذلك فان التجربة الحضارية لشعوب القارة الافريقية ظلت بمعزل عن ثنائية التفاعل الحضاري بين عالم الشرق والغرب المفترض، وأيضا بمعزل عن تفاعل الاثنين مع ثقافات الهند والصين ومنجزاتهما الحضارية.
مع ان ملامح الثقافة والحضارة الافريقية تبدو باهتة أو غير ذات شأن أو تأثير، لكن الواقع هو غير ذلك. ان الطابع الغالب على صورة افريقيا هو صورة القبائل النمطية، هذه القبائل التي تعيش حياة بدائية وسط الغابات والاحراش المليئة بالحيوانات المفترسة. وهذه الصورة ليست تخيلية أو افتراضية، بل هي واقعية، لكنها لا تمثل سوى جزءا من عموم المشهد في القارة السوداء التي تمتلك تنوعا كبيرا لا يخلو من المعطيات الحضارية بالغة الأهمية. لكن تفوق الانسان الابيض (الجنس القوقازي) وجبروته وكبرياؤه قد نالت من حقيقة المعطيات الحضارية في القارة السوداء وصوّرتها بشكل لا يتوافق مع الحقيقة تماما، بل يتناقض معها في الكثير من الأحيان، لأن العالم المتمدن الذي امتلك اساسيات التصنيع والتقنية، قد فرض تصوراته ورؤاه ولم يجد أمامه ندا. لعل تجربة جمهورية جنوب افريقيا قدمت الكثير من ثقافة القارة السوداء، فبعد سنين من الاضطهاد والقمع الذي مارسه الغزاة (المواطنون من اصول اوربية) ضد السكان الاصليين (الافارقة من السكان الاصليين للجمهورية) نهض مارد نلسون مانديلا مقدما آية من آيات التسامح والتعايش البناء بين المكونات المختلفة لوطن تشكل بفعل دمج المهاجرين القادمين من الخارج والمواطنين الاصليين. وهذا الامر هو جزء من الحكمة الافريقية التي تشكل معينا ثرا لرفد البشرية بالقيم البناءة.
العصرنة، مطلب واشكالية
العصرنة بمفهومها الواسع باعتبارها عملية تحديث شاملة تشمل مختلف تشكيلات المجتمع ونظمه المدنية وكافة نواحي البنى التحتية للبلدان والأوطان، تدخل بقوة في صلب الممكن والمنتظر في الحياة الحضرية للمجتمعات وآليات تقبل المعطيات الجديدة للحضارة المعاصرة. مع ان العصرنة حالة واقعية لا مناص من تقبلها، لأن رفضها يعني العزلة غير الممكنة التي لا يمكن أن تدوم ولا تدر نفعا لأي نظام سياسي أو كيان اجتماعي يجعل العزلة خيارا. هذا المطلب تحول بعد تعثر تطبيقه في المجتمعات النامية الى اشكالية تستوجب الدراسة والتحليل.
ولعل السبب الرئيس وراء تعثر عميلة العصرنة لدى المجتمعات التقليدية هو حالة الاغتراب الحضاري التي تعيشها المجتمعات المستقبلة للحضارة المعاصرة. فالمجتمعات المتقدمة تعيش حالة من التآلف مع المنجزات الحضارية ومعطياتها، كونها وليدة فعالية ديناميكيات البحث والاستكشاف الناشطة في هذه المجتمعات التي سلكت درب العصرنة وأرست اسسها، بفعل عوامل وفواعل ومداخيل ذاتية انتجتها تجارب هذه الشعوب والامم ضمن مسار التقدم الذي اعتمد العقلانية في الفلسفة والعلمية في الاستقصاء والبحث. وتم شرعنة كل نتائج التجارب الحياتية لها بالشكل الذي يرسي أسس حياة تسير ضمن مضمار مستقيم وتصاعدي نحو الأفضل والأحسن والأكمل والأتم اداء. كل هذه الآليات ولدت من رحم المجتمعات المتقدمة التي سلكت درب التقدم والتطور خطوة فخطوة، وبنت معمار الحضارة من خلال صرح المنجزات المتتابعة وتراكمها، وبذلك فانها تعيش العصرنة قلبا وقالبا، بعكس المجتمعات النامية التي وردتها منجزات ومعطيات العصرنة وحولتها الى مجتمعات استهلاكية مستقبلة فاقدة القدرة على العطاء والمساهمة الحضارية. فالعصرنة في بعدها التقني الانتاجي والحداثة في بعده الفكري والعلمي، هما كم هائل من الآليات المنسجمة والمتكاملة التي تخلق بفعل طابعها الشمولي اتموسفيرا حضاريا يواصل التطور والنموّ المستدام، مما يعني ان الحضارة المعاصرة اكتملت مقوماتها لدى الشعوب المنتجة لها وذلك بفعل تراكم المنجزات الحضارية والانجازات العلمية وتطور النظم، وقد تبلورت بفعل ذلك عناصر التفاعل المثمرة الضامنة للتواصل الحضاري وتحقيق المنجزات وتوالي الاكتشافات الجديدة من دون انقطاع.
الشعوب المستقبلة للحضارة الحديثة بما فيها من عناصر ومستلزمات العصرنة، تتعامل من موقع استقبال واستهلاك المنجزات الحضارية وتفتقر آليات الانتاج والابداع والعطاء والاسهام فيها. هذه الآليات لابد وأن تتبلور بشكل ذاتي، فهي غير قابلة للنقل الآلي من المجتمعات المتطورة الى المجتمعات النامية. فالحضارة هي في الصميم روح ودم يسري في جميع مفاصل المجتمع العصري، وهي ايضا فهم وآليات تجد تجلياتها لدى كل فرد من أفراد المجتمع. مثلما حالة التخلف هي أيضا روح ودم يسري في جميع مفاصل المجتمع المتخلف (يتم التخفيف من وطأة مصطلح التأخر والتخلف ويتم استبداله بمصطلح النامي، وذلك من باب شحذ الهمم وتفعيل الطاقات الخلاقة). لهذا فان المجتمعات النامية (المتخلفة) تبقى في منأى من بلوغ مرفأ الحداثة والعصرنة، بل ان تجارب بلدان الشرق الأوسط تقدم حالات من النكوص في مسعاها الحضاري نحو العصرنة بسبب كثرة التناقضات التي تعيشها هذه المجتمعات على الصعيد السياسي، الثقافي، الاقتصادي، الاجتماعي، الفكري.. الخ، وفي كل مجالات الحياة. لذلك تتعثر مسيرة التحديث والعصرنة في هذه البلدان، رغم كثرة التنظيرات وتبني المشروعات الطموحة.
الاشكالية الكبرى التي تقف أمام دخول باب العصرنة، هو تعثر عملية تحديد المسار الحضاري للنمو. فالمجتمعات الشرق أوسطية تعيش في لجة عدد من المشاريع أو الرؤى والخطط النظرية التي تطرح تنظيرات متباينة غير معمّقة حول سبل الشروع في عميلة العصرنة والبدء بعمليات التحديث. وبحسب متابعتي الشخصية لتجارب دول وشعوب الشرق الاوسط ضمن سياق مشاريع التحديث خلال القرن الماضي، أعتقد ان هناك ثلاث رؤى وطروحات أساسية، وهي كالآتي:
الاولى ترى بأن التقدم الحضاري لا يمكن تحقيقه الا من خلال الرجوع الى منابع تراثنا الحضاري وتبني سيرة الأولين في التقدم والرقي الحضاري.
الثانية ترى بأن افضل طريق لتحقيق العصرنة ودخول مضمار الحضارة الحديثة يكون من خلال نقل التجربة الغربية وتطبيقها بحذافيرها في مجتمعاتنا وبلداننا.
أما الثاثة فهي خيار الوسطية الذي يرى بأن التقدم والعصرنة يمكن تحقيقهما من خلال المزج بين العناصر الايجابية لتراثنا وحضارتنا الغابرة مع العناصر الايجابية للحضارة الحديثة.
مناقشة الطروحات الثلاثة ربما يحتاج الكثير، لكن من باب الاختزال نقول بأنه رغم تعدد مشاريع التحديث لدينا، الا ان التقدم المنشود والأمل الحضاري المنتظر تعثر تحقيقهما، لأن المجتمعات الشرق أوسطية تعيش حالة من التخبط والتصادم بين هذه المشاريع، وهي لم تتوحد ولم تستقرّ على مسار موحد، بل عاشت التناقضات والصدامات بين هذه الرؤى، وفي ذلك هدر هائل للطاقات البشرية والمادية وعامل الزمن.
ومع انه يتعذر عليّ تقديم المثال والنموذج، الا انني على قناعة شبه تامة، بأن الواقع الحضاري لبلدان الشرق الاوسط يمكن أن يشهد التقدم والتطور بالاعتماد على أحد الطروحات الثلاث، هذا فيما لو تم اعتماد العلمية في العمل والحيادية في الطرح والتعامل والحرص على استثمار العقول والطاقات الخلاقة لدى هذه المجتمعات. والأهم من ذلك تجاوز الاشكالات الانسانية التي تعيشها هذه المجتمعات ومعالجة حالات الصراع وارساء أسس عقود اجتماعية وقانونية تضمن الحد الأدنى من العدالة والمساواة والرفاهية للأفراد وتمهد لبناء دولة المؤسسات والقانون، ويتحقق في مجتمعاتها مفهوم المواطنة شرعنة وتطبيقا.
حقيقة ان القصور ليس في المشاريع بل ان القصور الحقيقي في بنى المجتمعات والانظمة السياسية التي تقودها. التقدم والتحضر في صلب ذاته آليات تتحكم بجميع مفاصل الحياة، والافراد في المجتمعات المعاصرة المتقدمة، يتم التعامل معهم من منطلق روح المواطنة، وهذه من أبجديات التوصل الى مرفأ روح الحضارة التي من دونها، لا أمل في تحقيق أي تقدم منتظر.



