من أكثر المظاهر المؤلمة للضمير الجمعي للأمة الكردية، أن تجد علم كوردستان يحرق ويمس علياؤه من قبل أبناء جلدتك. ان الشباب الكردي الذي يتعرض للأدلجة وغسل الدماغ، بالشكل الذي يعادي أحد أبرز رموز السيادة القومية لأمته، يجب الاعتراف بأن الجرم الذي يقترفه يقع وزره الأكبر على من عرّضه لعملية غسل دماغ رهيبة.
سيرة العلم
منذ أكثر من قرن أقرّ الكرد من خلال ثورة (آكري داغ) التي قادها الزعيم احسان نوري باشا في شمالي كردستان علما خاصا ليكون رمزا للسيادة الكردية وعنوانا لأرض كردستان. هذا العلم رفع أيضا قبل (70) عاما في أول جمهورية كردية خلال القرن العشرين، حيث رفرف عاليا في مهاباد كعاصمة لجمهورية كردستان الديمقراطية بشرقي كردستان. ونظرا لكون العلم يمثل آيقونة رمزية للسيادة الكردية والكردستانية، فقد تم منعه من قبل الانظمة التي تحتل وتقتسم جغرافية كردستان، وذلك كتعبير رمزي من قبل دول الجوار الكردي عن رفضها لوجود كردستان، وبالتالي لأي سيادة كردية محتملة تتمتع بصفة رفع العلم وقيمته السيادية. مع هذا فقد احتفظ الكرد بصورة علم كردستان في ذاكرتهم الجمعية وفي ضميرهم الجمعي الحي، وأكيد في قلوبهم وأماكن خفية من منازلهم واراشيفهم. ولم يستطع (أو يتجرأ) أي حزب سياسي كردي تبنيه حتى العقد الأخير من القرن الماضي، لأن رفع علم كردستان هو دليل عملي شاخص عن السيادة الكردية والكردستانية التي يرفضها محتلو أرض كردستان بكل قوّة وعنجهية.
الحزب الوحيد الذي أتخذ علم كردستان كعلم له منذ الربع الأخير من القرن العشرين، هو الحزب الاشتراكي الكردي (باسوك) في جنوبي كردستان. وقد شوهد هذا العلم منذ عام 1991 يرفرف في مقرات (باسوك) في جميع المناطق المحررة من أرض جنوبي كردستان، وكان مصدر الهام وارتياح كبيرين بالنسبة للشعب الكردي وهو يرى علمه شامخا فوق أسطح عدد من مباني بعض مدن كردستان.وتاليا أقرّ برلمان كردستان- العراق علم كردستان قانونيا معتبرا اياه علما رسميا لاقليم كردستان. ونظرا لحساسية مغازي رفع العلم، فقد تم تعميم رفعه بشكل تدريجي خطوة فخطوة، كي يكون بمنأ عن استفزاز الجوار. وقد اعترف الدستور العراقي الصادر عام 2005 بعلم كردستان كعلم رسمي لاقليم كردستان. ويعد هذا العلم حاليا عنوانا للسيادة الكردية في جميع جغرافية جنوبي كردستان.
جميع الاحزاب الكردية في أجزاء كردستان الاربعة تعترف بعلم كردستان كعلم وطني كردستاني، حزب العمال الكردستاني وأجنحته هو الحزب الوحيد الذي لا يعترف بعلم كردستان، وتتجاوز الامور لدى هذا الحزب وبعض أجنحته حدود المعقولية في رفضهم لعلم كردستان الى محاربته وانزاله واحراقة. الجمعية الجغرافية البريطانية أقرت علم كردستان بالوانه (الأحمر والأبيض والأخضر) والشمس (الصفراء) التي تتوسطه، كعلم رسمي لكردستان. ولعل رفض علم كردستان من قبل العمال الكردستاني وأجنحته، نابع من مغالاة في الحس والحساسية الايديولوجية، وحبذا لو ينظر الاخوة من قادة هذا الحزب الى علم كردستان خارج الاطر الايديولوجية، فمحاربة ومعاداة علم كردستان تلحق الضرر الكبير بهذا الحزب وأجنحته أكثر مما تفيدهم. معاداتهم لعلم كردستان، يوازي معاداتهم لشعب كردستان وقضيته العادلة، وهذه مغالطة سياسية رهيبة لا يقترفها الداركون في السياسة وشعابها.
الاستخفاف برمزية العلم
ليس من الشجاعة ابدا مهاجمة الاعلام والاستخفاف بقيمتها الرمزية، بل وأكثر من ذلك الاقدام على حرقه عن سبق الاصرار. ليس هناك شعب على الكرة الارضية يعادي علمه الوطني أو يرضى الاستخفاف به. هذه الظاهرة قد لمسناها فقط في كردستان سوريا (غربي كردستان) حيث يعادي مؤيدو حزب الاتحاد الديمقراطي علم كردستان، وقاموا بحرقه وأنزاله في أغلب مدن كردستان سوريا. هذا العمل ليس ديمقراطيا ولا يقود الى الوحدة والاتحاد.
قوات حكومة ايران الشاهنشاهية اسقط حينها جمهورية كردستان وأعادت احتلال عاصمتها وأعدمت رئيس جمهوريتها (قاضي محمد)، الا انها لم تستطع الاستخفاف بعلم كردستان، لأن القاضي رئيس الجمهورية قرر التضحية بروحه من أجل شعبه،وبالتزامن مع ذلك وفي لحظة تأريخية نادرة، أودع العلم أمانة لدى الزعيم الروحي للامة الكردية (مصطفى البارزاني)، موصيا اياه صيانته من السقوط أو الوقوع في قبضة الاعداء. وبالفعل فقد تم صيانة حرمة علم كردستان رغم الظروف القاهرة التي حلت بالقائد مصطفى البارزاني ومقاتليه من البيشمركة.
علم كردستان يمثل الضمير الجمعي للشعب الكردي في أجزاء كردستان الاربعة وفي المهاجر حيثما كان الكرد. ولم يتعرض علم كردستان على يد الآخرين للحرق والاستهانة، بل انه بات عنوانا للكرد على المستوى الدبلوماسي في عدد من العواصم الاقليمية والعالمية، انه راية جامعة لأمة الكرد والكردستانيين حيثما كانوا. ويبقى حرق الاعلام ظاهرة تنم عن الافلاس السياسي والنكوص الاخلاقي، فليس في الاقدام على هذا الأمر شجاعة أو مرؤة، بل هو عمل طائش يدل على قمعية مرتكبه وعدم ايمانه بحق الآخرين في الوجود واصابته بداء المغالات والغرور، وهاتان الصفتان تؤديان بصاحبهما الى الضياع والخسران.
ان المتعرضين لغسل الدماغ من الشباب الكردي حد معاداة علم وطنهم، سيأتي يوم عليهم ويكتشفون هول الحماقة التي ارتكبوها، حينها لا ينفع الندم لأن الخطيئة هذه من الكبائر على المستوى القومي والوطني. فحرق علم كردستان لا يعني انك تعادي المجلس الوطني الكردي وأحزابه، بل انه جرم كبير يرتكب بحق أمة بكاملها. الاستمرار في معاداة علم كردستان لعب بالنار ولن يجني العمال الكردستاني وأجنحته الا الريح الهوجاء من وراءه. حبذا لو يعيدوا النظر بمواقفهم المتشددة ويمتلكوا شجاعة مراجعة الذات الحزبية المتعالية على الآخرين، بل وعلى المقدسات الكردية التي تبلورت خلال قرنين من النضال المتواصل للأمة الكردية.
نشرت القنوات الاعلامية خبرا جاء فيه، هاجم مسلحو وانصار حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) يوم 2/12/2016 مقر محلية المجلس الوطني الكوردي في سوريا بمدينة عامودا، على خلفية مظاهرة في قامشلو من اجل الضغط على حزب (PYD) للافراج عن المعتقلين الكورد وتم إنزال علم كوردستان وحرقه أمام المقر.وقال نشطاء على موقع التواصل الاجتماعي (الفيسبوك)، بأن مسلحي حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) يقومون بحرق علم كوردستان.
أي عمل طائش هذا الذي يقومون به؟
الحزبية والعلم
تبقى الاحزاب والمنظمات والجمعيات وكافة التشكيلات المدنية والسياسية حرّة في اختيار اعلامها، مع هذا فان جميع الاعلام في كردستان الوطن، بما فيها اعلام جميع الاحزاب الكردية، هي أدنى منزلة من علم كردستان. وقولنا هذا ليس من باب التصغير والتعظيم، بقدر ما هو تأكيد لحقيقة وطنية واقعة لا تقبل الجدل. مع كل الاحترام لاعلام الاحزاب، فانها جميعا لا تمثل الضمير الجمعي للامة الكردية، لأن هناك بين الكرد والكردستانيين أعداد غير قليلة من المواطنين من غير أنصار الاحزاب، علاوة على ان كل حزب مهما كبر، فان انصاره يبقون جزءا من كل، والكل مع علم كردستان وليس مع علم الاحزاب قاطبة. عليه يمكننا القول بان اعلام جميع الاحزاب مهما كثرت أو قلّت، لا تعبر عن الرمزية الكردية وضمير الكردستانيين، مثلما يختزل علم كردستان رمزية الوجود الكردستاني أرضا وشعبا.



