المشهد السياسي في كردستان سوريا يعيش حالة من الانشطار السياسي بين القوى السياسية الكردية الفاعلة منذ اندلاع الثورة السورية. الحركة السياسية الكردية بجميع أحزابها اختارت طيلة تأريخها النضالي، العمل النضالي السلمي تماشيا مع خصوصيات الوضع الكردي في سوريا وايمانا من النخب السياسية بأن النضال السلمي هو الأكثر ملائمة للوضع الكردي السوري.
اندلاع انتفاضة الشعب السوري ضد حكومة بشار الاسد، لم تغيّر شيئا من قناعة الاحزاب الكردية حيال ستراتيجية النضال السياسي القومي. بل كانت هذه الاحزاب مبادرة وسبّاقة في تنظيم ودعم الانتفاضة بطابعها السلمي، وخرجت من النضال المتواري الى النضال العلني، ورفعت شعارات جريئة طالبت فيها اسقاط النظام واقرار الحقوق القومية الكردية في سوريا. ولعل مصداقية هذه الشعارات تجسدت من خلال عدم استجابة الاحزاب الكردية المعروفة للدعوة التي اطلقها النظام للتفاوض مع الاحزاب والقوى السياسية الكردية. هذه الدعوة التي شطرت تاليا المشهد السياسي الكردي الى شطرين واحدثت انقلابا غير منتظر في واقع النضال القومي الكردي.
المشهد السياسي الكردي الذي تمخض بعد الثورة من خلال التنسيق الذي حصل بين أحد الاحزاب الكردية مع نظام بشار الأسد، أحدث انقلابا كبيرا في البيت الكردي، حيث توزع الحراك السياسي الكرديعلى جناحين، رفع أحدهما السلاح وانخرط في العمليات العسكرية التي حولت البلد الى ساحة مفتوحة من المواجهات بين أطراف ومجاميع مسلحة ذات أجندات متقاطعة، وتداخلت فيها الخنادق بشكل لم يشهده أي بلد آخر، فيما واصل الآخر (الذي ضم الغالبية العظمى من الاحزاب والقوى السياسية الكردية) مشوار النضال السلمي، مؤكدا ثوابته في النضال المدني واتخاذ الاساليب المدنية والسلمية للنضال من أجل نيل الحقوق الكردية.
ليس من السهل الحكم حاليا على النتائج التي تتمخض عنها الاوضاع السوريةوالمرفأ الذي يرسو عنده مركب الثورة السورية، لكن التضحيات والآلام والدمار الذي طال الشعب والبلد، يبقى باعتقادي أكبر من أي نتيجة تتمخض عنها الثورة. والمشهد السوري بعد أن تضع الحرب أوزارها لن يكون ابدا مثل مشهده ساعة انطلاق الثورة بطابعها السلمي، بل سيكون الجميع أمام واقع مثقل بالجراح والآلام والمعاناة غير القابلة للجبران خلال عقود. وأمراء الحرب سيكون لهم اليد الطولى في العبث بالمشهد بعد انتهاء الثورة التي ستجلب العديد من المظاهر والمفاجئات والحالات غير المنتظرة والخارجة عن توقعات الكل. ومن هنا ندرك حراجة الموقف الحالي لقوى المعارضةالتي لابد وأن تخضع لشبكة العلاقات المصلحية لبلدان المنطقة والقوى الكبرى التي تتلاعب بالمشهد السوري وبمصير شعبه الذي ذاق الأمرّين منذ عام 2011.
مثلما يتعذر اعادة عجلة الزمن الى الوراء، كذلك يتعذر اليوم أو غدا الكيل بمعيار الأمس. الثورة السورية دخلت بسبب تشتت الجهد المعارض وظهور المجاميع المسلحة المتشددة أنفاقا مظلمة، ومما زاد من قتامة المشهد هو التدخلات الاقليمية والدولية ذات الطابع البرجماتي السلبي. عليه لابد وأن يكون التعاطي مع الوضع السوري عموما والوضع الكردي السوري خصوصا، وفق معطيات جديدة باتت تشكل فواعل وعوامل مؤثرة في مجريات الامور.
التوازن الكردي بين الجناحين الرئيسين للحركة الكردية في كردستان سوريا لابد من الاعتراف به، ومن ثم السعي لاستقطاب أوسع قدر منقوى الشارع الكردي من خلال ادامة المحافظة على السلم الاهلي وخلق فرص التفاهم والتعاون من أجل التوصل الى حلول عملية تخدم القضية الكردية في سوريا. وكذلك الاستفادة من تجارب الماضي واستنباط العبر من فشل الاتفاقات السابقة التي لم ترسو عند مرفأ التوازن الكردي- الكردي.والجهد العسكري الذي يبذل كرديابات ملحا كتحصيل حاصل،ولا يمكن التراجع عنه في ظل التشابك في المشهد العسكري والتهديدات المتواصلة للمجاميع الارهابية التي تسيطر على مساحات واسعة من البلد. لعل ضرورة العامل العسكري من خلال التماشي مع واقع حال المشهد السوري، هو الذي دفع بالمجلس الوطني الكردي الى خيار تبني (قوات روج) التي تلقت التدريب والتأهيل في اقليم كردستان وشاركت وحداته في المواجهات والقتال ضد تنظيم داعش بشجاعة، وقدمت العشرات من الضحايا من الشهداء والجرحى ونالت الخبرة والدراية العسكرية.
وقدر تعلق الأمر بالجانب العسكري، من المهم الاشارة الى ايجابيات تلافي المواجهات البينية (الكردية- الكردية) بفضل وضوح الرؤية النضالية للقوى الكردية، خصوصا الجهات والاحزاب التي تمسكت بالخيار السلمي حتى نهاية المطاف. ويأتي تشكيل قوات روج كقوة احتياط وطنية كردية سورية ذات جهوزية عالية لمسك الارض وتولي المهام الدفاعية عن أرض وشعب كردستان سوريا، استجابة للوضع الكردي الحالي في كردستان سوريا. وليس هناك أي هدف آخر لهذه القوة المشكلة من الشباب الكردي السوريسوى الدفاع والحماية.
رغم حالات الصدامات التي وقعت هنا وهناك في مدن وبلدات وقرى روجآفا بين القوات الامنية التابعة لسطات (الادارة الذاتية) والمواطنون الكرد من أنصار الاحزاب غير المشاركة في هذه السلطات، وكذلك رغم الكثير من الضحايا والاعداد الكبيرة من المعتقلين، وكذلك المضايقات التي تفرض على النشاطات السياسية للعديد من الاحزاب ومن بينها خصوصا أحزاب المجلس الوطني الكردي، الا ان السلم الاهلي مازال عموما بخير، ومن أجل ادامة هذا السلم والارتقاء بمستوى التعايش الاهلي بين مواطني كردستان سوريا على اختلاف انتمائاتهم السياسية وخلفياتهم الفكرية والاثنية، لابد لسلطات الأمر الواقع (حكومات الكانتونات) أن توسع من افق الحريات العامة وتخفف من هاجس التشكيك والتخوين ضد المعارضين لحزب السلطة، خصوصا وان التظاهرات التي تقوم بها الاحزاب الكردية غير المتحالفة مع السلطات هي نشاطات مدنية تخلو من كل مظاهر العنف والتهديد، وترفع شعارات وطنية تتوافق من مطالب الشارع الكردي.



