ان الأحداث المأساوية التي رافقت الثورة السورية المباركة ، ونتيجة عوامل متعددة منها غياب برنامج وطني واضح وشامل للمعارضة ، سعي النظام الى إعطاء صبغة طائفية للثورة- العنف المفرط من قبل النظام- ظهور المنظمات الارهابية مثل داعش والنصرة وتاليا فتح الشام- التدخلات الإقليمية والدولية - إطالة أمد الثورة- كل هذه العوامل دفعت الوضع في سوريا باتجاه التقسيم على مستويينً.
١- التقسيم والتشظي على المستوى المجتمعي ، وتدهورالثقة بين مكونات المجتمع السوري بل غيابها وظهور نزعة الانتقام والثأر بشكل واضح رغم المساعي التي بذلتها النخب السياسية والثقافية من كل المكونات باتجاه الحفاظ على وحدة المجتمع السوري
٢- رافق التشظي المجتمعي تشظي الدولة السورية إلى كيانات متعددة يتقاسمها النظام وحلفاؤه والمنظمات الإرهابية وفصانل الجيش الحر، حيث نجد في سوريا عشرات الإدارات التي تدار من قبل الجهات المسيطرة على الأرض ، ولكل جهة قضاؤها الذي يناسب عقيدتها وأجهزتها الأمنية والإدارية وسجونها وحتى مدارسها وتعليمها الخاص ، ولكل جهة منها حماية اقليمية أو دولية بطريقة ما ، إضافة إلى مناطق النفوذ الإقليمية والدولية التي باتت تتشكل في سوريا بشكل واضح من خلال سيطرة تلك الدول مباشرة على الأرض ونشر قواعد لها إضافة الى استنادها الى وكلاء محليين .
إن هذا الوضع الخطر الذي نشأ في سوريا من خلال التشظي على مستوى المجتمع وعلى مستوى الدولة ، باتت وحدة سوريا مهددة لدرجة كبيرة جداً ، وبات الحفاظ على سوريا موحدة ضرورة استرتيجية ، وهذا لا يتحقق من خلال الشعارات والبرامج النرجسية الحالمة بل يجب معاينة الواقع بدقة وموضوعية ، والعمل على توفير أسس الحفاظ على وحدة سوريا ضمن هذه الظروف الكارثية .
وأعتقد أن الحفاظ على الوحدة يتحقق من خلال طرح برنامج وطني واضح يلبي طموحات كل مكونات الشعب السوري ، ويضع بالاعتبار تعقيدات الحالة السورية ، وحالة التشظي التي تمر بها ، ولذلك سأقدم بعض الأفكار وهي غير قاطعة وقابلة للنقاش والتعديل والبناء عليها ، والهدف منها تحقيق عدة قضايا جوهرية هي :
١- الحفاظ على وحدة سوريا
٢- تحقيق الأمن والاستقرار في سوريا
٣- تحقيق الديمقراطية الحقيقية
٤- توفير حقوق المكونات بأقصى درجاتها ضمن وحدة سوريا
٥- ضمان حرية الرأي والتعبير
٦- تحقيق وتعزيز مفهوم المواطنه المتساوية في الحقوق والواحبات
٧- القضاء على الإرهاب بكل مظاهره العسكرية والفكرية والأيدولوجية
٨- ضمان حرية تنقل المواطنين بين محافظات ومدن وبلدات سوريا دون خوف أو صعوبات
ومن اجل تحقيق هذه الأهداف السامية والجوهرية لابد من وضع الأسس والمرتكزات والتصورات التي تحقق ذلك وهي:
١-إن اللامركزية الإدارية التي تتبناها المعارضة السورية بشكل عام ومهما كانت هذه اللامركزية موسعة والتي قد تضمن حكما ذاتيا للمحافظات فإنها تلبي طموحات وحقوق بعض المكونات ، ولكنها لا تلبي طموحات وحقوق جميع المكونات وانطلاقا من أن سوريا لكل السوريين فان حقوق كل المكونات يجب أن تكون مصانة باقصى درجاتها ، لذلك يكون اعتماد الفيدرالية الجغرافية أو فيدرالية المحافطات هو الشكل الأنسب للدولة السورية والتي يجب أن تتوزع السلطة والثروة بين المركز والمحافظات مع ضمان اقتطاع جزء من واردات المحافظة لمصلحة خزينة المحافظة ، وفي حال إصرار بعض المكونات على اللامركزية الإدارية - وهذا حقهم الطبيعي - يمكن حينها اعتماد مستويين من اللامركزية في سوريا ، اللامركزية الإدارية للمكونات التي تطالب بها والفيدرالية للمكونات الاخرى ، وهذا الشكل من الدولة متوفر وقابل للتطبيق ، كندا مثال على ذلك
٢- من أجل تحقيق أقصى درجات التجانس المجتمعي وأفضل صيغ الترابط والتكامل بين مكون بعينه وبين المكونات السورية ، وتجنب نزعات الثأر والانتقام ، وتحقيق الاستقرار ، فإن الحاجة ماسة لإحداث محافظات جديدة في سوريا وإعادة رسم الحدود الإدارية لبعض المحافظات والمناطق بما يحقق الأهداف السابقة
٣-إن البحث لإيجاد آلية لتشكيل الأقاليم أمر ضروري ، وذلك بغية منح أي مكون سوري الحق في التجمع ضمن إقليم محدد بغية إدارة نفسه بنفسه ضمن وحدة سوريا والدستور الفيدرالي والمحلي ، وتوفير كل التسهيلات التي تتحقق منها إعطاء الحق الدستوري للبلدات والمدن والمناطق والمحافظات بالانضمام لبعضها ، وتشكيل إقليم موحد بغض النظر عن عدد المحافظات
٤- فصل الدين عن مؤسسات الدولة بشكل كامل مع ضمان حرية المعتقدات والشعائر والطقوس الدينية وحرية عملها في المجتمع بشرط أن لا تحرض على الكراهية والعنف ولاتتعارض مع الدستورلأن من شأن هذا الفصل إلغاء كافة أشكال التمييز على أساس ديني أو مذهبي أو جنسي
٥-إلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة ، وتحقيق المساواة التامة بينها وبين الرجل دستوريا في الحقوق والواجبات ، وضمان مشاركتها بشكل فاعل في مختلف مؤسسات الدولة بما فيها المؤسسات السيادية
٦- الإقرار بأن سوريا بلد متعدد القوميات والاديان والثقافات ، والالتزام بضمان حقوق الكل المتعددة وفق العهود والمواثيق الدولية ، وضمان وحدة سوريا
٧- مكافحة الإرهاب بكافة أشكاله وصوره هي مهمة وطنية نبيلة يجب التصدي لها بالتعاون مع المجتمع الدولي وبشكل جمعي ولا يقتصر الإرهاب على تلك المنظمات المصنفة من قبل مجلس الأمن بل إن كل طرف يسعى إلى فرض أيديولوجيته وعقيدته بالقوة والقمع والعنف يعتبر منظمة ارهابية
٨- اعتماد نظام ديمقراطي تعددي رئاسي برلماني (مختلط) مثل النظام الفرنسي لمنع تراكم الصلاحيات في يد شخص واحد وتحديد صلاحياتهم ومدة حكمهم
٩- التداول السلمي للسلطة عبر انتخابات حرة ونزيهة توفر للكل فرصاً متساوية للفوز بغض النظر عن العرق والجنس والمذهب والدين
١٠ -فصل السلطات الثلاثة التشريعية والتنفيذية والقضائية
١١- اقامة مجلسين في سوريا أحدهما للمكونات وتشارك فيه المكونات السورية بالتساوي بغض النظر عن عدد ها ويرأس مجلس القوميات أحد اعضائه بطريق الانتخاب ، والثاني مجلس الشعب أو البرلمان ، ويشارك في انتخابه جميع السوريين وفق قواعد وقوانين متفق عليها من خلال قانون الانتخابات.
١٢-أما في ما يخص المكونات السورية ومنها الشعب الكردي في سوريا ، فأعتقد أن أفضل صيغة هي أن يقرر المكون نفسه الصيغة التي تناسبه في إدارة شؤونه المختلفة وعلاقته بالمركز دون أن يكون لأي طرف أو مكون آخر الحق في التدخل فيه طالما أن الحل المنشود يحافظ على وحدة سوريا ، وضمن الإطار الوطني ، ووفق الأسس والمبادئ المذكورة سابقاً ، وإنما يجب أن يتم التركيز على تاطير وتنظيم تلك العلاقة دستوريا.



