طارق كاريزي: ما يبنى على الخطأ لا يثمر الصحيح

طارق كاريزي: ما يبنى على الخطأ لا يثمر الصحيح

الاحداث التي تعصف حاليا بمنطقة الشرق الاوسط، هي واقعية ودراماتيكية في آن واحد. واقعية نراها ونعيشها ونتعايشها عن قرب، او تطلعنا كل مساء وسائل الاعلام على تفاصيل تكون مملة أحيانا حول مجرياتها. دول الربيع العربي شهدت حالة من الانقلاب في الاوضاع والاحوال، ان نظرت اليها بمنظار الامس، ستبدو الامور في هذه الدول وعموم الشرق الاوسط غريبة ومدهشة. عاصفة سياسية كاسحة تهب منذ سنين على شكل صفحات حروب قاسية طاحنة مهلكة، هي بمثابة خط القدر الذي يعيد تأسيس التأريخ ويعيد صياغة الجغرافية في سياق من التطور التأريخي. والكرد يشكلون قوة تمارس الحضور السياسي والدبلوماسي والعسكري خارج مؤسسة الدولة، اي انهم عنصر محلي فاعل في خضم تفاعلات الاحداث،تتعامل معهم القوى العظمى مباشرة من دون وسيط اقليمي.

 

في هذا الزمن المثقل بالمتغيّرات والواعد بالتغيير، ربما مازال البعض يترددون في قبول الحقيقة كما هي. التغاضي عن رؤية حقيقة اللحظة التأريخية أو عدم فهمها واستيعابها، يجعل الجهة المتغاضية أو الغير مستوعبة، تتخبط في رؤياها ومساعيها، وتكون ارادتها رهن التقدير الخاطئ لمجريات الامور، وما يبنى على الخطأ لا يثمر الصحيح.

                                        

أقولها بمزيد من الوضوح والبساطة، نحن أمام متغيّرات سياسية واقتصادية وحضارية كبيرة، ادواتهاالفاعلة المعلوماتية والاقتصاد والحنكة السياسية والتخطيط الستراتجي من جانب الغرب (والغرب هنا اصطلاح أكثر مما هو جغرافية)، وبيئة معطياتها الزمكانية ازمات وفشل مشاريع التنمية ونكوص في البرامج السياسية وتراجع فكري وثقافي في الشرق الاوسط. هكذا باتت البيئة والاجواء الشرق اوسطية مهيأة تماما لتنفيذ البرامج والتقاء الاجندات وتقاطع المصالح وتوافقها في النهاية، من خلال ترجمة التوافقاتكمفردات سياسية واقتصادية على أرض الواقع.

 

من باب التذكير نقول، أما نسي الناس المصطلحات الرنانة من أمثال دول الممناعة والتصدي وحرّاس البوابة والعدو الصهيوني وغيرها من المفاهيم التي روج لها الاعلام الشرق اوسطي السلطوي وباتت كالجدران تحصن عقول الملايين من أبناء شعوب المنطقة؟ وبات معلوما بأن السلاح الذي تم تكديسه على مدى عقود في سوريا (كمثال) وعلى حساب رفاهية الشعب السوري وباسم محاربة اسرائيل، استخدم من دون خجل أو تردد في ضرب السوريين وتدمير المدن والبلدات السورية. اليست هذه تراجيديا مرّة مذاقها أشد مرارة من الحنظل؟

 

الارادة السياسية في الشرق الاوسط عموما وفي بلدان العالم العربي خصوصا، باتت مشلولة تماما، الكل بانتظار ما كان يعرف ويعرّف بـ(المستعمرين) سابقا، لكي يأتوا ويرسلوا جيوشهم ليضعوا حدا لحروبنا العشوائية ضد بعضنا البعض.

 

والصورة كرديا تبدو دراماتيكية ايضا. من جهة يحقق الكرد حضورهم المشهود في مجريات التأريخ الآني للشرق الاوسط، خصوصا كرد جنوب وغربي كردستان (في العراق وسوريا) حيث الاداء الكردي الذي يشهد ويشاد به على الصعيد العسكري والسياسي والاداري ايضا، ومن جهة اخرى نرى ان البيت الكردي في هذين الشطرين من كردستان (وكذلك في شرق وشمالي كردستان أيضا) يعاني الفرقة والتشتت.

 

المعطيات الايجابية التي يقدمها الكرد وقواهم السياسية وجحافلهم العسكرية، والتي تترجم بصيغة اعتدال سياسي واستعداد عال للتصدي للمجاميع المتشددة التي باتت تشكل تهديدا للأمن والسلم العالميين، محققين النجاح في تعاملهم مع أطراف التحالف الدولي ضد التطرف، هذا المعطى الايجابي مقرون بفشل داخلي من حيث التعامل البيني بين القوى الكردية داخل الشطر الكردستاني الواحد وكذلك بين القوى الكردستانية المنتمية لأجزاء كردستان المختلفة.

 

الكرد يفتقدون ستراتيجية العمل المشترك، القوى الاقليمية (وفي المقدمة ايران) تمارس تأثيراتها السلبية وتفرض الكثير من مفردات اجندتها على بعض القوى السياسية المتنفذة كردستانيا. وهذا يعني بعثرة المشروع الكردي والنيل من رصانة ومتانة البيت الكردي وتشتيته.

 

شعوب الشرق الاوسط الكبرى تلتقي وتتقاطع في الكثير من المحاور، عجزها عن التوصل الى صيغ تعايش مشتركةومقبولة، ظل ومازال يزعزع استقرار المنطقة برمتها ويجعل التدخل الدولي المنفذ الوحيد للتوصل لصيغ من الحلول، كانت ومازالت غير منصفة من وجهة نظر شعوب المنطقة.

 

الايرانيون (ومحور هويتهم فارسية) يسعون للتمدد تحت ستار المذهب ومناصرة أتباعه. الاتراك يتطلعون من الشباك الى النادي الاوربي ويسعون للدخول من باب العثمنة والعمق الستراتيجي الى الشرق وفي ذهنيتهم نديّة النفوذ الايراني والحد من تمددهم السياسي والمذهبي. العرب من جهتهم عاجزون عن حماية كياناتهم من التهديدات الداخلية والخارجية. الكرد كأمة محرومة حتى الآن من حق السيادة تعيش حالة من الثورات والانتفاضات التي لم تخمد منذ القرن التاسع عشرمن دون أن تنال الاستقلال.

 

القوى العظمى والاقتصاديات الكبرى تطرح في السرّ والعلن مشاريعها السياسية وتدافع بقوة عن مصالحها الستراتيجية وأمنها القومي. وتبعث في هذا المنحى وبمختلف الوسائل والاساليب العديد من الرسائل عبر الاثير أو من خلال منظومات رسمية وشبه رسمية، تعرض فيها وتثبت في ان لها اليد العليا من حيث القوة ومن حيث سيطرتها على مقدرات دول وشعوب الشرق الاوسط. وهناك تعامل مزدوج (واحد معلن وآخر من خلف الكواليس) من قبل دول وقوى شعوب الشرق الاوسط مع مشاريع ورسائل القوى العظمى، اي ان الشرق يتعامل بازدواجية سلبية مع مشاريع الغرب (والقوى العظمى) واجنداته.

 

اللعب في هذا الملعب الساخن يحتاج حنكة ودراية سياسية عالية، ولابد من دعمه بمزيد من الصبر والاصرار والتواصل مع مجريات الامور والمعطيات المتجددة علاوة على وضوح الرؤية.

 

 نحن الآن في صلب التحولات المنتظرة، والسباق في أوجه بين القوى المحلية والاقليمية والدولية لتقاسم الكعكة.هل يستطيع الكرد ترجمة النصر العسكري الذي حققوه الى نصر سياسي؟ الاجابة تبقى مرهونة بقدرة القوى الكردية الرئيسة على التعامل بمزيد الذكاء مع الواقع وعناصره الفاعلة، فالمنجز العسكري ان لم يترجم الى منجز سياسي، يعني الخسارة.

 

المشهد الكردي فيه أكثر من عنصر ايجابي، ونقطة الضعف الكبرى كرديا هو انعدام التوافق البيني. ترى هل تستطيع القوى الكردية تجاوز عقدة انعدام التوافق البيني؟هذه القوى باتت الآن عند ابواب الرهانات التي تفتح أمام الجميع ابواب الحصاد. للحصول على بيدر يوازي التضحيات الجسيمة التي قدمها الكرد، لابد من وحدة البيت الكردي والكلمة الكردية، هذه الوحدة ذاتيا مازالت بعيدة المنال، فهل يسعفنا التدخل الخارجي لتحقيق الوفاق الكردي الكردي؟ ربما هي بوابة الامل الوحيدة، فالكرد مشتتون مثل العرب تماما.

Rojava News 

Mobile  Application