حول تبرير الخطف عند نخبة الإسلام السياسي الحاكم
حول تبرير الخطف عند نخبة الإسلام السياسي الحاكم

حول تبرير الخطف عند نخبة الإسلام السياسي الحاكم

1:16:55 PM

 RojavaNews: كتب الكاتب اللبناني خليل عيسى مقالا حول تبرير الخطف عند نخبة الإسلام السياسي الحاكم وهذا ما جاء في مقاله ما يلي: 

ظهر استخدام خطف الأجانب من ديبلوماسيين وصحافيين كتكتيك استخدمه تقليديّاً «الضعفاء» من التنظيمات اليسارية المتطرّفة ولاحقاً الإسلامية الجهادية في كلّ أنحاء العالم، وبخاصة في الشرق الأوسط خلال الستينات وأوائل السبعينات من القرن الفائت في حروبهم ضد «الأقوياء». «الأقوياء» في معظم الحالات هي حكومات غربية تمتلك جيوشاً عصيّة على الانتصارات الخاطفة التي دوماً ما يحلم بها أعضاء تلك التنظيمات. في تلك الحروب التي تخاض بصمت يكون عادة ديبلوماسي أو ملحق ثقافي لسفارة أجنبية الهدف الأسهل للضغط على الدولة المعنية أو لإيصال رسالة ما من قبل طرف ثالث، لكن منذ حدوث الانقلاب على شاه إيران الذي قام به الخميني عام 1979 والتي كانت «معمودية النار» فيه عملية خطف لثلاثة وستين فرداً من السفارة الأميركية في طهران بدأت في 4 تشرين الثاني (نوفمبر) 1979 واستمرت 15 شهراً، شرعت السلطة الحديثة العهد في إيران باستعمال أسلوب خطف الأجانب كأداة ابتزاز للدول الغربية. بعدها في لبنان وخلال عقد الثمانينات من الحرب الأهلية استخدم نظام حافظ الأسد وليبيا القذافي وإيران الملالي الأسلوب نفسه، في سلسلة من عمليات تمّت في بيروت الغربية (104 رهائن أجنبية بين 1982 و1992)، وأبرز مثال على التبعات الرهيبة لذلك كان مقتل الباحث الفرنسي ميشال سورا الذي مات مخطوفاً عام 1985.

إذا كان خطف المدنيين بصفته عمل إرهابي هو سليل «تاريخي» لعمليات الخطف التي كانت تقوم بها ولا تزال العصابات وقطاع الطرق، إلا أنّه كسلاح سياسي «رخيص» ما لبث أن لاقى استعمالاً رائجاً من قبل دول مثل إيران وليبيا وسورية كانت أضعف من أن تتحمل حروباً مباشرة، حيث يتمّ الخطف عادة خارج البلد المرسل للرسالة. وفي هذا يبدو أنّ ذهنية العصابة، ذهنية اعتماد خطف المدنيين عند بضعة أفراد يأخذون القرارات الحاسمة كانت ولا تزال صفة ملازمة لسلطة الملالي الحاكمة، سلطة هي إحدى التجليات الحديثة الأولى لما يسمى بالإسلام السياسي.

لكن أخراً بدا أنّ أردوغان وهو الممثل الثاني للإسلام السياسي الصاعد من «الأقوياء» في الإقليم بات يستعمل الأسلوب نفسه بعد عملية «اعتقال» القس الأميركي أندرو برونسون في تشرين الأول (أكتوبر) عام 2016 الذي عاش لمدة 23 عاماً في تركيا. سجن القسّ برونسون لمدة شهرين من دون توجيه أيّة تهم إليه، ثم اتهم بعدها «بالتخابر مع جهة أجنبية وبالعمل لمصلحة حزب العمال الكردستاني». الدليل الوحيد الذي قدمته الحكومة التركية على كل ذلك هو رسائل «واتساب» للمبشّر إياه الذي كان قد أرسل لصديقه أنه فرح بمحاولة الانقلاب لأن ذلك «يحضر الشروط لعودة المسيح». اعتقال برونسون كان أشبه باختطاف، لكنه على أيّة حال ليس ببعيد عن معظم الاعتقالات التعسفية التي تتمّ في تركيا منذ سنوات قليلة لصحافيين وكتّاب وباحثين وناشطين وناس عاديين بتهمة كونهم من أتباع غولن تحت ستار قانون الطوارئ، حيث وصل عدد المحتجزين هناك إلى 160000 شخص. في خطابه خلال شهر أيلول الماضي أعلن أردوغان محاولته الضغط على الإدارة الأميركية لتسليمها «فتح الله غولن» وقال إنه «لديكم قسّ (غولن) أيضاً. أعطوه إيانا... وسنعطيكم إياه (برونسون)."

بعدها قال البيت الأبيض إنّ الحكومة التركية طلبت دعم الرئيس الأميركي في إطلاق سراح «إبرو أزكان» وهي امرأة تركية مسجونة هناك متهمة بالتعامل مع حركة «حماس» مقابل إرجاع القسّ وبأن إسرائيل نتيجة لذلك أبعدت السجينة إلى تركيا.

عملية «التجارة» بالقسّ الرهينة من قبل السلطة الأردوغانية التي يغطي ارتفاع منسوب لهجة رئيسها ضد الولايات المتّحدة حالياً حقيقة كون تركيا هي عضو فاعل وأساسي في حلف شمال الأطلسي، لدرجة أنّ وزارة الدفاع الأميركية طمأنت الجميع أخيراً في بيان لها بأنّ «العلاقات لم تتوقف بين الجيشين الأميركي والتركي لحظة واحدة»، تشير إلى أنّ استيراد الأسلوب الإيراني بإعلاء صرخات «الموت لأميركا» في كون هذا، تحديداً، هو الوسيلة الأنجع لتغطية التعامل الأوثق مع أميركا على الأرض، إنّما يقوم على قدم وساق في بلاد الأناضول. وبهذا فإنّ احتجاز برونسون أو خطفه العملي من أجل الاتجار به مقابل غولن ليس سوى خطوة إضافية على طريق تبلور ذهنية العصابة عند الفريق الأردوغاني الحاكم. حينها يصبح السؤال الطبيعي: هل أنّ ذهنية العصابة في إدارة العلاقات الدولية هي صفة تكاد تكون ملازمة للإسلام السياسي عند «الأقوياء» خلال العقود الأربعة الماضية، صفة هي تكوينية في حالة إيران الملالي وتطوريّة في حالة تركيا؟ واستتباعاً هل يحاول «السلطان» أن يقيم بهذا شرخاً سيكولوجيّاً عميقاً ضد أميركا في ذات جماهير تركية تمتلك نزعة قومية جامحة حتى لو على حساب تدهور الاقتصاد التركي، تماماً كما فعل خميني مع الإيرانيين بخطفه رهائن السفارة الأميركية، وذلك من أجل ترويج مشاريع تركيا الإقليمية في المنطقة العربية في خضمّ سعيه وحزبه لاختلاق «بطل سنّي»؟ هل يتّبع أردوغان الوصفة الإيرانية في حذافيرها حتى لو بثمن أخذ تركيا إلى خرابها جراء ذلك؟

هذا لأنّه حتى العصابات يمكن أن تخطئ في حساباتها أيضاً.

 

 

Rojava News 

Mobile  Application