طارق كاريزي: درس حسكه

طارق كاريزي: درس حسكه

أبشع أنواع الارهاب هو الذي يستهدف المدنيين العزل بشكل أعمى. تنظيم (داعش) الذي أستهدف عشية نوروز جمع المحتفلين برأس السنة الكوردية في حسكه بتفجير مزدوج (دراجة وسيارة مفخختين)، أراد ضرب الضمير الكوردي الذي يعيد تجديد ذاته سنويا في نوروز، وأيضا استهداف الهيبة الكوردية التي تألقت بتلقين (داعش) درس بليغ في كوباني. فالذي حدث في نوروز حسكه له جذر تأريخي يضم بين ثنايا صفحاته الكثير من الأسرار حول التغييرات الديمغرافية الدراماتيكية التي رافقت هجرة القبائل العربية موطنها الأصيل في الجزيرة العربية عشية عصر الفتوحات، حيث كانت انعطافة تأريخية مهدت لحالة من الصهر القومي والثقافي لصالح القادمين من الجزيرة، ليفرضوا ثقافتهم تحت ظلال السيف. جبال كوردستان كانت السد المنيع الذي سند الكورد في صمودهم الثقافي ومحافظتهم على انتمائهم الاثني، لأن التهديد تواصل رغم مشتركهم العقائدي مع الفاتحين الجدد. ثقافة الفتوحات التي أفلت في العصر الاموي، تعاود الظهور بأساليب ومسميات جديدة، وقد استغلها جيران الكورد (الترك والفرس والعرب) بغية التوسع والانتشار تحت رايات المقدس الزائف وليس المقدس الحقيقي الذي يركن لواقع حال أمم الشرق الأدني التي انست العقيدة ورضيت به، بل دافعت عنه بمنتهى الاخلاص. وقدر تعلق الأمر بالكورد، يعد نموذج صلاح الدين الأيوبي خير مثال لذلك، اضافة الى الانخراط السخي للمحاربين الكورد في جيوش الدول والامبراطوريات التي حملت رايات الاسلام. لقد حاول الآخرون استصال جذوات الارث الكوردي وقلع جذور الثقافة الكوردية بكل ما أمتلكوا من وسائل المكر والمكيدة، لكن العلاقة بقيت صميمية بين الكوردي وأرضه، بينه وبين مختارات من تراثه الثقافي والحضاري، ونوروز أحداها. كل الجهود التي بذلها الآخر المعادي لسلخ نوروز من الضمير الكوردي فشلت، ومساعي داعش لضرب الكوردي وآيقوناته الثقافية لن تكون الأخيرة، ورغم فداحة التضحيات في شنكال وكوباني وأخيرا في حسكه، فان جدلية العلاقة بين الكوردي وثقافته تواصل التجديد وتعيد انتاج ذاتها بمزيد من الحيوية. فكل عام تعيد الطبيعة في كوردستان احياء ذاتها ويعيد الكوردي والكوردستاني بناء سويته، ليكون أكثر تجاوبا مع متطلبات الظرف الزمكاني ومؤهلا للدفاع عن وجوده وحريته دون كلل أو ملل.

Rojava News 

Mobile  Application