بعد أن تعرقلت الثورة السورية بفعل مفاعيل عديدة متداخلة (داخلية وإقليمية ودولية)، وبعد أن تحوّلت "خيارات" الربيع السوري إلى "مسارات" عسكريتارية أدت إلى تدحرج الثورة إلى أزمة مستعصية تتصارع حالياً مع سكرات عامها الخامس! وبعد أن غزا العنف البلد وتمدّد حتى تبدّد شكلاً ومضموناً، وتدمّرت بُنى البلاد، وتجزأت ديموغرافيتها طولاً وعرضاُ، وتقطعت الأوصال والمواصلات، وإلتغت مقومات العيش المشترك بين مختلف المكونات (عرب سنة وعلويين وكورد وآشوريين وغيرهم) وبلغت العداوات البينية ذروتها، بعد أن بلغ عدد الشهداء والجرحى والمعوّقين والمهجّرين والمغيبين والمفقودين بالملايين، وبعد أن تحوّلت سوريا اليوم إلى مغناطيس جاذب وحاضن للإرهاب وبؤرة توتر يسري عدواها إلى دول الجوار والمنطقة التي تشهد حالياً حرباً ضروساً تتشارك فيها أحلاف دولية وأخرى عربية تتقاطع خياراتها ومصالحها وخططها وتتوافق فيما بينها حول مسار محاربة الإرهاب ونسف حواضنه وضرب داعميه واقتلاعه من الجذور تمهيدا لاستئصال هذا الورم السرطاني الذي قد يستشري ويهدد حاضر ومستقبل منطقتنا والمعمورة.
وإذا استمرت الأوضاع على هذا الغرار، فمن الممكن أن يستقر الموقف الدولي باتجاه اتخاذ قرار التدخل المباشر والبحث عن مخارج لإنهاء الأزمة والإتيان بسوريا جديدة تشهد مرحلة انتقالية لا مكان فيها لنظام الأسد الآيل إلى السقوط بفعل استمرار دوامة العنف وحصول متغيرات نوعية في هذه الأيام على الأرض، ولأن سوريا أضحت مقسّمة ولقمة سائغة في فاه واقع معاركي قد يسوقها إلى مجهول جيوسياسي مقسّم للبلاد.
وفي هذه الحالة يتبادر إلى الأذهان أسئلة، أبرزها: عن أية "سوريا بلا أسد" يتحدث دبلوماسيو الدول العظمى المعنيين بالملف السوري الذي تأزم كثيرا حتى تحوّل إلى قضية دولية عالقة؟ وهل سوريا لازالت رقعة جغرافية واحدة أم أنها متقطعة الأوصال ويسيطر على كل وصلة منها أمير يحكم إمارته بأمر من "أمير الشام الأكبر بشار الأسد" الذي يتربع حاليا بأوامر من ولاية الفيقه على عروش أمراء الإمارات التي قام بتشكيلها في بلاد الشام والعراق "كحزب الله وجبهة النصرة وجيش الإسلام وتنظيم داعش وأخواته التي يبلغ تعدادها العشرات من الجماعات الشيعية والسنية المتطرفة والمتوافقة فيما بينها" والتي تأخذ أموالها وأوامرها من دمشق التابعة لطهران علناً.
ولنفرض جدلاً بأن المجتمع الدولي قادر على إسقاط الأسد في دمشق فهل ستقوم موسكو وطهران بتسليم دمشق إلى إحدى جماعاتها الإرهابية والإيعاز للأسد بالفرار إلى طرطوس وجعلها عاصمة لسوريا مثلا؟ تماما كما قاموا بتسليم الرقة والموصل وتكريت والأنبار إلى داعش والبعثيين، وأيضا تسليم ديرالزور وأدلب ودرعا وحلب إلى جبهة النصرة وأتباعها؟ وهل سيسير الملف السوري صوب الأنحسار في عنق قارورة مضغوطة قد تنفجر فتتلاشى بانفجارها سوريا وجوارها؟
رغم هذه الفلتان السوري المخيف، فإن الجانب الكوردي المتمثل بالمجلس الوطني الكوردي الذي يتعبر عنوان القضية الكوردية والحاضن للمشروع القومي الكوردستاني في هذه المرحلة المصيرية التي تجتازها كوردستان سوريا، سيبقى ينبذ العنف والتقاتل ويرفض عسكرة الحلول ويسعى للتعايش المشترك ويتطلع نحو التوافق السلمي حول طاولة مستديرة يحضرها عقلاء سوريا بكل أطيافهم، وفي الوقت ذاته يناشد المجتمع الدولي للتدخل وايقاف هذه الحرب المجنونة شريطة القضاء على الإرهاب وطرد الإرهابيين وإسقاط نظام الأسد والإتيان بسوريا ترضي الجميع ويسودها نظام ديمقراطي تعددي فدرالي، وتتحقق في رحابها الفدرالية لكوردستان سوريا، وهذا لايمكن تحقيقه إلا من خلال عقد مؤتمر "دولي وعربستاني وكوردستاني" في الخارج كالرياض مثلا، على غرار مؤتمر الطائف الذي استطاع أن يضع حداً للحرب الأهلية التي داهمت الديار اللبنانية والتي كادت أن تودي بذلك البلد إلى الهاوية لولا اتفاق الطائف التاريخي، فالحاجة ماسة إذا إلى عقد "طائف سوري" ينهي الأزمة السورية.
لقد وقف شعبنا الكوردي ويقف مع الثورة السورية ضد نظام الأسد، والمجلس الوطني الكوردي طرف رئيسي وشريك في إئتلاف قوى الثورة والمعارضة، ونحن نتخندق مع المعارضة السورية على علاتها وتشتتها وجوانب ضعفها، ونعتبرها حجر الزاوية في إجراء أي تغيير قادم إلى سوريا التي تحوّلتْ إلى ساحة مستباحة لكل الشبيحة والأذرع الأمنية والجماعات الإرهابية التي استقدمها الأسد من كل حدب وصوب.



