عندما يكون الحديث عن ثقافة وطنية، يستلزم منطقيا وجود وطن حقيقي بمحددات جيوسياسية وفحوى ثقافية و يمتلك مرتكزات راسخة ترسم ملامح هذه الثقافة. العراق الحديث رسمت حدوده الجيوسياسية من قبل القوى العظمى المنتصرة في الحرب العالمية الاولى. وهو ايضا ليس البلد الوحيد الذي تمت بلورته افتراضيا ومن ثم ترجم الافتراض على ارض الواقع، بل ان جميع بلدان الشرقين الادنى والاوسط وكذلك شمال افريقيا حتى جنوبها تم رسم الخرائط الجيوسياسية لها وفق نمط ومعايير القوى الاستعمارية العظمى، وهكذا فقد شهدنا على مدى ثمانية عقود من القرن العشرين ميلاد 071 دولة جديدة في العالم.
عود على بدء، من المفيد مناقشة عناصر الوطن والوطنية في سياق هذه الدول، فحالات اللا استقرار السياسي والصراعات ذات الخلفيات الثقافية وذات الجذور الاقتصادية ايضا تعطي الدليل الساطع على ان الدول حديثة الولادة لم تستطع ان تبني اوطان راسخة وتشكل شعوبا منسجمة تحت خيمة هوياتية جامعة تختط الرؤى وتحدد المسارات للسير على هدي العصرنة وتحقيق النمو والازدهار. ومن المفيد الاشارة الى ان حقيقة ساطعة تقول بأن اسس بناء هذه الدول ربما لم تكن سليمة بما فيه الكفاية، فالاوطان الافتراضية التي اسست وفق مشيئة المنتصرين في الحرب لم تستطع احتواء الروافد والمراجع الثقافية والموروث التاريخي لمكوناتها المجتمعية، ومن هنا فقد لجأت سلطات هذه الدول الى العنف والاكراه لإخضاع المتمردين ضد الصهر القهري ضمن بوتقة الاحادية الثقافية لهذه البلدان على اساس سيادة العنصر ذي الأغلبية العددية واحيانا سيادة احد المكونات التي لاتشكل الاغلبية السكانية. ومن هنا فإن بناء الدولة الوطنية قد شهد عموما في دول الشرق الاوسط ذات التنوع الاثني نكوصا كبيرا، والعراق خير نموذج لما نقول.
بلد افتراض السلطة
الهوية العراقية اكتسبت صفة الرسوخ على الصعيد الرسمي من خلال الوثائق المدنية التي اصدرتها الجهات المعنية في الحكومة العراقية، مع هامش كبير للنفي (نفي الذات) دفع الكورد الفيليين ضريبتها حيث سلخت منهم هوية انتمائهم الوطني على خلفية انتمائهم القومي ومن ثم المذهبي وتم تهجيرهم نحو الاراضي الايرانية. اما على الصعيد الثقافي فإن الهوية الوطنية ظلت هلامية في العمق عربية الملمح عند السطح. فالعراق احد البلدان المؤسسة لمنظمة جامعة الدول العربية والسلطات في بغداد لم تخف يوما الانتماء العربي للبلد، متجاوزة في ذلك التعدد الاثني والثقافي للشعب العراقي. وهذا الخطأ الفادح هو الذي رشح بروز أزمات عميقة في بنية المجتمع العراقي الذي ظل يعاني من التشظي القومي والمذهبي ومن العصبيات القبيلة والمناطقية ايضا.
العراقية هوية جامعة
يتبنى البعض من النخب اطروحة الوطن العراقي من خلال طرح مشاريع فوقية لاتمتلك مرتكزات موضوعية وحججا واقعية. فالمشروع الوطني العراقي وبعد مضي حوالي قرن على تأسيس الدولة العراقية قد شهد الفشل، وهل من دليل ابرز وابلغ مما نشاهده من صراع رهيب بين المكونات العراقية وحالة التقاطع القاتلة بين المشاريع المكوناتية وارتفاع اصوات التعددية فوق صوت الوطنية المفترضة؟ من المسلم به ان الدولة العراقية فيما لو قدر لها السير وفق معايير العصرنة بما فيها من ركائز كالعدالة والمساواة والديمقراطية بالشكل الذي يلغي التمايز بين العراقيين ويتيح فرص التقدم والازدهار من دون تمييز امام الجميع، فانه وفق ارضية كهذه كان ممكنا ارساء الهوية العراقية التي هي اساسا افتراضية لكنها لا تفتقر الكثير من المنطق، الا ان منطق الواقع يبقى هو الاقوى ويتبوأ منزلة منطق الحسم حين تتم مقاربة الامور في الواقع العراقي من حيث مجريات الامور وحيثيات الأحداث التي شهدها البلد طوال العهدين الملكي والجمهوري، ولعل الازمة التي عصفت بالبلد بعد زلزال عام 2003 قد اكدت بما لا يقبل الجدل بأن الهوية الوطنية العراقية ما هي سوى وهم افتراضي تعذر تطبيقه على ارض الواقع.
هوية بديلة
نحن الآن نعيش تفاصيل صراع هويات بين المكونات العراقية، ولكل طيف عراقي صغيرا كان ام كبيرا سردياته ومرجعياته الثقافية. هذه السرديات والمرجعيات التي عجزت عن الانصهار ضمن بوتقة اشمل واكبر، ونعني بها بوتقة الوطنية العراقية، مما يعني اننا نشهد سقوط الهوية الوطنية العراقية في وضح النهار قبل ان تصل مرحلة التبلور، وتعد الشريحة الثقافية بما فيها من نخب متعددة جزءا من عملية التشظي واعادة بناء الهوية. لهذا ومن اجل تجاوز قرن من اللااستقرار والصراعات الرهيبة التي عاشها العراق والعراقيون من دون ان تفضي الى بلورة الهوية الوطنية ضمن الجغرافيا السياسية للبلد، عليه من المنطق ان تبحث النخب عن بدائل للوصول الى ابرام عقد اجتماعي جديد بين العراقيين يتوافق مع التطلعات السياسية والثقافية لكل مكون من المكونات العراقية. وهذا الامر لا ينحصر بالمكونات الاساسية الثلاثة، بل من المنطق ان يتم ضمان حقوق باقي المكونات العراقية التي يصح ان نطلق عليها المكونات الاصغر حجما واحترام خياراتها في العيش بحرية وأمان واستقرار وضمان مستقبل مزدهر لكافة الاطياف العراقية. وهنا نحن لا نود التحدث عن الخيارات السياسية للمكونات العراقية، بل ان ذلك يدخل في صلب العمل السياسي والمناورات المناطة بالقوى السياسية الفاعلة لكل مكون من المكونات وكذلك اطلاق حرية كل مكون من حيث تحديد الخيارات السياسية عبر الاساليب الديمقراطية وبما يحقق رضا كل مكون ويلبي طموحاته. فالهوية العراقية الجامعة الشاملة (وفق الذي اثبتته الوقائع) وهم كبير قد شهدنا سقوطه عبر بحر من الدماء وامواج.



